الرئيسية
 صور لدمار غزة
 صور للغزاة
 ملفات سابقة
 الركن الأخضر











 



هل حزب الله ومصر يتحدثان بلسان واحد وتعبيرات مختلفة ؟
بقلم :    أيمن اللبدي

الصواريخ التي انطلقت من جنوب لبنان تجاه شمال فلسطين المحتلة، خَلفت عاصفة من ردود الأفعال والسّجالات السياسية التي لم تأخذ مداها بعد، كما أنها بلا شك ستكون في بؤرة الحوار الوطني اللبناني في المرحلة المقبلة، وكما الحرب الصهيونية المدمّرة التي تشنها الآلة العسكرية الصهيونية، ستكون أيضا بذات الوقت على طاولة الحوار اللبناني لجهة دعم وجهة نظر حزب الله والمقاومة اللبنانية في مسألة استراتيجيا الدفاع الوطني اللبناني، ونفي حزب الله لمسئوليته أو علمه بهذه الصواريخ، وإعلان الحكومة اللبنانية عن التزام حزب الله والمقاومة اللبنانية بالإجماع الوطني اللبناني مسألة تستحق الانتباه والتقييم فلسطينيا، كواحدة من الدروس والعبر والعظات التي يجب أن تكون واحدة من الخلاصات في عملية التقييم عندما تكون هذه المرحلة لازمة.
   
   الواقع أن هذا الموقف يسجّل لصالح حزب الله والمقاومة اللبنانية لبنانيا، في زاوية شاملة للنظر السياسي والاستراتيجي هو دليل قوي على نضوج الوعي السياسي للمقاومة اللبنانية، وإن كان لا يلبي طموح الجماهير الفلسطينية أولا والعربية الإسلامية ثانيا، وقد ينظر إليه في مستوى من الفحص بأنه تخلي عن الدور القيادي العربي لجبهة المقاومة الشعبية من قبل قيادة حزب الله، أو خذلاناً للعواطف الجماهيرية وقائمة الواجبات الدينية والقومية التي تفترض أنها في قائمة التزامات حزب الله ومعه المقاومة الوطنية اللبنانية، كما وقد ينظر إليه على أنه دليل على انتظام حزب الله في تراتبية الأداء المتناغم داخل استراتيجية العمل في منظومة الحلف الإيراني الأوسع، وكل ّ ذلك سيخضع حتما للسّجالات المتوقعة لاحقا، لكنّ الذي يأخذنا إلى الاستنتاج الأول في كلِّ هذا هو دلائل قطعية على استمرار هذا الحزب وهذه المقاومة فيما يبدو أنه التحشيد من حول المقاومة مقترناَ بمراجعة مستمرة لبعض الهفوات السياسية في خطاب الحزب المبكّر فلسطينياً.
   
   أدرك حزب الله ومعه المقاومة اللبنانية أن الصمود الفلسطيني على أرض غزة، وحتى الساعة ليس صموداً فئوياً ولا فصائلياً ولا هو صمود منعزل، وأن كافة القوى الفلسطينية والوطنية بما فيها فصائل منظمة التحرير والمشاركة منها في اللجنة التنفيذية لها تتلاحم مع المقاومة ميدانياً وسياسياً، وأن فتح والجبهتان الشعبية والديموقراطية جنباً إلى جنب مع حماس والجهاد هي في تناغم تام تعلن أن الحرب على الوطن وأنه ممنوع أن يمر العدوان وتعمل كلها نحو الهدف الوطني العاجل والمشترك، في كسر العدوان والحصار وإفشال مشروع تركيع الشعب الفلسطيني كله، مقدمة إلى إنهاء القضية الفلسطينية برمتها، وهذا هو جوهر خطاب سيد المقاومة اللبنانية حسن نصر الله الأخير، وهي التقاطة سليمة وذكية وتتناغم مع الفهم الشمولي للأهداف الحقيقية للعدوان، وهي التي حذّر منها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني صراحة ودون مواربة، مقرونة مع الدعوة لعمل الفريق الواحد لإجهاض المؤامرة، هل هذا مصادفة بحت أن تأتي هذه الإشارة من السيد حسن ومن الملك عبد الله الثاني في ذات الوقت ؟
   
   الواقع بقول أن ثمة ما يشي بأنها ليست كذلك، لكن الأهم اليوم هو تطبيق هذه التطابقية على الأرض وخلق تناغم وانسجام ميداني فلسطيني أولا وأخيرا مع دعم عربي حقيقي تفتح أبوابه الصراحة، فالمقاومة يجب أن يكون مشروعا عربيا جاهزا وفيه أدواته وأسنان عمله بأشكال عرض السلام والعمل وفق برنامج استراتيجي شامل يحمل وقائع المقاومة في ذات الوقت، هذه الإشارة أيضا عبّرت عنها في ذات الوقت المقدمة التمهيدية التي أدلى بها الرئيس المصري حسني مبارك في المؤتمر الصحفي المشترك مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، والتي أعلن بعدها نقاط المبادرة المصرية – الفرنسية، والتي حاولت فرنسا أن تتهرّب منها خلال مناورة تأجيل قرار مجلس الأمن الدولي 1860، سيما بعد احتجاج حكومة العدو والقول بأن هذه البنود ليست التي سمعتها من ساركوزي في القدس، وإصرار الأمير سعود الفيصل ومعه الأمين العام عمرو موسى والكلام الواضح الصريح سعودياً بالتلويح بنفاذ صبر العرب مع وجود الخيارات، قطع الطريق على مناورات فرنسا وأخرج القرار 1860 على علاته..
   
   الواقع أن كلام الرئيس مبارك مذكّرا بدور مصر مع القضية الفلسطينية طيلة ستين عاما، وخيار السلام الذي افتتحته هي ليكون طريقا لتحقيق الاستقرار والتسوية، هو رسالة مشفّرة للعالم العربي وللكيان الصهيوني وللعالم، وهو يتناغم مع تحذير مصر من استهداف القضية الفلسطينية برمتها، ومع نظرها إلى مسألة واجبها القومي على أنه أساس وخياراتها المتاحة، رغم أنها في قالب التحرّك الدبلوماسي والسياسي المعلن كما في بنود المبادرة، تصيغه بصورة تبدو وسيطية وليس طرفية حتى الساعة ليس لجهة التخلي عن الدور القومي، ولكن لجهة صرف الذرائع التي لن يعدم العدو الصهيوني من توفيرها للتهرّب من أي مواجهة حقيقية مع أهدافه وكشفها، وفي هذه المسألة يبدو أن الإشارات لم تلتقط بعد في هذا النظام الرسمي العربي في الجانب السوري أو أنها استمرار لفصل المناكفة, واللقاء العربي المشترك في قمة معدّ لها جيدا لفحص الخيارات الاستراتيجية وتقييم الوضع العربي بنيات صادقة هي الوسيلة الوحيدة، لتوفير حالة عربية عائدة للحياة، لأن أحد أهم خلاصات هذا العدوان المجنون أن المصير العربي لم يعد مسألة تحتمل الانتظار أو التعويل أساسا على ما هو خارج أيدي العرب من أوراق ضغط وتفاهم حول الأدوار وتناغم الأداء.
   
   الصورة الاستسهالية التي أخذت طريقها إلى الفضائيات والأقلام والذهن المتابع، للمقارنة بين مجريات العدوان ومركبات مشهده في تموز العام 2006 على لبنان، وبين هذا العدوان المفتوح اليوم على فلسطين وقطا ع غزة، كانت ستكون استقبال تلقائي لو أنها بقيت عند هذا الحد المباشر وكان سيكون معها كلام مختلف، لكن إصرار بعض الجهات السياسية وبعض الأجهزة الإعلامية على تناولها في سياق محدّد سلفاً، والانسياق بها ليدعم كل طرف وجهة نظره من خلال استخلاصات متسرعة، تبدو الحالة معها غير بريئة وغير عقلانية، للأسف انساقت في أحيان ما شخصيات إعلامية وفكرية كان من المقروض أن تكون لها مقاربة فاحصة ومختلفة عن السياقات الاصطفافية المعلومة مسبقا والتي لا زال هناك شبه تمترس حولها من كل الأطياف السياسية وعلى الجانبين، ويبدو الأمر أن تحليل الأستاذ محمد حسنين هيكل على سبيل المثال لا الحصر منساقاً في ذات الإطار، وكان يفترض أن تكون هناك مساحة أكثر صراحة من مجرّد القول في ختام ما تناوله مؤخرا (هذه رؤيتي وقد أكون قد أخطأت)!
   
   صورة تموز من العام 2006 في عدوان العدو الصهيوني لا تؤخذ فقط من مجرّد الإطار الخارجي الخادع، إذ حتى هذا الإطار يحتاج إلى الفحص في الحالين، فالمقاومة اللبنانية وحزب الله لم يكن قد قام بعملية انقلاب سياسي بقوة السلاح على النظام السياسي والدولة اللبنانية، ولا هو تمترس مثلا في منطقة بعينها والعدو يحتل إطارها الجوي والبحري بالكامل، ولا هو دخل مرحلة يعلن في أجوائها نيته القيام بتعديل جوهري على النظام والدولة اللبنانية، لصالح رؤية أيديولوجية أو حتى مذهبية معينة رغم أنه لا ينفي صلاته بالحوض الفكري العام لهذا البعد، وهو أيضاً لم يشتبك مع الامتدادات العربية والإقليمية تجاه رؤية مخصوصة لصيغة الاشتراطات الوطنية، ولا كانت الدولة السورية تحت طائلة الالتزامات السياسية بمعاهدة من أي نوع مع العدو الصهيوني، ولا كان هناك دور ما تلعبه الدولة السورية في رعاية عملية وساطة بين الأطراف اللبنانية، أو ترعى عملية دعم سياسي لمفاوضات بين الدولة اللبنانية والعدو الصهيوني.
   
   ثمة من قد يضيف هنا أنه لم يكن هناك تواجد مصري في قطاع غزة على النمط الذي كان سورياً في لبنان، وقد تأخذ هذه الحكاية الطريق إلى التأشير على نوعية العلاقة التي تنظر إليها سوريا إلى لبنان مع النظرة من مصر إلى قطاع غزة أو الدولة الفلسطينية، وحتى في مجال العمل الميداني فإن الدور السوري في إسناد حزب الله لم يغادر الإسناد السياسي وخطوط الإمداد المدفوع الثمن إيرانياً في قيمة كبيرة منه، ومع ذلك فالمسألة التي يتصدر بها البعض القصة في معبر رفح مسألة غير بريئة أو محقة ويشوبها النفاق السياسي، فالعبور بمعنى عبور السلع والأفراد ليس هو في واقع الأمر جوهر المسألة رغم أهميتها وضرورتها الملحة، وأيضا هي ليست مسألة التموين العسكري واللوجستي رغم شديد الأهمية له، بل الواقع أن قصة المعبر هنا كانت محملة بالكامل على مسألة سيادية تحت ضغط الانفصال الذي كان موجوداً ومخاطر تحويله إلى عقبة أساسية تخدم مشروع تصفية الكيانية السياسية الواحدة للشعب الفلسطيني ولقضيته الواحدة ووحدته في مشروعه الوطني، وعند هذا الحد فإن الواجب كان أن تتداعى القوى السياسية الحريصة على هذه المعاني ومعها الدول العربية والإسلامية للصراحة التامة حول هذه المخاوف وإفشال أهداف العدو الذي اعترف أنه كان يحضر لهذا العدوان منذ عامين، بل وسبق وأن أشرنا إلى هذا صراحة وإلى الرمز الكودي للخطة كوبرا فيه والتي اعتمدها الجنرال شارون نفسه، لو حدث ذلك لأمكن تجاوز هذا المنزلق الخطير اليوم.
   
   لا بد من الصراحة والوضوح في هذه المسألة اليوم، فالنظام العربي قد اختار بما فيه سوريا عملية التسوية وخيارها استراتيجيا، لذا فهو بالكامل مسئول عن نواتج النجاح أو الفشل في هذه العملية، وغير منطقي أن تكال الاتهامات لحلقة فيه بينما تمنح حلقات أخرى شهادات الإشادة والتمجيد فقط لمجرّد أنها لم تصل بعد إلى مرحلة توقيع ما، نحن لم نسمع أن النظام السوري قد أعلن خيارا استراتيجيا منفصلا للمعركة ولا أنه يصوغ التحالفات الآن لتحقيق شروط التوازن الاستراتيجي في القوة على النحو الذي كان سائدا في عصر حكم الرئيس الأسد الراحل في مرحلة عقب كامب ديفيد مباشرة، بل إن أفضل ما يمكن استنتاجه سيما والمفاوضات غير المباشرة كانت لا تزال جارية بين العدو الصهيوني وسوريا برعاية تركية، أفضل خلاصة أن العلاقات مع إيران وحتى المقاومة في فلسطين ولبنان وربما العراق هي مجرّد أوراق قوة تفاوضية، لا سيما وأن إيران نفسها تنظر إلى ذات الهيكلية في نفس الاتجاه جهة مصالحها وعلاقاتها مع الولايات المتحدة والغرب في واقع الملفات القائمة وواقع مآلات هذا الإقليم، وصراعها التنافسي الصاخب مع العدو الصهيوني على وقع الشعارات الصاخبة.
   
   من وجهة نظر النظام المصري فهو يعتقد أنه يحافظ على القضية الفلسطينية متحدة وواحدة وقوية عندما يرفض التعامل معها بالقطعة، وهو يرفض الابتزاز السياسي القائم لجهة التركيز على قصة معبر رفح، واختزال دوره القومي السابق للدولة المصرية ودوره المستقبلي في كينونة النظام العربي والإقليم في مسألة المزاودة عليه من أطراف معتبرة كسوريا أو هامشية كقطر مثلا، والمقارنة المحقة في مسألة الصور يمكن أن تكون في هيئة أخرى تماما، في واقع الأمر يجب النظر إلى الدور الذي من الممكن أن تلعبه المقاومة في تقوية أوراق القوة العربية في أية خيارات مستقبلية، مع الدور الهامشي الذي هو واقع لمجرّد اعتماد الخيارات العربية على حسن نوايا العدو ورغبته في السلام والدور الذي من الممكن أن يكون للغرب مجردا من أسنان إخافة عربية، وعليه فإن صيغة استقواء الموقف العربي بتكامل أداء المقاومة والجماهير العربية في خدمة خيارات عربية متفق عليها يمكن لها أن تحقق بصراحة انتصاراً حقيقيا واستقرارا حقيقيا، وغير ذلك فإن اللعب على حسابات داخل الحلقة العربية سيعرض المصالح العربية العليا والمنطقة العربية للخطر وهذا هو عين المهمة التي يجب أن تكون الدعوة لمعالجتها والاصطفاف والتخندق في النضال من أجلها.
   
   إن الطريق إلى وحدة الموقف العربي وإعادة تقييم كل المرحلة بما فيها المبادرة العربية ودور الإقليم بما فيه إيران وتركيا، وإعادة صياغة حالة منيعة تدعم الخيارات والمصالح العربية والمشتركة، تقتضي أساساً ان تكون الحالة الفلسطينية دافعا ورافعة في هذا الاتجاه، ومن يريد المصلحة الحقيقية لقضية فلسطين والعروبة والإسلام عليه أن يكون في خدمة هذا الهدف وليس في خدمة اصطفافات أو محاور، ومن أجل هذا فإن الرهان الأكبر ليس على صمود الشعب الفلسطيني وتحمله للتضحيات فحسب، فهو أثبت دوما أنه مع هذا الخيار ومع القيام بدوره في هذا الجانب، ولكن الرهان هو على توظيف صمود المقاومة وشعبها في سلة المصلحة الفلسطينية وسلة المصلحة العربية العليا ، وهو الذي لن يكون ممكنا إذا لم تتم فوراً معالجة حالة الانقسام السياسي الفلسطيني الظاهرة وتوظيفاتها المحورية، ليس منطقيا أن يقال أن المقاومة هي فقط العمليات القتالية الجارية في غزة رغم أنها في صورة وحدة وطنية ميدانية رائعة، فالمقاومة هي مجموع الحالة الفلسطينية من الجبهة الداخلية ببناها التحتية والبشرية وصولا إلى تناغم أدائها السياسي كاملا ووصول رسالتها الإعلامية في هذا الاتجاه، وإلا فإنما هي ثمار تقطف غير ناضجة أو تكون ثمارا محرمة ستؤدي إلى نتائج كارثية في سياق خدمة الأهداف البعيدة للعدوان الصهيوني ومؤامرة إدارة بوش المنصرفة.
   
   يبدو أن الحرب الصهيونية لن تنهي قريبا، ويبدو أيضا أن المؤامرة سواء إذا كان يقصد بها مشروع الدول الثلاث أم مشروع الليكود الصهيوني المعتمد على الترانسفير والمذابح لن يكون من السهل الادعاء أن أية قوة أو نظام سياسي عربي أو إقليمي يمكنه منفرداً أن يوقفها حتى لو أمكن تسجيل أقوى حالات التضحية والصمود الأسطوريتين، ولكن فقط تضافر الجهود والتوافق على صيغة حدود دنيا هي الممكن أن تكون عاملا حاسماً في إفشال أهداف العدوان، ووعي الواقع الذي عايشناه بما فيه تحطيم الدولة العراقية، والتحضير لشرق أوسط يكون على حساب الأمة العربية وثرواتها ومستقبلها في مصير لن يستثني قطرا من خطره، ثم ترجمته هو الكفيل بانبلاج أمل ما في مستقبل عربي حقيقي وانتصارات مجيدة للأمة العربية، والدور المركزي في هذه المسألة تتحمله المقاومة العربية: الفلسطينية واللبنانية والعراقية، فهل من الممكن أن تصاغ وحدة استراتيجيا عربية في هذا الاتجاه ؟ وهل حانت لحظة المصارحة والوضوح ومعها المصالحة والوفاق والتوافق ؟ وهل يمكن لنا أن نأمل في حزب الله اللبناني وسيد المقاومة اللبنانية أن تكون له مبادرة في طريق تحقيق مصالحة وطنية فلسطينية وتحشيد دور المقاومة كصيغة طوق النجاة للاستراتيجيات العليا ليس فقط في لبنان بل في كامل المنطقة العربية؟
   
   
   
   أيمن اللبدي
   نائب رئيس تحرير صحيفة «الحقائق» والمشرف العام على «الحقائق الثقافية».
   [email protected]


 

جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .