Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: مقالات سياسية  :: صحافة واعلام  :: حوارات  :: العالم الإسلامي  :: العالم المتقدم

 
 

أولمبياد التوافقات الرقميّة
جلال القصّاب   Monday 18-08 -2008

كان حفلا أولمبياً رائعاً في بكين، لائقاً بشعبٍ يتحلّى بروح الانضباط، تُمارس مئاتُ آلافِه تدريبها القاسي لتسعة أشهر لإتقان حركاتها المتناسقة التي حواها حفل الافتتاح فأبهر أربعة مليارات مشاهد بأرجاء العالم.
كان فرصةً لرؤية التنوّع الثقافي، والالتقاء الحضاري لشعوب العالم، خارج قواقعنا الفئويّة، وشرانق مشاعرنا الطائفية، لإعادة أحاسيس الحبّ والتسامح تجاه ألوان الإنسان.
حفل ابتُدئ بتوقيت سحريّ يأخذ الألباب أيضاً؛ بالساعة الثامنة، والدقيقة الثامنة، والثانية الثامنة، يوم الثامن، للشهر الثامن، للسنة الثامنة بعد الألفين (8:08:08 ليوم 8/8/8)، حيث أنّ رقم 8 بالصين وبالثقافات الشعبيّة العالميّة رقم سعد وجالب للحظّ والثروة!

عائلتان عزيزتان عليّ رزقتا بمولوديْن بتاريخ 8/8/8 (8/8/2008)، فمبروكٌ لهما ولسائر العوائل، و"عقبال" مواليد جُدُد بتاريخ (9/9/9)، ليتّصلوا بالطوارئ كلّما أصبح مولودهم مشاغباً!

أنباءٌ عالميّة أوردت أنّ مولودةً دُعيتْ "هايلي" وُضعت بتاريخ (8/8/8) الساعة (8:8) صباحاً، وكان وزنها (8 أرطال و8 أونصات)، طبعاً البعض يجعل من هذا إشارةً دينيّة، والبعض أضاف متهكّماً، "وأنّ دكتور الولادة كانت نوبتُه 8 ساعات برفقة 8 ممرّضات! والطفلة وُلدت بغرفة رقمها ثمانية بالطابق الثامن للمستشفى، وخرجت بيدين وقدمين يحويان ثماني أصابع فقط!" وعلّق زميلٌ له: "أمّا أنا فبانتظار بشارة الطفل الذي يُولد بتاريخ وتوقيت: (12:34:56 7/8/9) ويأتي وزنه 10 أرطال و11 أونصة، ليصنع متتالية تسلسلية من 1 إلى 11!
في هذا الخضمّ، لا ننسى خرافة الدجّال/(ابن الشيطان) السائدة بعقليّات مسيحيّة، جعلت قبل سنتيْن بعضهم يتوجّس مواليد تاريخ (6/6/6)!

عالميّاً، تضاعفت عقودُ الزواج ثلاث مرّات حتى عن مناسباتهم المشهورة كالكريسماس وعيد الحبّ، فعشرات الآلاف -تسعةُ آلاف بالصين وحدها، والتي منعت أيضا إجراء طلاقاتٍ فيه- عقدوا قرانهم بهذا اليوم بأرجاء العالم، فجاءت فرصةً لجمع القلوب، وفرصةً أيضاً لتكسّب المشعوذين وبائعي أوهام السعادة والثروة ببركات الأرقام.

إنّ ميلاد إنسان بتاريخ 8/8/8 والذي لن يتكرّر لمائة عام، أسهل استذكارًا واشتهاراً من التواريخ الاعتياديّة، ومثلُه أرقام السيارات فرقم (11111) أفضلُ للاستذكار و"الافتخار!"، ومثلها عناوين البيوت والهواتف (قيل أنّ رقم هاتف 8888-8888 بيع بمزاد في الصين فوق ربع مليون دولار!)، فهوَسُ الإنسان بالرقم المتسلسل لم يأت عبثاً، بل من غريزة تهوى التناسق والجمال، ومن وظيفة ذهنية تعشق المنطق والنظام ويزعجها العشواء، لكنّ الإنسان للأسف ينساق بالعشواء في أكثر مضامير ومضامين حياته، لتعصف به عن الجمال الحقيقي والنظام.
الأرقام المتناسقة مطلوبةٌ ومعشوقة، حتى ليُروى بطرفة أنّ سكراناً اتّصل بالطوارئ (999)، فسألوه: خيْر؟! أجابهم: أردت فقط سؤالكم إنْ رغبتُم ببيع الرقم! وهي يسيرةُ الحفظ لدرجة أنّه بحسب طرفة أخرى؛ عُيّن شخصٌ لئيم مديراً للطوارئ، فاستبدل رقمها السهل (999) بـ(17382694)!

الدين له بصمتُه الرقميّة أيضاً، لتشبّث الإنسان بالخرافة أو لإيمانه وتيمّنه بتواريخ مناسبات قدسيّة، كليلة القدر والعيدين ويوم عاشوراء ومواليد الصالحين، فالبعض يؤقّت موعد زواجه بالسعيدة منها، لإيمانه ببركتها وليرتبط روحياً بعلاقة خصيصة بصاحب الذكرى، والبعض يحرص على جدولة تأقيت انعقاد نطفة ذرّيته لتتزامن إطلالتها على الوجود بليلة قدر أو بعيدٍ قدسيّ ليُصبح العيدُ عيدين ولينزل المولود كعطيّة من أقدار السماء.
الإنسان يعلم أنّ للسماء منطقاً، ولله أيّاماً، وللعطايا نظاماً وأقداراً، تلك التي تحرّك فيه الرغائب والرهائب والتوسّلات، فإذا سمع أنّ ذلك الربّاني المناضل قد وُلد بعامٍ أحرق الأقصى فيه، وبليلة القدر من شهر رمضانه، فسيترجم العقلُ المؤمنُ الأمر بأنّها إرادة السماء تدخّلت للتغيير على يد هذا المختار الربّاني.

ومع هذا، فالذين تعلّقوا بـ(8/8/8) وغيره من تواريخ لنبوءات متوهّمة وشعوذات وحظوظ، عليهم إدراكُ أنّ تقويم التاريخ بوضعه الحالي (المسيحي الشمسي/الجريجوري) والذي تمّ تعديله تاريخيّاً بضع مرات، ليس تقويمًا كونيًّا بل هو توافقٌ بشريّ فرضتْه السياسات، وتلاعبت باصطناعه، تماماً كما تلاعبت بصياغة المضمون التاريخي برمّته، المضمون الذي يُدرّس اليوم ومعظمه ملفّق ضمن جغرافيا ملفّقة، فالتاريخ/التقويم لا تحكمه حسبةٌ نظامية فلكية، وإلا ما معنى كون فبراير 28 يوماً، وأغسطس 31؟! بل ما معنى تتالي "يوليو" و"أغسطس" واحداً وثلاثين يوماً بالمنطق الفلكيّ الشمسيّ والرياضيّ؟! لا شيء البتّة، إلاّ (كحال عقائد وشرائع مفروضة لدينا) تُبرهن أثر أصابع الساسة -أباطرة الرومان- وفرضهم مقياساً ظلّ ساريا ليومنا بلا تجديد!
علاوةً أنّ مولد السيّد المسيح ليس كما يظنّ، فلم يُولد قبل 2008 سنة، بل بحسب المحققين وُلد قبل الإحداثيّة المفترضة بستّ سنين، يعني أنّنا اليوم بالعام 2014 بعد الميلاد، بل بعض المفكّرين التاريخيّين يقترح ولادته قبل هذا التاريخ (المتخيّل) بقرون!

إنّ منطق النظام والتناسق الذي يأخذ المرء ليعشق تناسق الأرقام والإيمان بقوّتها وأثرها وسحرها، يدفعه بمنطق النظام أيضا ألا ينساق لتبذير الأموال وهدر الأوقات والموارد على العبثيّات، كشراء رقم سيارة بقيمة السيارة نفسها، ورقم هاتف أغلى من فاتورة مكالماته كلّها، وإلى اصطناع تاريخ قسري لميلاد أبنائه، ولموعد زواجه، تكتنفه "رائحةٌ" لبرَكةٍ ظاهرية، بينما جوهرُ أخلاقه مع زوجته، وتربيتُه لأبنائه، ودورُه الوجوديّ، يعكسون العشواء والسفاهة والبلاهة وتبخير البركات بالجملة!

جلال القصّاب
جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية
http://www.tajdeed.org/

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  حــــــريمة

 ::

  كيف جعلوا العلم اللبناني سروالاً!

 ::

  انفجار البراكين بأفعال المحتلين والمستوطنين.

 ::

  بشار و العرعور

 ::

  السعرات الحرارية وسلامة الجسم

 ::

  حديث صناعة الأمل وطمأنة الشعب على المستقبل

 ::

  الإسلام والماركسية علاقة الالتقاء والاختلاف 3

 ::

  الإسلام والماركسية علاقة الالتقاء والاختلاف 1

 ::

  دور التعصب الديني، والمذهبي، والجنسي، في الحط من كرامة المرأة العاملة

 ::

  برقيــة إلـى الله ســـبحانه وتعـــــــالى



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!



 ::

  ثقافة الذكاء بين اللّغوي والإرادي

 ::

  أعجوبة الفرن والخراف في عورتا

 ::

  قصائد الشاعر إبراهيم طوقان

 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  الإقتصاد الأخضر في العالم العربي

 ::

  ذكرى النكبة 71....!!

 ::

  يوم النكبة على أعتاب صفقة القرن

 ::

  ماذا لو غدر بنا ترمب؟

 ::

  الصحوة بالسعودية... وقائع مدوية

 ::

  حلم

 ::

  الإحصاء فى القرآن

 ::

  السجن فى القرآن

 ::

  الانسان ؟؟؟

 ::

  ثلاث حكومات في الربيع






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.