Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: مقالات سياسية  :: صحافة واعلام  :: حوارات  :: العالم الإسلامي  :: العالم المتقدم

 
 

النكبة في عامها الستين
د. زهير نافع   Saturday 17-05 -2008

عندما تتفتح عيناك على وطن أكثر من نصفه في يد الأعداء، احتلوه بالقهر والقتل والبطش والتنكيل، احتلوه بتكنولوجيا المذابح التي ما عرفتها النازية من قبل ولا غيرها من بعد، وهذا ليس كلاما انشائيا كما يتبادر لذهن الصهيونيين الجدد من بني جلدتنا، الذين يطلون علينا كلما كتب واحد مقالا ليقول شيئا يخص الوطن أو الأمة. فهذا لا يريد أن نتحدث عن هذه المناحي من الألم لأنه يريد أن يفرح بيوم من عمره قبل أن يموت، وذلك يحس أن الكاتب قد انتحل صفة الغير لأنه لم يرش على الموت سكر ليحلو الطعم له كما تفعل قنواتنا الفضائية وصحفنا واذاعاتنا قبل ساستنا العظام، مع الفارق الكبير، بأن هؤلاء الساسة يؤجروا ألف مرة على كل ما يقولون وينطقون ويزيفون من الحقائق ويشوهون الأحداث ويغيرون الامور لتبدوا براقة لمّاعة، تحلوا بعين الجاهل والفاسد. ونحن في هذا العصر بات علينا ألا نفرق بينهما لأن كلاهما عدوا للوطن والأمة.

وليس أدل من مذبحة دير ياسين كواحدة من مئات ولكنها باتت معروفة مفضوحة أكثر من غيرها. ليس أدل منها على عفونة هؤلاء الصهاينة القتلة الفجرة، الذين تفتحت أعيننا على صدى ما تركوه من ألم وقهر ليس في قلوب أهالى وأقارب الشهداء فحسب، بل وفي نفوس كل صاحب ضمير حي في العالم أجمع وفي نفوس وقلوب أهل فلسطين دون غيرهم لما رأوه أو سمعوه أو تررددت أمام أعينهم من قصص وحكايا عن الحدث أو ما تركه من أثر عليهم أو على غيرهم، أثر ان لم يصبك فقد أصاب غيرك ولا يمكن أن تتجاهله أو تغمض عينيك عنه!

عندما تتفتح عيناك على أهل هذا الجزء من الوطن الذي لا يحق لأحد في الدنيا أن يحسبه جزء من الدنيا أو الأرض، فهو قطعة من السماء، بل هو الجنة التي يوعد بها المؤمن في كل الأديان والشرائع والفكر المقدس. انها جنة في مائها وهوائها وترابها وكل ما ينتج حتى هذا الانسان الصابرالطاهرالذي يفني عمره يقاتل عن الأرض والعرض، حتى اذا لم تكتب له الشهادة، سلم الراية لأعز ما ومن يملك لفلذة من فلذات كبده. حتى كثر الصهاينة وأصبحوا من صنوف مختلفة، وليسوا بعيدين عنك، فهم حولك ومعك كل ساعات النهار، يعدون عليك أنفاسك ، فما بقي لك الا أن تتخفى وتتستر ولا تتحدث الا هامسا حتى ولو كان حديثك عن غلاء سعر الكاز والسكر.

عندما تتفتح عيناك على هؤلاء يقفون بالطابور، من أجل حفنة من الطحين الأبيض الذي يصيبك بعسر الهضم وآلام المعدة والأمعاء لتركيبته وقيمته الغذائية الساقطة سقوط هذه الوجوه البيضاء والسحن الغريبة التي أتت من كل أسقاع الدنيا لترتكب مجزرتها وتكذب على العالم بانها أتت الى أرض بلا شعب، فقد قتلوا أهلك وذويك، وأنت تشردت في عتم الليل وما عندهم لحظة خوف أو تخوف منك، فقد كانوا على يقين بأن الدنيا ستزور بك، كما زور بك بنو جلدتك المقربون وهم ينكرون عليك حقك في أي شيء حتى بالتغني في وطنك فيستهبلون أنفسهم أمامك وهم يتقولون بأنك كنت تمتلك بيارة من طابقين بقصد التندر والفكاهة، بينما هم حقيقة لا يمتلكون من الدنيا حتى المعرفة لقد كانوا جهلة وما زالوا.

نعم يقفون بالطابور من أجل حفنة طحين ليس أسمرا كجباههم، وقليل من الزيت بأصنافه المختلفة، والمصنوع من مختلف الحبوب والثمار وما عرفته الا من شجرتك المباركة. ويقفون بالطابور من أجل كوب من الحليب الجاف الذي كانت نفوسهم تعوفها فلم يتعودوه الا طازجا من بقرات القرية المجاورة، وكان الأخوة والأهل والأحبة يضحكون عليك وعلى مأكلك ومشربك، وها هم بعد ستين عاما يتمنون ما كانت نفسك تعوفه ولا تقبله ولكنها قسوة الظروف، أما هم فانها قلة العقول والكرامة أو تلاشيها.

عندما تتفتح عيناك على أولئك الطيبين الطاهرين، يعملون في كل المهن من أجل تحسين لحظة العيش لأطفال يقفون في طابور المدرسة ينتظرون دورهم في دخول البراميل الفارغة، عراة ليتم نثر مادة الدي دي تي على أجسادهم الغضة، تلك المادة التي كانت أفضل ما جادت به مؤسسات هيأة الأمم التي كان علينا أن نحترمها ونحترم قراراتها وهباتها رغم ما يملأ النفس من قرف لمجرد ذكر اسمها لو أن من كانوا وما زالوا حولنا هم أهل وأقارب وأحبة أو على الأقل لو كانوا يدركون أننا نحن خط الدفاع الأول عنهم...فكل ما أصابنا ليس الا أقل من القليل مما ينتظرهم لو صمتنا أو قبلنا مصيرنا أو لا سمح الله غلبنا على أمرنا!!

عندما تتفتح عيناك على كل ذلك، وما أن تصبح في سن الوعي والادراك، تصفع صفعة أكبر وأكثر قسوة وألما فالوطن كل الوطن أصبح في يد العدو ومعه الكثير من أطراف الوطن المجاور. وتفتح عينيك هذه المرة وأنت لست أنت! فها أنت خارج أرض الوطن ولا يربطك به ولا بأهلك وذويك أي رابط الا حبل سري من المحبة والوفاء والاخلاص والانتظار. وبقينا ننتظر حلا يأتنا من السماء أو من القرود ولكنه يعيدنا الى الوطن. ما تعلمنا في درسنا الأول أن الصهيونية صنوف مختلفة فليس شرطا لأبنائها أن يكونوا حاخامات ويهود ولابسين للقلنسوات فحسب. ماذا لو كان هناك يهود في لباس أقارب وجيران ورجالات سياسة ودين من ألأديان السماوية الأخرى!!

يا الهي عندما فتحنا أعيننا على كل ما مر وكنا نعد السنوات ونحصيها ثانية ثانية، بل لحظة لحظة، ونحن نمتهن الانتظار، حتى صار جزءا منا، وصار عمر النكبة "19" عاما بالكمال والتمام..وكنا نحسب أن ذلك أكثر من طاقة الانسان وقدرته على تحمل القهر والغدر والقتل والموت وتدمير الذات!! وجاء احتلال بقية الوطن وكأننا قد صفّرنا العدادات نحن الذين كنا نتفرج على أولئك العظماء الذين باتوا بين فكي الجوع والقهر، لتبدأ العدّ من جديد..ولكن لم يساورنا الشك لحظة واحدة بأننا سنعد نفس الكم من السنين، فقد كنا أكثر وعيا، وأكثر تعليما ومعرفة، وظروفنا خير الف مرة! ولكن فاتنا أن عدونا أصبح أيضا أكثر غدرا وأشد قسوة، وقد أصبح يقف الى جانبه الكثير من الأقارب ورجالات الأمة الذين باتوا يعتبرونه جارا قد يكون له بعض الأخطاء والغفلات هنا وهناك، ولكنه يبقى جار وأخطاءه ربما أنه أبقى علينا، وغفلاته ربما أنه لم يطاردنا في كل بقاع الأرض. ليس هذا وحسب، بل أن معظمهم أصبح من المدافعين عنه، والقائمين مقامه في تنفيذ رغباته قبل أن تصلهم اشارة منه! أصبحوا يرون ما يراه ويهمهم ما يهمه وما يدور في فلك مصلحته، ودونها أرواحهم!!

وتمر بك السنين ثقالا والليالي طويلة والهم كبير، وتكشف العباءات والعمامات ما تخفي تحتها، وتجد نفسك وسط محيط من الرمال المتحركة. تجد نفسك وحدك، والأقارب والجيران والخلان والسامرين قد رحلوا. ولم يبق وسط النار التي كان ضوؤها ينير لك جزءا من الطريق أو المحيط ، وحرارتها تدفؤك من برد الصحراء التي ألقوك بها لتصبح مقولتهم، لها مصداقية من نوع ما أمام الجهلة والمبتزين والحاقدين، بأنهم أتوا وطنا لا شعب فيه!

عندما تتفتح عيناك من حلم ثقيل ثقيل، وتجد نفسك محاطا بكل الأجهزة الحديثة تشير كلها الى أن ما مر على مأساتك قد جاوز حد المعقول ان كان كما أو نوعا! كيف لا وعدوك أصبح أكثر من أن تحدد معالمه أو أماكنه أو أفكاره وحتى أقواله فهو بألف ألف وجه ولون وصنف، وعدد السنين التي مرت على ذكرى مأساة من تفتحت عيناك على شكواهم وبلواهم، وعلى مأساتك من بعد قد وصل الى الستين! وها هو عدوك المتمثل بكل هؤلاء وأولئك يعد العدة لأحتفالات ولا أحلى، سيحضرها القريب والبعيد، سيحضرها العدو بكل ألوان الطيف، وان كان سيغيب عنها البعض خوفا عليك من المفاجأة . خوفا أن تكرر كشف بروتس مرة أخرى وكأنك تجهل خيانته وزيفه: يا لهم من جهلة والله!

ها أنت ذا تفتح عينيك على قلة من الصحب والمخلصين الحقيقيين هنا وهناك، يتعذبون عذابك والكل من حولهم يتوعدهم بسوم أقسى أنواع العذاب ان لم يسبّلوا الأذنين ويطأطئوا الرؤوس ويسيروا كقطيع الغنم مع بقية القطيع! والا فليخبرني أحد ما عن ذنب هؤلاء في سوريا وحزب الله وحتى ايران وكل الشرفاء في الوطن الكبير! لماذا يتوعدهم العدو القريب والبعيد، ويصفهم كل الأوصاف التي لاتليق الا بالارهابيين وقطاع الطرق تبريرا لمعاداتهم وشن الحرب عليهم وحشد القوى والجيوش وأسلحة الدمار وعلى رأسها بوم الشوم المدعوة المدمرة كول، وقد نسي هؤلاء ما جرى لها في زيارتها قبل الأخيرة للمنطقة!! فلينعشوا ذاكرتهم ليكونوا على نور! نسوا أن الباحثين عن الحرية والمدافعين عنها وأهلها لا يهمهم كل هذا الهراء فهم يعرفون أن للحرية الحمراء باب لا يدق الا باليد المخضبة بالدم القاني الشريف النظيف، ولا يخيفهم التهديد ولا الوعيد فالحرية والأرض التي يبحثون عنها لا تعطى ولا توهب بل تؤخذ عنوة مهما كلف ذلك من تعب وجهد ودم!

تفتح عينيك على أطفال من فلسطين في الداخل والخارج أصبحوا يشمون رائحة الوطن ويعرفونها جيدا. أولئك هم القائلون لكل الناس أوطان يعيشون فيها، الا نحن لنا وطن يعيش فينا! أصبح هؤلاء ينمون في الداخل والخارج نمو الفطر، يتكاثرون تكاثر الصبر.

تفتح عينيك على أخبار هنا وهناك أن الرئيس الأمريكي الذي زج شعبه في حروب لا طائل منها الا ما حققه من مكاسب وأرباح مالية له ولصحبه المقربين، سيبارك مدينة القدس ويدشنها ويعلنها عاصمة لدولة العدو القزم التي ما باتت تعرف حتى تلمس الطريق فقد فقدت البوصلة الى غير رجعة وها هم في التيه من جديد، وربما هذا هو التيه الحقيقي الذي تحدثت عنه كتبهم المقدسة!! الله الله يا زمن!! ان كنا لا ندرك ان هذا الكاوبوي الأمريكي الأتي من الغرب لا يملك القدس ولا حتى حجر من حجارة الوطن ليستطيع مباركتها وتدشينها واعلانها كشيء لبني جلدته؛ بني صهيون، ان كنا لا ندرك ذلك، ما الفرق عندها اذا ان يقدم القدس أو غيرها فليس هناك من فرق بين مدينتنا الحبيبة الغالية، وبين تلك القرية الوادعة الحبيبة" تل الربيع" التي سموها وأعلنوها عاصمة لهم من عشرات السنين، على أنقاض ذكريات أهلها ومزارعهم وأراضيهم وثراها الطاهر الذي يغطي أجساد أجدادهم وآبائهم.

وبعد أن تكتحل عينيك بكل ما مر، وليس هذا الا غيض من فيض، بات علينا أن نعلم أننا لن ننجر وراء هذا الاعلام الزائف التائه سواء بقصد، أو غير قصد، فهذا العدو ليس له شيء في بلادنا، لا القدس ولا غيرها، فحيفا مدينة فلسطينية فلسطينية، ويافا فلسطينية، وصفد والرملة واللد مدينة القائد العظيم الحكيم فلسطينية مقدسة، وكذلك طبريا والناصرة وعسقلان واشدود وأم الرشراش والطيبة وكفر كنا وكفر حنا وبيسان تماما كما هي القدس وبيت لحم ونابلس وجنين وطولكرم وعنبتا وقلقيليا وبيت ساحور وبيت جالا والخليل وسلوان والزبابدة وقباطية وميثلون ومسلية ووووو حتى آخر تجمع بشري، وآخر شبر من الأرض في فلسطين من بحرها الى نهرها ومن جنوب لبنان الى سيناء والبحر الأحمر كلها فلسطينية فلسطينية، وأهلها اليها سيعودون ولو مهما طال الزمن...فلا بيع ولا تفريط، ولا نريد تعويضا ولا غيره، كل ما نريده هو الوطن.

الوطن كل ما نطلب، وقد فنينا العمر من أجله ، ومهما بعدنا عنه نحسه قريبا قريبا. ونعلم أننا اليوم أقرب اليه من الأمس، ونحن نرى عدونا يتخبط ذات اليمين وذات الشمال من حرارة الروح..فلتعلم أننا لا نخافك ونعرف حقيقة ما أنت به:

سنقاتلكم حتى في أحلامكم، وان فنينا فسوف نفنيكم معنا،

لا تنازل عن حق العودة،

لا أمل لنا الا بالعودة،

ألم أقل لكم انها جنة الله ونحن أهلها ومن بها وعد.

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  قراءة في أزمة الرأسمالية العالمية

 ::

  الوصاية اليهودية على حراس الأقصى وموظفي الحرم

 ::

  الاكتئاب والإرهاب

 ::

  من يجرؤ أن يقول ( لا ) لأمريكا

 ::

  شهيد على صدر سيناء يبكي

 ::

  ياسر عرفات .. اشتقنا لك وللوحدة ..

 ::

  سَمّني ما شئت!

 ::

  الطائفة والطائفية: المواطنة والهوية!!

 ::

  لا تحملوا أدب الأطفال مسؤولية حل مشاكل الأمة العربية

 ::

  ( نص اللاجئ ) .. ذاكرة الإنسان بين طيات هذا الزمن للروائي " محمد الأسعد



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي


 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟


 ::

  مستقبل السودان






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.