الرئيسية
 صور لدمار غزة
 صور للغزاة
 ملفات سابقة
 الركن الأخضر











 



العالم الثالث ودلالات المصطلح السياسية
بقلم :    مهند عدنان صلاحات

العالم الثالث "The Third World " كمصطلح بدأ استخدامه علمياً وإعلامياً في منتصف القرن العشرين، تحديداً ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبداية ظهور التحالفات الدولية الكبرى، وبداية ظهور الإمبراطورية الأمريكية بعد انتصارها على اليابان، وإمبراطوريات غربية أخرى، على أنقاض إمبراطوريات الشرق القديمة.
   بالتالي فإن هذا المصطلح يحمل دلالات سياسية أكثر من كونها اقتصادية أو اجتماعية، بحيث تعتبر نهاية الحرب العالمية وتحديد المنتصرين والمنهزمين فيها اشتراطاً تاريخياً لهذا المصطلح، إلا أنه حمل ملامح ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وأصبح فيما بعد يستخدم كمصطلح سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وأيضاً ديمغرافي، يقصد به الدلالة على الدول التي لا تنتمي إلى العالمين الأول والثاني، وهما الدول الصناعية المتقدمة التي بدأت مرحلة تطورها مع مراحل الثورة الصناعية في أوروبا وأمريكا.
   وإن كان أول من استخدم هذا المصطلح (الفريد سوميه) عام 1956في وصفه الأوضاع المضطربة العالقة على صعيد العالم في ذلك الوقت، في مقالة كتبها في ذلك العام في مجلة (فرانس أبسرفاتور)، قال فيها: "تماماً كما وجدت في فرنسا إبّان الثورة (ثورة 14 يوليو 1789) مطالب جماهيرية صاغتها الطبقة الثالثة Tiers-Etat، فإننا نستطيع أن نتكلم اليوم، على صعيد العالم، عن مطالب العالم الثالث Tiers-Monde. هكذا، طُرحت الطبقة الثالثة أو الوسطى أو ما اصطُلح عليه بـ"الفئات الوسطى"، بمثابتها مجموعات بشرية تقع فيما بين الأعلى والأدنى المجتمعي".
   
   
   ما يعني أن هذا المصطلح أصبح يشير وبشكل واضح للدول التي سميت فيما بعد في الإعلام العالمي "الدول النامية"، بأنها الدول التي لم يتزامن نهوضها مع النهضة العالمية أو ما سميت بالثورة الصناعية في نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، باعتبارها دولاً ذات مستوى معيشي منخفض مقارنة بالدول المتقدمة، وتفتقر للتوازن بين سرعة نمو السكان ودرجة التقدم الاقتصادي، وكذلك التخلف الاقتصادي والاجتماعي. أي أن هذا المصطلح أصبح يشير للدول العربية وبعض دول أفريقيا وأسيا باعتبارها دولاً خارج سرب التقدم الصناعي والتكنولوجي، وهي دول مستهلكة أكثر من كونها منتجة رغم توافر المواد الخام للصناعة أكثر من غيرها.
   
   
   بالتالي فإن هذا المفهوم تأسس بناء على معطيات اقتصادية اجتماعية، متعلقة بمستوى الرفاه الاقتصادي الذي يعيشه الفرد، ووجود الطبقات الاجتماعية الثلاث وتحديداً الطبقة الوسطى التي تعتبر الأهم، كونها الفئة الأكثر احتواءً للمثقفين والمفكرين والسياسيين، وكذلك النظام الاجتماعي المتبع والسياسات التي تحكم نمطية الدول.
   
   
   فالعالم الأول أشار للدول المتقدمة أو الصناعية أو الرأسمالية وهي أمريكا ودول أوروبا الغربية بالإضافة لبعض دول أسيا مثل اليابان, وهناك العالم الثاني الذي كان يضم الدول التي تنتمي للمنظومة الاشتراكية في اقتصادها وسياستها ويتزعمها الاتحاد السوفيتي، وهي دول اقتصر تقدمها أكثر في مجالات عسكرية واجتماعية أكثر من تكنولوجية وصناعية, بينما بقي مستوى الفرد الاقتصادي فيها لا يصل لمستوى الرفاهية كما في دول أوروبا.
   
   
   في حين بقيت الدول التي هي خارج الإطارين السابقين تسمى دول العالم الثالث، كنوع من تحديد موقفها السياسي من المعسكرين القائمين، الاشتراكي والرأسمالي، وفشلت جميع محاولات هذه الدول النامية في إيجاد صيغة للتوحد على بنية فكرية أو اقتصادية، أو حتى سياسية كما في محاولة "دول عدم الانحياز والحياد الإيجابي" أو مجموعه ال77 أو أية تجمعات أصغر ظهرت فيما بعد، وهو ما يؤكد سياسية منشأ المصطلح رغم العوامل الاقتصادية والاجتماعية المؤثرة فيه.
   
   ولا شك أن هذا التصنيف رغم حمله المدلول السياسي، له بالتأكيد مؤشرات واقعية تاريخية، فخروج المنطقة العربية من سيطرة وحكم العثمانيين الذين مارسوا عليها التجهيل والتنكيل والقمع السياسي والثقافي والفكري على مدى أكثر من أربع مائة عام مضت قبل الحرب العالمية الأولى 1917، وخروجها من السيطرة الاستعمارية التركية المباشرة إلى سيطرة استعمارية أوروبية مباشرة تحولت فيما بعد لغير مباشرة، ووصولها لمرحلة ثالثة هي مرحلة تحولها لإقطاعيات سياسية اقتصادية وتقسيم منظومة الدولة الواحدة فيها إلى عدة منظومات أو كينونات سياسية إثر مشروع تقسيم إمبريالي سمي بـ"سايكس بيكو" كانت كافية لأن تستفيق هذه الدول لتجد العالم قد سبقها صناعياً وفكريا وثقافياً لأكثر من ثلاث مائة عام.
   
   
   ومن غير الصحيح نهائياً أن مميزات مجتمعات هذا العالم الثالث كما يدعي الغرب ضمن مبرراته الواهية لفرض هيمنته عليه، فالعالم الثالث يحتوي المنجم الأكبر في العالم لغالبية الثروات، سواء الطاقة، المعادن، الغذاء أو غيره، لكن مجتمعاته بقيت خاضعة للاستعمار أكثر من خمس مائة عام، من الطبيعي أن تكون في طور النشأة من حيث قدرتها على استغلال مواردها، أو تطوير قدراتها، وخاصة أنها بعد خروجها من مرحلة الاستعمار خضعت لحكم الإقطاعيات التي أخذت شكل الدول الناشئة، وظلّت كذلك، كما هو حاصل اليوم بالدول العربية.
   
   وبطبيعة أنظمة الحكم السياسية التي لم تنتج حتى الآن في الدول العربية منظومات اقتصادية ناجحة تخرجها من حدود هذا المصطلح كما فعلت دول أخرى في أسيا وارتقت لمنظومة دول العالم الأول أو الثاني، بل بالعكس فقد تراجعت ما كانت منها في صف دول العالم الثاني كما حدث في مصر، كما أن هذه الأنظمة السياسية بشكلها الإقطاعي المستند بقواها العسكرية الداخلية، من جهة، وإلى تغييب الحريات، ومسح الطبقة الوسطى من داخل المجتمعات، أدت إلى انتشار الفقر وتدمير مقومات المجتمع المدني وتغيب الحريات الفردية، بفعل انتشار البطالة والفساد والبروقراطية وهجرة العقول وتهميش القضايا المصيرية.
   
   
   بالتالي فإن أزمة دول العالم الثالث الحقيقية تكمن في النهج السياسي أولاً لهذه الدول، وكذلك التخلف في الأدوات الإنتاجية، وعدم الرغبة لدى الأنظمة الحاكمة في التطوير في أدوات إنتاجها وتحولها من مستهلكة إلى منتجة، ولا يعود لطبيعة هذه المجتمعات –كما يزعم البعض- إلى نوع الثقافة السائدة في هذا العالم وهي العجز عن التطوير وعدم الرغبة في المبادرة والمثابرة مع الركون إلى الاتكالية والاعتماد على الغير.
   
   
   وكيف يمكن لمجتمعات راكدة أن تنهض دون أن يكون هنالك دور فعال للطبقة الوسطى في هذه الدول، وخاصة في ظل هجمة ممنهجة لتدمير هذه الطبقة التي هي في كل دول العالم كانت أساساً للنهضة والتطوير الثقافي، ثم إن مثقفي ومفكري هذه الطبقة، أو ما بقي منها في بعض الدول العربية على وجه الخصوص لا يزال يعاني من سطوة التابوهات، الاجتماعية والدينية والسياسية، وغياب الحريات ومؤسساتها التي تعتبر أعمدة للمجتمع المدني، فكيف يمكن لهم طرح مشاريع تنويرية ثقافية وفكرية قادرة على أن تصيغ مشاريع اقتصادية تطويرية؟.
   
   
   للنهضة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية أسس واشتراطات تبدأ -كما في أوروبا في القرن الثامن عشر- من ضرورة تحييد التابوهات، وغربلة المنظومات الاجتماعية والسطوة الدينية عليها، والتحول من النمط الإقطاعي السياسي الاقتصادي إلى نمط أكثر تطوراً، والبدء بتدعيم الطبقة الاجتماعية الوسطى في المجتمع والتي بنضالها تستطيع أن تنتزع الحريات العامة وتقيم دعائم المجتمع المدني، وبالتالي في ظل وجود منظومة اقتصادية حقيقية يرافقها نمو ثقافي فكري حر، تستطيع دول العالم الثالث أن تخرج من هذا الإطار وتنفي عن نفسها تهمة العجز، والاستهلاكية، وحاجتها الدائمة للتبعية لتسيير واستخدام ثرواتها التي يعتمد عليها العالمين الأول والثاني، بل وعبر التجربة التاريخية لديها القدرة بأن تقود العالم كما قادته من قبل، بما لديها من مكنون بشري، وثروات، وموقع جغرافي وحضارات تستند عليها.
   
   
   
   
   
   مهند صلاحات – كاتب وإعلامي فلسطيني مقيم في الأردن
   [email protected]
   


 

جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .