الرئيسية
 صور لدمار غزة
 صور للغزاة
 ملفات سابقة
 الركن الأخضر











 



صموا آذانهم واستغشوا ثيابهم
بقلم :    أسامة عبد الرحيم

لم يعد يجدي الآن اتهام هذا النظام أو ذاك بالتواطؤ أو العمالة أو التآمر، كما لم يعد يجدي المناشدة والإلحاح لإغاثة جريح أو إدخال كسرة خبز لطفل يبسط كفا تيبس من الجوع قبيل الرحيل، العرب صموا آذانهم واستغشوا ثيابهم وتواطئوا جميعاً وأغلقوا معابرهم واستكبروا عن مد العون استكباراً.
   وبينما تعيش غزة أسبوعها الثاني من المذبحة العربية – الصهيونية، وثب المشهد الرسمي العربي يدعم صراحة وبلا مواربة الاحتلال ويدفعه نحو تنفيذ قرار الإعدام بحق المقاومة في غزة، ويتمادى في استغفال الشعوب بالتمسك بما يسمى خيار "السلام الإستراتيجي" الذي يضمن عدم مساءلة جنرالات المجزرة عن ضحاياهم ، بل وإدانة المقاومة المتمسكة بالأرض والكرامة التي ما عاد لها وجود في قاموس جامعتهم العربية فضلاً عن أنظمتها.
   تعود بنا الذاكرة – وما أشبه جرح الليلة بالبارحة- وبالتحديد إلي يوم 6 نيسان من عام 1948 حيث بعث المناضل عبد القادر الحسيني بمذكرة إلى الجامعة العربية يحملها فيها المسئولية عن التخاذل وإتاحة الفرصة للصهاينة في كسب المزيد من الأرض العربية وإراقة المزيد من الدماء.
   الجامعة العربية التي أنشأها الاحتلال البريطاني - لتكون جهة رسمية ومخولة للتوقيع على الاتفاقيات الأمنية والعسكرية تماماً كما هو الحال في حكومة المالكي في العراق ومن سبقها من الأنظمة على الدرب- رفضت دعم المقاومة الفلسطينية ورجالها بالسلاح فهي بحسب نشأتها دائرة في فلك الشرعية الدولية وما يسمى بالمجتمع الدولي الذي هو في حقيقته يعبر عن إرادة دول الاحتلال فحسب.
   الحسيني غادر القدس إلى دمشق في أواخر آذار عام 1948 للاجتماع بقادة اللجنة العسكرية لفلسطين التابعة لجامعة الدول العربية، أملاً في الحصول على السلاح ليشد من عزم المقاومين على الاستمرار والاستبسال في القتال، إلا أنه ما لبث أن عاد إلى القدس مجدداً فور علمه بتوغل جيش الاحتلال برياً في القسطل.
    رجع الحسيني من اجتماع قادة اللجنة العسكرية في جامعة أنظمة سايكس بيكو العربية فقط بنصف كيس من الرصاص، ومع هذا اتجه به مسرعاً نحو الشهادة في القسطل وهناك في السابع من نيسان من ذات العام عمد أولاً إلى إعادة ترتيب صفوف المجاهدين بدقة ونظام وكان هو في موقع القيادة.
   بعث الحسيني برسالة عاجلة كانت الأخيرة في صيف قائظ شديد الحرارة على جبهة المقاومة شديد البرودة على جبهة التواطؤ العربي الرسمي ، يقول الشهيد الحسيني في رسالته:" السيد الأمين العام لجامعة الدول العربية..القاهرة..إني أحملكم المسئولية بعد أن تركتم جنودي في أوج انتصاراتهم بدون عون أو سلاح".
   وعلى الرغم من صمود كافة جبهات المقاومة في القتال وثباتها عددا من الأيام على قلة أسلحتها وتواطؤ الأنظمة من حولها، وقع الكثير من المدنيين بين مصاب وشهيد ولربما كان عددهم مثل عدد إخوانهم في غزة الآن.
   وبحسب ما جاء في كتاب الطريق إلي بيت المقدس للمؤرخ العالم الدكتور جمال عبد الهادي فقد أدت هذه الأنظمة ما عليها بشهامة وكرم أثار إعجاب الصهاينة وجعل بريطانيا تراسلهم سراً وتشكرهم وتعدهم وتمنيهم، وفي اليوم التالي استشهد قائد المقاومة الباسلة بسبب نفاذ الذخيرة ، ثم سقطت القسطل في أيدي اليهود ، وبعد 48 ساعة وقعت مذبحة دير ياسين .
   أسرد هذه الوقائع لمحاولة ربط أنسجة الذاكرة على ضوء تكشف أبعاد المشهد العربي على المستويين الإقليمي والدولي، لفهم النتائج والتداعيات السياسية المترتبة على المحرقة الصهيونية الدائرة رحاها في غزة.
   حيث لم يختلف الموقف الرسمي العربي من القسطل 1948عنه في غزة 2009 ، علاوة على أن الحرب على غزة بمثابة إعادة للمشهد العربي في عام 2002 حيث أرسل الشيخ الشهيد المقعد احمد ياسين رسالة يطالب فيها القادة العرب بمد يد العون للمجاهدين في فلسطين ولم يستجيب أي منهم.
   وعليه سقط مخيم جنين بعد صمود أسطوري لا يقل بأي حال من الأحوال عن صمود غزة الآن ، وبعد 48 ساعة وقعت مذبحة مخيم جنين الذي صمد وحيداً وقاتل حتى استباحته الدبابات، وكديدنهم اكتفت الأنظمة التي تعي دورها جيداً بالشجب والإدانة والتذلل لمجلس الظلم في الأمم المتحدة لمجرد توجيه الإدانة للكيان الصهيوني ذراً للرماد أمام الشعوب.
   الجديد في مذبحة غزة الحالية أن الأنظمة انتفضت ورفضت مجرد مشاهدة الذبائح تخرج كل ساعة من سيارات الإسعاف، وشاركت – كل بحسب قدرته وجغرافية تواجده- في المحرقة الصهيونية التي لا تقل بشاعة عما جرى في مخيم صبرا وشاتيلا.
   وعلى منوال إذ لم تستح فاصنع ما شئت، هرولت الأنظمة نحو الدبلوماسية التركية تستجديها لتلعب دور فعال بعد أن أفشلت عمداً عقد قمة عربية يعلم كبيرهم الذي علمهم السحر يقيناً كم من الأحذية ينتظره خلالها، ما جعل الرئيس السوداني عمر البشير الملاحق دولياً ينفجر غيظاً كاشفاً أن هذه الأنظمة تفسح المجال أكثر للصهاينة لإتمام مهمتهم وتصفية المقاومة وإغلاق نزيف الملف المتجدد منذ 1948 .
   وبالرغم من أن ذات الأنظمة هي التي أفشلت التكامل الإسلامي الذي دعا إليه رئيس الوزراء التركي الأسبق نجم الدين أربكان، إلا أنها سمحت بدخول اسطنبول اللاهثة خلف مقعد في الاتحاد الأوروبي في محاولة لإيجاد مخرج لهذه الأنظمة من نكستها الراهنة في غزة التي لا تقل جسامة عن نكسة 67.
   وأخيراً نذكر أن مصر التي كانت تعتبر المقاومة الفلسطينية خطاً إستراتيجياً في المواجهة مع الاحتلال وقوى الاستعمار، وكانت تقوم بإرسال السلاح لقوى المقاومة العربية على مدار التاريخ، أريد لها بعد توقيع اتفاقية "الاستسلام" مع كيان الاحتلال الصهيوني الخروج من منظومة المقاومة ، واسند إليها دور عراب الـ"سلام" بين الدول العربية الباقية والاحتلال؛ وهذا ما قامت به مصر بإتقان شديد وبرضي استحقت عليه مؤخراً الإشادة من رئيس إدارة الإرهاب الأمريكي المصفوع حديثاً بالحذاء .
   =====
   *كاتب وصحفي مصري
   [email protected]
   


 

جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .