من يحتل العراق... ولماذا تصر طهران وواشنطن على الازدواجية في التعامل؟

الكاتب والباحث سمير عبيد               Saturday 20-10 -2007

واشنطن وطهران ....!
من يغش من؟
ومن يقلّد من؟
ومن هو الطرف الذي يحتل العراق... فهل هي طهران أم واشنطن أم تل أبيب... أم الثلاثة معا؟
فالظاهر للعيان أن العراق تحت الاحتلال الأميركي، وهناك تدخل إيراني ... ولكن الحقيقة أن العراق تحت الاحتلال الصهيوني التلمودي، وبقوة وسوط أميركا، وبحناجر وألسنة وسواعد ظاهرها عراقي، وممارستها إيرانية، ونيتها وتوجهها صهيوني.
وأن طهران تعلم جيدا بأن ما نسبته أكثر من 50% من الرجال الذين يدعون الولاء لإيران هم يعملون بالسر مع اللوبي اليهودي ومع إسرائيل مباشرة في العراق، وهم في موقع القرار العراقي، ويرتدون الأزياء الإيرانية والعراقية، ويضعون بأياديهم الخواتم والمسابح... ولكن طهران وعلى ما يبدو وأن لم تكن على علاقة سرية مع تل أبيب في العراق، فهي إذن استخدمت و تستخدم هؤلاء جسرا للتغلغل في العراق لحين ساعة الصفر.

وربما من هنا يبدأ طرف الخيط ليقودنا إلى سر الخلاف بين طهران وواشنطن ومعها تل أبيب، أي أن واشنطن وتل أبيب تريدان التعجيل بساعة الصفر التي حددتها طهران من أجل منع إيران من الاستفراد بالعراق والمنطقة، وبعد أن تتخلص من العملاء المزدوجين بين طهران وتل أبيب، والذين هم في الحكم العراقي الحالي، لتضع مكانهم الوجوه التي هي الآن تنتظر دورها وهي في العراق وإيران وفي الخارج، ولكن واشنطن وتل أبيب تريدان قطع هذا المخطط الإستراتيجي الذي رسمته طهران للعراق.
فالمعركة إذن معركة إرادات، ومعركة ذكاء بين طهران من جهة وبين واشنطن وتل أبيب من جهة أخرى، فإيران اعترفت وعلى لسان قادتها، فلولا مواقفها ومساندتها للحرب لما سقط نظام طالبان ونظام صدام، فهي إذن تريد حصتها من الغنيمة الكبرى وهي العراق، ولكن إسرائيل هي التي تريد الهيمنة على العراق والمنطقة وليست إيران، وهي التي تريد أن تدور بفلكها الدويلات والمشيخات المُستحدثة في المنطقة ... وهذا هو جوهر الصراع بين طهران من جهة وبين واشنطن وتل أبيب من جهة أخرى ، والضحية العراق والشعب العراقي، وأن المشروعين لا يخدمان العراق والعراقيين والمنطقة.
فإيران تريد الهيمنة على العراق كي تتفاوض سرا على حزب الله ، والمنظمات الفلسطينية، وعلى الأوضاع السورية، وعلى قضية السلام، لأن طهران لا تريد تحقيق السلام بين إسرائيل والعرب، لأنها تفقد بذلك ورقة مهمة جدا تستخدمها كمخدر وتجارة للداخل الإيراني وللشعوب الإسلامية.
لذا فهي تريد من يهندس السلام مع إسرائيل وليس غيرها ،وبالوقت الذي تحدده هي، ولهذا صنعت المخالب في جميع الجهات من أجل منع إحلال السلام كي تبقى جميع الأوراق بيدها، ومن الجانب الآخر هناك قيادات إسرائيلية تؤمن بالصهيونية والتوسع، ومعها طبقات تلمودية تؤمن بالروحانيات والتاريخ هي الأخرى لا تريد تحقيق السلام من أجل تحقيق الأحلام الطوباوية.

النظر إلى الازدواجية الإيرانية والأميركية في العراق
لهذا ..فلو جئنا على السياسة الإيرانية في العراق، فنراها غريبة الأطوار والدهاليز، ولها وجه ظاهري، والوجه الآخر سري، والظاهري يتسم باللين والمحبة والتألّم على ما يحصل في العراق، ولكن الوجه السري عبارة عن هلوكوست دموي ضد الكفاءات العراقية، وبمقدمة هذه الكفاءات قادة وضباط الجيش العراقي المنحل، والطيارين والمهندسين العسكريين والخبراء والأطباء والرموز العروبية، وضمن تطبيق سياسة الأرض المحروقة في العراق اتجاه الكفاءات والعقول، ناهيك عن نهب الثروات من خلال تهريب النفط والجلود والتمور والثروة الحيوانية، مقابل الغزو الفكري والثقافي والتربوي والسياسي والإستخباري الإيراني في العراق.
أما بخصوص موضوع حزب البعث، فإيران هي وراء تطبيق قانون اجتثاث البعث والبعثيين، وهي وراء إعدام القيادة العراقية، وتحاول التخلص من جميع البعثيين، وحتى من الكوادر الوسطية، ولكن لو نظرنا إلى الجهة الأخرى فنرى طهران حليفة قوية إلى حزب البعث في سوريا، والى القيادة القومية في سوريا، بل هناك دعم منقطع النظير لتقوية حزب البعث والقيادة في سوريا،ولكن بنفس الوقت هناك عملية مطاردة واعتقال وخطف وتشريد وتهجير بحق البعث والبعثيين في العراق وبدعم إيراني، وهناك حصار وقمع منقطع النظير وبدعم إيراني أيضا و لجميع الأصوات العروبية والقومية، ومحاولة جادة لمسخ اللغة العربية والتوجه القومي في العراق، والعمل على تغيير ديموغرافية البصرة والنجف وكربلاء، أما البعثات العراقية في الخارج، فلقد تحولت إلى أوكار و عيون تخدم السياسات الإيرانية في البلدان التي تتواجد فيها، والنصف الأخر المتمثل بالأكراد يخدم السياسات الإسرائيلية، ولم يبق حيز للعراق والعروبة والعرب إلا ما نسبته 5% وفي بعض البعثات العراقية فقط...!

فهي ازدواجية تحتاج إلى دراسة معمقة، ومن المختصين حول هذه الظاهرة الغريبة حقا ،والتي لا تعبر إلا عن حقد دفين له أبعاد تاريخية وقومية وسياسية ضد العراق والعراقيين، بحيث أن ثلاث أرباع الحكومة الحالية في العراق هي من أصول إيرانية، وأن لم تكن كذلك فأن أشخاصها يوالون إيران في القلب واللسان، ولقد غلبّوا الطائفة على الوطن، والمذهب على الدين والوطن... وهذا يعني أن العراق مخطوف حكوميا ولصالح إيران وبالاستعاضة، أي من خلال هذه الوجوه التي تجلس في سدة الحكم في العراق، والتي تستلم أوامرها من طهران.
أما من ناحية الولايات المتحدة فالقضية لا تخلو من الغرابة أيضا، فهناك ازدواجية غريبة وعجيبة، فهي وافقت ودعمت عملية اجتثاث البعث والبعثيين، وهي تتفاوض سرا مع البعثيين وبشهادة السياسيين والقادة العسكريين الأميركان، ومن الجانب الآخر تتعاون وتدعم المجموعات التي تحكم العراق والعراقيين ،والتي هي توالي إيران جملة وتفصيلا.

ألم تكن هذه ازدواجية غريبة؟
بل تتفرج الولايات المتحدة على البطش الذي تقوم به مليشيات هؤلاء الذين يحكمون العراق، ومعها خلاياهم السرية بحق الشعب العراقي، وتعلم أنها مليشيات تدربت في إيران، وتسافر للتدريب في إيران، وأن قيادتها السرية هي من إيران.. فما معنى هذا؟.
هل أن الذي يحتل العراق ليس الولايات المتحدة بل هي إسرائيل، ولهذا فأن هذه الأفعال خدمت وتخدم مصالح إسرائيل ،وهي قتل القيادة العراقية، وتشريد الشعب العراقي على طريقة السبي البابلي، والتخلص من الكفاءات العراقية، وتفتيت المجتمع العراقي والمطالبة بتقسيم العراق إلى أقاليم، والأقاليم إلى مشيخات ودويلات ..الخ؟
فالحقيقة هي غرابة وازدواجية أن تقوم واشنطن بتهديد إيران ليل نهار، وهي تتعامل مع رجال إيران في العراق، وهي تعلم بأن حكام العراق، وخصوصا الائتلاف الشيعي الطائفي يستلم أوامره من طهران، ويطبقها في العراق بل ساعد ويساعد إيران في بسط نفوذها في الوسط والجنوب، وعلى المستوى السياسي والثقافي والإستخباري واللوجستي والتربوي التعليمي وفي كل شيء.


لهذا من الصعب تصديق الساسة في الولايات المتحدة....
وكذلك من الصعب تصديق النوايا والسياسات الإيرانية...
أما الحكومة العراقية فلم يبق لها احترام داخل نفوس العراقيين، وخصوصا بعد أن شاركت بتدمير العراق والعراقيين، ونهب ثروات الشعب العراقي والأجيال العراقية، ولصالح إيران وإسرائيل.
فلم يبق للعراق والشعب إلا سواعد العراقيين، وزناد المقاومين الشرفاء، وإتحاد العراقيين أينما وجدوا من أجل إنقاذ بلدهم من عصابة ما يسمى بالحكومة العراقية، ومن الاحتلال الأميركي الإسرائيلي الإيراني.

*مركز الشرق للبحوث والدراسات
18/10/2007


تم طباعة هذه المادة من موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=9368