Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: مقالات سياسية  :: صحافة واعلام  :: حوارات  :: العالم الإسلامي  :: العالم المتقدم

 
 

تاريخ الصّهيونيّة والصّهيونيّة المسيحيّة: الجزء الرّابع؛
عزالدّين بن عثمان الغويليّ   Wednesday 22-10 -2008

تاريخ اليهود الأروبّيين والآسيوّيين يمكن تقسيمه إلى ثلاث مراحل أو بالأحرى كان قد اتـّـبع ثلاث أنماط متداخلة من التـّـطوّر. النـّـمط الأصلي الذي امتدّ حتـّـى القرن الثـّـامن عشر والذي يمكن تسميته باللاّتاريخ يمكن وصفه بأنـّـه كان قروسطيّا راكدا وفيه ظلّ اليهود كما كانوا دوما تعرّفهم المنظومات القانونيّة بأنـّـهم جماعات تتحكـّـم بها هيررشيّة اجتماعيّة من نظم وحوزات متعدّدة تلعب أدوارا مختلفة في الاقتصاد وتمتلك لغتين تستعملهما فيما بينها هي الييديّة والعبريّة ولها قوانينها الخاصّة النـّـابعة من الرّبابنة والأحبار والتـّـي يسهر على تطبيقها الرّبابنة والأحبار والحاخامات. اليهود طوال هذه الفترة، من نهر الرّاين حتـّـى نهر دنيبر (Dnepr, Днепр) الرّوسيّ البلاروسيّ الأوكرانيّ الذي يصبّ في البحر الأسود، كانوا منقسمين إلى كيانات محافظة جدّا، منغلقة على نفسها، متطلـّـعة إلى الدّاخل، تعيش نوعا من الإكتفاء الذاتي.

لكنّ مرحلة جديدة في تاريخ اليهود ابتدأت منذ أواخر القرن الثـّـامن عشر تمثـّـلت في التـّـنوير اليهوديّ الذي لعبت فيه الحاسكالا وكذلك التــّـشريعات الأروبّية التي منحت اليهود حقوقا كثيرة جعلتهم مساوين تماما للمواطنين الأروبّيين والآسيويّين دورا كبيرا. كتب جوناثان فرانكل في مقدّمة كتابه ّ"النـّـبوءة والسّياسة؛ الاشتراكيّة والقوميّة واليهود الرّوس 1862 ـ 1917" إنّ فكرة العيش تحت قانون موحـّـد لكلّ المواطنين بمختلف دياناتهم وأعراقهم نشرتها الثـّـورة الفرنسيّة ثمّ حمتلها جيوش نابوليوني بونابارتي إلى وسط أروبّا وإلى الشـّـرق حتـّـى أنّ كلّ الدّول انطلاقا من فرنسا وحتـّـى روسيا طبـّـقتها ودعـّـمتها بالقوانين والتـّـشريعات. وشيئا فشيئا، على امتداد القرن التـّـاسع عشر، صار اليهوديّ أينما كان ينظر إلى نفسه على أنـّـه مواطن مساو لغيره من المواطنين في جميع البلدان الأروبّية والآسيويّة يعيش في بلده الذي وُلد فيه وأصبح يتكلـّـم لغة بلده بلهجة عامّية وبذلك لم تعد اليهوديّة تمثـّـل قوميّة بالنـّـسبة إليه وإنـّـما ديانة كغيرها من الدّيانات. هذا التـّـطوّر جعل إصلاح اليهوديّة ممكنا فلم يعد ينظر إليها رجال الدّين وكذلك اليهود على أنـّـها تحمل مفهوما قوميّا بل إنّ إصلاحها قد كان متماشيا مع الظـّـروف الجديدة وسرّع في حركة تأقلم اليهود في مجتمعاتهم.
Jonathan Frankel; Prophecy and Politics: Socialism, Nationalism and the Russian Jews; 1862 - 1917

معنى هذا القول أنّ تاريخ اليهود لم يبدأ إلاّ في مرحلته الثـّـالثة مع الحركة الصّهيونيّة عند دخولها المرحلة العمليّة التي تمثـّـلت في استعمار فلسطين وإنشاء الدّولة العبريّة. أمّا الشيء الثـّـاني الذي تؤكـّـده الفقرتان السّابقتان فهو اندماج اليهود منذ بداية القرن التـّـاسع عشر في المجتمعات الغربيّة الذي يجعل "المشكل اليهوديّ" الذي اتـّـخذته الصّهيونيّة أرضيّة لعملها الدّعائي أمرا باطلا. لقد جعلت فرنسا الثـّـوريّة وكذلك الولايات المتـّـحدة الأمريكيّة الذي شدّد بيان استقلالها على حرّية الفرد والشـّـعوب إدماج اليهود واقعا ملموسا. لقد كرّست الثـّـورة الفرنسيّة وكذلك الثـّـورة الأمريكيّة مفهوم الفرص المتساوية ووعدتا يهود الغطـّـو بالتـّـحرّر الكامل، كما أنـّـهما سرّعتا من تثقيف اليهود (the acculturation of Jews) أو بالأحرى من اعتناقهم للثـّـقافات الأروبّية والأمريكيّة. ويفيد هذا القول الذي يُجمع عليه مؤرّخو الصّهيونيّة بكافـّـة مشاربهم الفكريّة بأنّ الأحداث القليلة جدّا المعادية لليهود التي ركـّـزت عليها الصّهيونيّة في دعايتها للمشكل اليهوديّ كقضيّة ألفريد درايفوس التي جعلت إيميل زولا يكتب رسالته الشـّـهيرة لرئيس فرنسا الذي عنوانها "أنا أتـّـهم" (J'accuse) لم تكن سوى أحداثا عرضيّة. قضيّة درايفوس التي تمثـّـلت في اعتقال وإدانة كابتن المدفعيّة ألفريد درايفوس سنة 1984 ألـّـبتْ شرائح من الشـّـعب الفرنسي على اليهود لأنـّـها قضيّة متعلـّـقة بالخيانة ولم يكن سببها كره اليهود أو معاداتهم. درايفوس حُـكم عليه بالسّجن مدى الحياة وطرد من الجيش ونقل إلى سجن موجود قبالة ساحل أمريكا الجنوبيّة يقع على جزيرة تسمّى "جزيرة الشـّـيطان" لكنّ المثـقـّـفين والكتـّـاب الفرنسيّين غير اليهود دافعوا عن درايفوس وتمكـّـنوا من إطلاق سراحه سنة 1899 وجعلوا فرنسا تحاكم الجنرالات المتقاعدين الذين أخضعوه لمحاكمة غير عادلة. بالرّغم من ذلك استثمرت الصّهيونيّة تلك الواقعة إلى أبعد الحدود لكي تؤكـّـد وترسّخ ما أسمته "المشكل اليهوديّ".

إلاّ أنّ المرحلة الثـّـالثة التي تمثـّـلت في التـّـاريخ الفعليّ الذي صنعته الصّهيونيّة، وهو التـّـاريخ الاستعماريّ، كانت قد تأثـّـرت بالنـّـزعة الفرديّة كطريقة في الحياة وبالأفكار الإقتصاديّة التي رافقت الثـّـورة الصّناعيّة المتمثـّـلة باختصار في "دعة يفعل؛ دعة يمرّ" (Laissez Faire, laissez passer). تلك الأفكار جعلت اليهود يقبلون على الحياة الغربيّة ويندمجون في المجتمعات الغربيّة لكنّ الحقيقة هي أنّ أعمال القيصر الرّوسيّ ألكسندر الثـّـالث وكذلك الإمبراطور نيقولاي الثـّـاني هي التي خدمت الصّهيونيّة إلى أبعد الحدود وجعلت الصّهاينة الرّوس وصهاينة الشــرق الاروبيّ يسيطرون على الحركة الصّهيونيّة ويدفعون يهود روسيا وأروبّا الشـّـرقيّة إلى الهجرة المكثـّـفة الى فلسطين واستعمارها. وفي حقيقة الأمر جعلت أعمال الأمبراطورين الرّوسيّين المذكورين الشـّـعوب الرّوسيّة بما فيهم اليهود يعيشون في فقر مدقع ولذلك كان الفقر هو السـّـبب الرّئيسيّ في هجرة اليهود إلى فلسطين غير أنّ الصّهيونيّة خاضت حملات دعائيّة شرسة ضدّ الحكومة الرّوسيّة متـّـهمة إيّاها بالتـّـمييز ضدّ اليهود وتقتيلهم. وهذا ما سأناقشه في هذا الفصل.

أنا لا أزعم أنّ القيصر ألكسندر الثـّـالث Александр Александрович (1854 ـ 1894) الذي حكم روسيا من سنة 1881 حتـّـى موته لم يكرّس سياسات معادية لليهود بل أقول إنـّـه شدّد عليهم القيود التي منعتهم من التـّـحرّك، وفي عهده وقعت مذابح سنة 1881 راح ضحيّتها اليهود وغير اليهود، لكنّ الاضطرابات المعادية لليهود وأعمال الشـّـغب التي أطلق عليها الصّهاينة تسمية بوغروم (pogroms) كانت تحدث بصفة عفويّة نتبجة الأوضاع الإقتصاديّة المزرية. ولم تقم إدارة ألكسندر الثـّـالث بسنّ القوانين المعادية لليهود في ماي سنة 1920 إلاّ لضلوعهم في اغتيال القيصر ألكسندر الثـّـاني. وبالرّغم من تحريره العبيد (ألكسندر الثـّـاني) وتكوين لجنة كلـّـفها بتحسين أوضاع المزارعين فإنّ الحركات الثـّـوريّة عملت على اغتياله، ومن المتآمرين عليه في ذلك الوقت حركة "ناردنايا فوليا" (إرادة الشـّـعب) الثوريّة وهي حركة ينشط فيها كثير من اليهود وعلى أرتباط بالبونديّة اليهوديّة التي سأتحدّث عنها لاحقا. أمّا اغتياله الذي حدث يوم 13 مارس 1881 فقد قامت به مجموعة من الكوزاك من بينهم يهوديّ. عطــّـل ذلك الإغتيال الحركة الإصلاحيّة وأدّى إلى ثورة 1905 وإلى انتفاضات عديدة معادية لليهود. ومن المتآمرين أذكر ألكسندر أوليانوف، شقيق إيفان إلـّـيتش أوليانوف لينين الذي يرجع لأصل يهوديّ، إذ قام بمحاولة اغتيال دبـّـرها بمعيّه رفاقه على القيصر ألكسندر الثـّـالث فأعدم سنة 1887. وعندما أعدم كان لينين في السّابعة عشرة من العمر.

وبما أنـّـي بصدد التـّـعرّض لما يسمّى "تاريخ اليهود" الذي حرّكته الاضطرابات المعادية لليهود كما تقول الصّهيونيّة فلا بدّ لي من شرح معنى كلمة "بوغروم". هذه الكلمة تشير إلى أعمال الشـّـغب الموجـّـهة ضدّ مجموعات معيّنة إثنية أو دينيّة لكنّ الصّهيونيّة جعلته يرتبط ارتباطا وثيقا بمعاداة اليهود لأغراض معروفة تمثـّـلت في تبرير حركتها الاستعماريّة. البوغروم قد يحدث عن سبق الإصرار والتـّـرصّد لكنّه في معظم الأحيان يحدث بصفة عفويّة ضدّ الأقلـّـيات بصفة عامّة وليس ضدّ أقلـّـية بعينها. وقد غيّرت الصّهيونيّة من معنى بوغروم لتجعلها تعني "مذبحة منظمة". وأفيد القارئ أنّ هذه الكلمة في الأصل من الرّوسية : погром = "اندلاع العنف" ، من الفعل громить ، الذي يعني "نـَـشرَ الفوضى أو هَـدَمَ بعنف". وبما أنّ الحركة الصّهيونيّة قد سيطر عليها الصّهاينة الرّوس وصهاينة أروبّا الشـّـرقيّة فلا بدّ لي أن أستعرض باقتضاب شديد تاريخ روسيا لكنّي أقول هنا إنّه لولا التـّـنوير الرّوسيّ وليبراليّة ألكسندر لما خرجت المجموعات اليهوديّة الشـّـرقيّة من التـّـقوقع الدّينيّ لتكوّن حركات سياسيّة اكتسبت صبغة عالميّة.

لقد أثبت حكم نيكولاي الثـّـاني (Николай Александрович Романов) آخر قياصرة الرّوس الذي كان يلـقـّـب بقيصر روسيا وملك بولندا ودوق فنلندا الأكبر أنـّـه لم يكن قادرا على إدارة شؤون البلاد إذ كثرت في عهده (من 1894 حتى تنازله عن العرش في عام 1917) الإضطرابات السّياسيّة عندما رمى بجيشه في أتــّـون الحرب العالميّة الأولى ممّا سيؤدّي إلى قيام الثـّـورة البلشفيّة سنة 1917. وقد لـقـّـبه أعداؤه بألكسندر الدّمويّ بعد أحداث رودينكا (Rhodynka) التي سمّيت "الأحد الأسود". في واقع الأمر كان نيكولاي الثـّـالث ضعيفا وغير قادر على اتـّـخاذ القرارات ممّا مكـّـن زوجته من السـّـيطرة عليه ولم يكن مهتمّا بالمشاكل الاجتماعيّة والإقتصاديّة لبلده. وفي آب، أوت، 1914 أقحم جيشه في حرب الإمبراطوريّة النـّـماسويّة المجريّة على صربيا الانفصاليّة؛ تلك الحرب التي سرعان ما ستتحوّل إلى صراع بين القوى الاستعماريّة في ذلك الوقت (روسيا وفرنسا وبريطانيا أو "قوى المركز" كما سمّوا ضد ألمانيا والإمبراطوريّة النـّـمساويّة المجريّة وتركيا). ويقال إنّ نيكولاي الثـّـالث قد قام بالدّعاية المعادية لليهود ممّا أسفر عن مذابح وقعت بين 1903 ـ 1906 لكنّ تلك الدّعاية قد حدثت لأنّ اليهود خلال تلك الحرب وقفوا إلى جانب ألمانيا وساهموا في الحرب إلى جانب المركز من أجل تحقيق مطامحهم الاستعماريّة إذ أدركت الحركة الصّهيونيّة، كما قلت في فصول سابقة، أنّ فوز بريطانيا في الحرب يمكـّـنهم من تكثيف التـّـوطين في فلسطين وتأسيس دولة يهوديّة فيه في نهاية المطاف. كما أنّ اليهود قد وُصفوا بأنـّـهم مثـّـلوا طابورا خامسا خلال الحرب الرّوسيّة اليابانيّة التي اندلعت سنة 1905 نتيجة الأطماع الرّوسيّة اليابانية في منشوريا الصّينيّة وكوريا. وليعلم القارئ أنّ الرّوس خلال كلّ حروبهم كانوا يبحثون عن السـّـيطرة على موانئ المياه الدّافئة لأنّ موانئهم الشـّـماليّة تتجمـّـد شتاء ـ وشتاء روسيا طويل ـ ممّا يمنع القوّات البحريّة الرّوسيّة من التـّـحرّك. ذلك ما أثبتته الحرب العالميّة الأولى إذ حاصرت البحريّة الألمانيّة البحريّة الرّوسيّة لافتقارها للموانئ الدّافئة. المهمّ هو أنّ روسيا قد تلقــّـت ضربة قاسية في حربها مع اليابان ثمّ ممّا زعزع الاحترام الذي كانت تتمتـّـع به جيوشها منذ انتصارها على بونابرتي الكرسيكيّ. وفي سنة 1906 أطلق الجيش النـّـار على المتضاهرين أمام القصر الشـّـتويّ للقيصر بسان بيترسبورغ ثمّ تمرّد أسطول البحر الأسود في تلك السـّـنة وأضرب عمّال السـّـكك الحديديّة وهكذا لم تكن الاضطرابات معادية لليهود كما صوّرتها الصّهيونيّة. وقد قاد تظاهرات الأحد الأسود رجل دين مسيحيّ أورتودكسيّ اسمه جورج غابون Gapon ممّا أسفر عن 92 قتيلا وعدد آخر من الجرحى. لكنّ الصّهيونيّة التي كانت، كما قلت في فصول سابقة، تسيطر على وسائل الدّعاية في ألمانيا والنـّـمسا ضخـّـمت عدد الضّحايا وقالت إنّه بلغ الآلاف.

دور اليهود في الحرب العالميّة الأولى:

بعد اغتيال الدّوق فرانتز فرديناند النّمساويّ من طرف غافريلو برينسيب Gavrilo Princip، وهو عضو في الرّابطة القوميّة الصربيّة المعروفة باسم "اليد السّوداء" (Black Hand) أو "البوسنة الشـّـابّة"، في سراييفو في 28 حزيران / أوت 1914، تردّد القيصر نيكولاي الثـّـاني في دخول الحرب. ارتفعت أصوات منادية بالقوميّة السلافيّة من أجل إجبار القيصر على إمضاء المعاهدات التي من شأنها أن تحمي الصّرب من هجومات الأمبراطوريّة النـّـمساويّة المجريّة التي لا تريد أن تتخلـّـى عن صربيا الإنفصاليّة. تفاوض نيكولاي الثـّـاني مع القيصر الألمانيّ وأعرب عن رغبته في السـّـلم لكنّ ألمانيا التي تفوّق اقتصادها على بريطانيا في الإنتاج لم تكن لديها أسواق خارجيّة مثل باقي الإمبراطوريّات. أمّا فرنسا وبريطانيا وروسيا فكانت إمبراطوريات تدافع عن مكانتها وأمتيازاتها. لكنّ السّبب الحقيقيّ لتلك الحرب تمثـّـل في "الموانع التـّـجاريّة" أمّا الصّراعات الإثنيّة فلم تكن السّبب المباشر للحرب لكن لعبت دورا فيها. وقد استغلـّـت الأمبراطوريّة النـّـمساويّة المجريّة اغتيال الدّوق لتصفـّـي الحركة الإنفصاليّة الصّربيّة فأعلنت الحرب في 28 جويلية 1914.

أمّا الدّور الذي لعبه اليهود فتمثـّـل في الدّعاية لألمانيا من ناحية وتزعّم الحركات المنادية بضرورة دخول القيصر الرّوسيّ الحرب. لكنّ روسيا لم تكن لها خطط طوارئ تمكـّـنها من تعبئة جيوشها ولو جزئيّا. وحين قامت النـّـمسا بغزو صربيا لم يجد نيكولاي الثـّـاني بدّا سوى دخول الحرب. وكانت روسيا تفتقر إلى الصّناعة الثـّـقيلة وبذلك لم تتمكـّـن من تجهيز جيوشها كما ينبغي فتمّت محاصرتها من طرف البحريّة الألمانيّة. ترتـّـب عن ذلك اندلاع أعمال الشـّـغب وتمرّد الجيوش. أرتفعت أسعار الموادّ الغذائيّة فجعل الشـّـتاء القاسي النـّـاسَ يهاجمون المحلاّت التـّـجاريّة وينهبونها. ومن المعلوم أنّ المحلاّت التـّـجاريّة يملكها اليهود فتمّ تصوير تلك الأعمال على أنـّـها موجـّـهة ضدّ اليهود بصفة حصريّة. لكنّ الحقيقة هي أنّ اليهود الذين كانوا ينشطون ضمن الحركات الماركسيّة كانوا هم الذين يديرون أعمال الشـّـغب والإضطرابات. وفي شتاء سنة 1917 القارس رفع المتظاهرون (في شهر فيفري) شعارات منها "لتسقط المرأة الألمانيّة" (زوجة نيكولاي الثـّـاني ألكسندرا فيودورفنا المسمّاة أليكس فون هاس المولودة في درامنشطاط التـّـابعة آنذاك لألمانيا). أطلقت الشـّـرطة النـّـار على المتظاهرين وبالتـّـالي لم تكن أعمال الشـّـغب موجـّـهة أساسا ضدّ اليهود وإنـّـما قامت بها الجماهير الغاضبة على القيصر وحكمه.

وتؤكـّـد كتب التـّـاريخ أنّ مذابح عديدة رافقت الثـّـورة البلشفيّة ذهب ضحيّتها 70000 من اليهود لكنّ المذابح قد حدثت نتيجة مساندة اليهود لألمانيا من ناحية ولأنّ الحركات الفوضويّة كان يقودها اليهود أنفسهم وتلك الحركات هي التي قامت بالأعمال الوحشيّة. أمّا الفائدة التي حصلت للصّهيونيّة من تلك المذابح فتمثـّـلت في ترسيخ المشكل اليهوديّ واضطهاد اليهود.

دور الصّهيونيّة في الثـّـورة البلشفيّة:

السّرّ الذي أبقى عليه الاتـّـحاد السّوفييتي مكتوما حتـّـى آخر أيّامه هو أنّ البلشفيّة قادتها نخب تشترك في سمة واحدة وهي انتماء قادتها لأصل يهوديّ. كان زعماء الأحزاب اليساريّة بكلّ مذاهبها بما فيهم ليون تروتسكي (اسمه الحقيقيّ ليف برونشطاين) وكذلك غريغوري زينوفياف (ولقبه الحقيقيّ آبفلباوم Apfelbaum)، رئيس لجنة بيتروغراد وكذلك قوّاد شيوعيّون كثر منهم كارل راديك ولازار كاغانوفيتش وموزس أوتيسكي (رئيس التـشيكا: البوليس السّرّي الذي أنشأه لينين في ديسمبر 1917) كانوا كلـّـهم يهودا. وكان رئيس اللـّـجنة المركزيّة للحزب البلشفي ياكوف سفردلوف (Yakov Sverdlov) وهو الذي أعطى الأمر لعناصر من الشـّـرطة البلشفيك اليهود باغتيال نيكولاي الثـّـاني وروجته ألكسندرا فيودورفنا وأبنائها جميعا. وقد أشرف يورفسكي بنفسه على تنفيذ ذلك الأمر. ويرجع كارل ماركس ذاته إلى سلالة من الرّبابنة اليهود وكان اسمه الحقيقيّ "مردخاي". وبالرّغم من أنّ كارل ماركس قد تخلـّـى عن اليهوديّة وأصبح ملحدا فإنّ كونه يعود لأصول يهوديّة قد خدم الصّهيونيّة إلى أبعد الحدود إذ جعل أدولف هتلر وحزبه النـّـازي يقومان بتصفية الحركات الماركسيّة واليهود على حدّ سواء منذ أواخر العشرينات من القرن الماضي. وفي حقيقة الأمر انتمت أعداد كبيرة من اليهود إلى الحركات اليساريّة المقاتلة في جميع أنحاء العالم وكان لانتمائهم لتلك الحركات تبريراته: ترسيخ معاداة السّامية والثـّـورة عليها.

اليوم يقرّ المؤرّخون بأنّ الصّهيونيّة قد لعبت دورا في الثــّـورات الماركسيّة وفي إنشاء الإتـّـحاد السّوفييتي وكان لنشاط اليهود في الأحزاب الماركسيّة أهداف تتمثـّـل في إنشاء وطن لليهود في فلسطين والسـّـيطرة على العالم. وحين اختلف ستالـّـين مع تروتسكي حول تصدير الثـّـورة أو ما عُرف بعالميّة الثـّـورة أو نشرها أجبر تروتسكي على الفرار سنة 1929 فراح ستالّين يطهـّـر الحزب الشـّـيوعيّ من القيادات اليهوديّة التي كانت صهيونيّة أيضا تعمل على إنشاء دولة إسرائيل. وبما أنّ اليهود هم الذين أنشأوا الإتـّـحاد السّوفييتي فقد عملوا دون كلل على إسقاطة ما إن استفرد بالحكم فيه جوزيف ستالــّـين الذي عرفت فترة حكمة تزايدا لمعاداة اليهود. ولم يكن كلّ اليهود الماركسيّين صهاينة لأنّ الماركسيّة في جوهرها تنادي بأخوّة عالميّة لكنّ بعض العناصر القياديّة كانت صهيونيّة تعمل على تكريس "القوميّة اليهوديّة"، كما سنرى، ولذلك صُوّروا من طرف الحركة الصّهيونيّة كضحايا للاستبداد الشـّـيوعيّ. وكان الدّافع الحقيقيّ للحملات الإعلاميّة، التي قادتها الصّهيونيّة في فترة ما بعد قيام اسرائيل، يتمثـّـل في منع ستالـّـين ألمانيا الشـّـرقيّة من دفع التـّـعويضات لضحايا النـّـازية. وكان ردّ الصّهيونيّة على قمع اليهود في الاتـّـحاد السّوفييتي أن هاجر أكثر من مليون من اليهود إلى فلسطين وشمال أمريكا.

في عام 1990، قام الكاتب المسرحيّ والمؤرخ Edvard Radzinsky بتحقيق في مقتل نيكولاي الثـّـاني ونشر نتيجة أبحاثه فأرجع عمليّة قتل عائلة القيصر بأكملها بما فيها أطفاله للينين، وحارسه الشـّـخصيّ اليكسي أكيموف Akimov، الذي اعترف بأنـّـه تسلـّـم شخصيا أمر التنفيذ من لينين بواسطة برقيّة تلغرافيّة موقـّـعة من طرف رئيس اللـّـجنة المركزيّة البلشفيّة سفارتلوف Sverdlov. وقد اثبتت التـّـحقيقات التي أجراها راتزينسكي وكذلك روبرت ويلتون، مراسل صحيفة التـّايمز اللّندنية الذي عمل في روسيا لمدة 17 عاما أنّ عائلة رومانوف قد أبادتها القيادة اليهوديّة للحزب البلشفي. وقد اعتمد كلّ منهما على تحقيق مفصّل قام به نيكولاي سوكولوف في عام 1919 لصالح الكسندر كولتشاك Kolchak المناهض للشيوعية. وفيما بين سنوات 1989 ـ 1991 وفي إطار الإرهاصات والتـّـأمّلات التي تندرج في إطار جهود الرّوس الهادفة إلى بناء نظام جديد على أنقاض النـّـظام القديم تساءل الكثيرون: كيف توصّل البلاشفة، وهم حركة صغيرة تسترشد بتعاليم اليهوديّ الألمانيّ والفيلسوف الإجتماعيّ كارل ماركس، إلى السّيطرة على روسيا وفرض نظام مستبد على شعبها؟

قبل أسبوعين من "ثورة أكتوبر" لعام 1917، عقد لينين جلسة سريّة في سانت بطرسبورغ (بتروغراد) بأبرز قادة اللـّجنة المركزية للحزب البلشفيّ وعددهم 12، أربعة من الرّوس (بما فيهم لينين) ، وجورجيّ (ستالين)، وستة يهود وشخص آخر. في ذلك الاجتماع تمّ إنشاء "الـمكتب السياسي" وتم اختيار قادته كما يلي: اثنين من الرّوس (لينين وبوبنوف Bubnov، والجورجيّ (ستالين) ، وأربعة من اليهود (trotsky ، Sokolnikov ، Zinoviev ، وKamenev). وفي الوقت نفسه، كان تروتسكي يرأس لجنة بطرسبورغ (بتروغراد) العسكريّة الثـّـوريّة المتألـّـفة من 18 عضوا: ثمانية أو تسعة روس ، وأوكرانيّ واحد ، وقوقازيّ واحد ، وستة يهود. وأخيرا، تمّ تعيين اللـّـجنة البلشفيّة لتشرف على تنظيم الانتفاضة البلشفية فشملت اثنين من اليهود (Sverdlov وUritsky). وهذا ممّا لا يدع شكـّـا في أنّ اليهود قد لعبوا دورا بارزا في الثـّـورة البلشفيّة.

ولئن عمل الاتـّـحاد السّوفييتي على إخماد الصّهيونيّة السّياسيّة لكونها، في منظور الماركسيّة، إيديولوجيا بورجوازيّة، إذ اعتبر ماركس نفسُه القوميّة اليهوديّة مجرّد وهم، فإنّ الدّولة السّوفييتيّة قد تبنـّـت الصّهيونيّة بعد صعود ستالـّـين. ومن دون تغيير الموقف السّوفييتي علنا تبنّى ستالـّـين في سياسته الخارجيّة مساندة الصّهيونيّة منذ سنة 1944 لاعتقاده بأنّ دولة يهوديّة في الشـّـرق الأوسط سوف تكون اشتراكيّة. وفي سنة 1947 ساند الاتـّـحاد السّوفييتي الصّهيونيّة خلال مناقشة قرار تقسيم فلسطين في الأمم المتـّـحدة ممّا أدّى إلى قيام الدّولة الاسرائيليّة. وخلال الحرب الباردة غيّر الاتـّـحاد السّوفييتي من موقفه من الصّراع العربيّ الإسرائيليّ تدريجيّا وصار يعمل على الحفاظ على علاقة صداقة بإسرائيل إذ اعترض على منع مصر عبور السّفن المحمـّـلة بالبضائع المتوجّهة إلى إسرائيل قناة السّويس وطالب مجلسَ الأمن بالتـّـدخـّـل من أجل وضع حدّ لمحاصرة إسرائيل. وفي سنة 1953 ندّد الإتـّـحاد السّوفييتي بما وصفه انتهاك الهدنة التي أبرمها العرب مع إسرائيل. وفي العام نفسه أرسلت موسكو بسفيرها ليقدّم أوراق اعتماده لحكومة إسرائيل وقد جعلت مقرّه في القدس. وفي 22 جانفي سنة 1954 استعمل السّوفيات حقّ الفيتو ضدّ قرار يقضي بتسوية النّزاع على المياه في المنطقة بين إسرائيل والعرب المجاورين لها. وبالرّغم من أنّ الدّولة الإسرائيليّة النـّـاشئة كانت حليف الغرب الموثوق فيه فقد تعامل معها الإتـّـحاد السّوفييتي لحاجته إلى المال ولأنّ اليهود يسيطرون على البنوك في العالم بأسره لكنّه اكتفى بالدّعاية ضدّ الصّهيونيّة من أجل المحافظة على صداقة العرب الذين يستوردون الأسلحة السّوفييتيّة.

إسقاط الإتـّـحاد السّوفييتي:

كتب ييغور غيدار (Yigor Gaidar) مدير معهد اقتصاديّات التـّـحوّل في موسكو والذي عمل كوزير للإقتصاد فيما بين سنوات 1991 ـ 1994 في كتاب له عنوانه "انهيار امبراطوريّة: دروس لروسيا الحديثة" (The Collapse of an Empire: Lessons for Modern Russia) نشره سنه 2006 إنّ سقوط الإتـّـحاد السّوفييتي يمكن إرجاعه إلى قصّة القمح والنـّـفط. يقول غايدار إنّ القصص التي روّجت إلى أنّ ألمانيا لم تنهزم أبدا خلال الحرب العالميّة الأولى وأنّ اليهود هم الذين طعنوها في الظـّـهر أساطير مختلقة لكنّ كتابه يوحي بأنّ الصّهاينة قد لعبوا دورا في إسقاط الاتـّـحاد السّوفييتي. لقد كانت الحبوب هي التي حدّدت مصير الاتـّـحاد السّوفييتي فمنذ سنة 1929 تركـّـز النـّـقاش حول النـّـهج الاقتصاديّ الفلاحيّ الذي قد يتـّـبعه الاتـّـحاد السّوفييتي، وفي تلك الفترة دافع رئيس الحزب الشـّـيوعيّ ريكوف ومنظـّـره بوخارين عن القطاع الخاصّ في الزّراعة من أجل الحفاظ على السّوق والاستقرار الماليّ لكنّ ستالين صادر الأراضي الزّراعيّة وأعدم كلّ المعارضين لفكرته. كانت سياسته كارثيّة على الزّراعة إذ انخفض الانتاج ليحوّل الاتـّـحاد السّوفييتي من أكبر منتج للحبوب إلى أكبر مستورد. وممّا زاد في نقص الأراضي الزّراعيّة وانخفاض الانتااج الفلاحيّ توسّع المدن حتـّـى أنّ روسيا وحدها اشترت في سنة 1963 12 مليون طنّ من الحبوب كما أنّ التـّـصنيع الاشتراكيّ أسفر عن عدم قدرة الاتـّـحاد على بيع منتوجاته الصّناعيّة نتيجة الحصار الذي ضربته عليه القوى الرّأسماليّة. لجأ الاتـّـحاد السّوفييتي إلى بيع النـّـفط والغاز الخامّين وصرف ما يزيد عن 20 بليون من عملته الصّعبة سنويّا على الحبوب. وكنتيجة لاحتلال أفغانستان سنة 1978 ظهرت "صدامات خارجيّة" عديدة أدّت إلى فقدان الاتـّـحاد السّوفييتي لسيطرته على أروبّا الشـّـرقيّة.

أدّت الأزمات إلى انخفاض حادّ في الواردات الغذائيّة من جانب الاتـّـحاد السوفياتي عندما انهارت أسعار النفط بسبب الإمدادات الخليجيّة. وعلى الصّعيد العمليّ لجأت الدّولة إلى نظام الحصص الغذائيّة المماثل لذلك الذي استعمل خلال الحرب العالميّة الثانية. أمّا النـّـتيجة النـّـهائيّة التي أسفرت عن "لعنة الموارد" فقد تمثـّـلت في سعى الاتحاد السّوفياتي الى الحصول على قرض كبير في عام 1989، لكنّ البنوك التي كانت في يد اليهود امتنعت عن إقراضه. عمل الاتـّـحاد السّوفييتي على المساومة مقابل الحصول على تنازلات سياسيّة دون جدوى. وفي عام 1989 أصبح انهياره حقيقة واقعة، ولم يبقى أمام غورباتشوف سوى خيار وحيد: بدء مفاوضات فوريّة حول شروط الاستسلام.

الصّهيونيّة العمّاليّة أو الاشتراكيّة:

قلت استثمرت الصّهيونيّة الرّوسيّة أعمال الشـّـغب والاضطرابات لتكرّس "المشكل اليهوديّ" فكان ليو بنسكر (Lev Pinsker) أوّل من تحدّث عن التـّـحرّر الذاتي سنة 1882 معتبرا أنّ المشكل اليهوديّ لا يمكن حلـّـه بمنح اليهود حقوقا مساوية أو تجعلهم متساوين مع غيرهم من المواطنين وبهذه الطـّـريقة فصلت الانتلـّـجنسيا اليهوديّة نفسها عن الانتلـّـجنسيا الرّوسيّة العريضة التي كانت تعارض الحكومة الاستبداديّة. وفي صلب الأحزاب الماركسيّة ظلـّـت الإيديولوجيا مطبوعة بطابع اليسوعيّة والطـّـوباويّة وكذلك بالشـّـعبويّة المتمثـّـلة في شعارها "كلّ شيء من أجل البروليتاريا (الشـّـعب) ومن البروليتاريا". وهكذا تمثـّـلت مهمّة اليهود المجسّدة في أقلـّـيات قياديّة تبحث دون كلل عن قواعد شعبيّة عبر تمجيد الغير منتمين للشـّـعب الرّوسيّ والثوريّين الشـّـباب والتـّـحدّي والتـّـضحية وتقرير المصير. أمـّـا ما ساعد اليهود في التـّـغلغل وسط القواعد وتزعـّـمها لها فهي الأوضاع المزرية والفقر إذ جعلا الرّوس وشعوب أروبّا الشـّـرقيّة ينضوون تحت لواء الاشتراكيّين والقوميّين اليهود بسهولة. وكان هذا الوضع هو نفسه في كلّ أروبّا الشـّـرقيّة حيث صارت الصّهيونيّة تتغذى من الصّراع بين الثـّـوريّة العالميّة والقوميّة اليهوديّة، أمّا التـّـعبير التـّـنظيميّ لها فقد تمثـّـل في الصّحافة الييديّة وفي النـّـقابات وفي الاجتماعات العامّة وفي الإضرابات والاضطرابات وفي الاحزاب الماركسيّة الرّاديكاليّة وأجنحتها العسكريّة التي سوف تلعب دورا رئيسيّا في توطين اليهود في فلسطين لاحقا. وممّا جعل الجماعات المسلـّـحة الصّهيونيّة الاشتراكيّة في فلسطين عصابات وليس حركات سياسيّة فهو عدم وجود قاعدة شعبيّة يهوديّة عريضة منضوية تحت قيادتها. أمّا ما ساعد تلك الجماعات المقاتلة من قبل ذهابها إلى فلسطين فهو تنقـّـلها بين روسيا وبلدان أروبّا وكذلك بلدان أروبّا الغربيّة وأمريكا (روسيا، لندن، باريس، نيويورك، غاليسيا، وفلسطين...)؛ التـّـنقـّـل الذي عادة ما يكون سريّا بين قارّات ثلاث أكسبها خبرة لا تضاهى.

وقبل المضيّ في الحديث عن الصّهيونيّة العمّاليّة بشيء من التـّـفصيل أقول إنّ الانتلـّـجنسيا الصّهيونيّة المتزعّمة للأحزاب الاشتراكيّة لم تكن معنية بالمشاكل التي تعترض الأنتلـّـجنسيا الرّوسيّة بصفة عامّة بل استثمرت تلك الأحزاب في تكريس مصالح "القوميّة" اليهوديّة. والسّؤال الذي سأحاول الإجابة عليه هو التـّـالي: كيف تمكـّـنت الصّهيونيّة الاشتراكيّة من التـّـوفيق بين اليسوعيّة اليهوديّة وعلمانيتها الاشتراكيّة؟ وقد بيّنت في الفصل السـّـابق كيف أنّ الرّبابنة قد أوجدوا الأرضيّة النـّـظريّة للتـّـوفيق بين الصّهيونيّة الدّينيّة والصّهيونيّة العلمانيّة، وأقول هنا إنّ الصّهيونيّة الاشتراكيّة وجدت نفسها في تناقض استراتيجيّ تمثـّـل في الخيار بين الثـّـورة العالميّة وبين الهجرة الجماعيّة المنظـّـمة من أجل بناء وطن لليهود أي بين عالم جديد نظـّـرت له الماركسيّة وبين عالم قديم موجود منذ أقدم العصور في التـّـوراة. وبما أنّ اليهود لم يكونوا جماعات أرضويّة في المجتمعات التي كانوا يعيشون فيها فقد تمسـّـكوا بأطروحات سياسيّة تكرّس فكرا قوميّا شوفينيّا على حساب الأخوّة العالميّة التي تنادي بها الماركسيّة وقد عملوا على أن تكون تلك الأطروحات شموليّة وخاصّة في نفس الوقت، تـُـعنى بالمستقبل ولكنـّـها متجذرة في الماضي القديم جدّا وفي الواقع الشـّـعبويّ، وأرادوها أن تكون اشتراكيّة لكنّها قوميّة، وعلميّة لكنّها يسوعيّة.

ما يجب التـّـشديد عليه هنا هو أنّ الصّهيونيّة الاشتراكية قد فتحت أبوابا من العمل السيّاسيّ ولكنّ نشاطها لم يرافقه نشاط نظريّ فكلّ نظريّات الاشتراكيّة اليهوديّة قد تمـّـت صياغتها قبل سنة 1881 بكثير أي قبل اغتيال ألكسندر الثـّـاني. معنى هذا أنّ تلك النـّـظريّات لم تـُـكتب لأوضاع ما بعد مقتل ألكسندر الثـّـاني وإنـّـما كتبها أناس أوفياء لليهود لكنّهم ملتزمون بالثـّـورة العالميّة، منهم كارل ماركس نفسه. وقد ذكرت في فصل سابق أنّ موسى هاس كان من الصّهاينة الاشتراكيّين الأوائل إذ عاصر كارل ماركس وأضفى على الثـّـورة الاشتراكيّة العالميّة بُعدا إثنيّا إذ اتـّـخذ على عاتقه التـّـنظير لفكرة إنشاء دولة يهوديّة في فلسطين وبذلك سبق ناحمان سيركين Nachman Syrkin or Nahman Syrkin (1868-1924) بأربعين عاما في التـّـنظير للصّهيونيّة الاشتراكيّة. أمّا مساهمة موسى هاس فتمثـّـلت في إيجاد الإطار النـّـظريّ للصّهيونيّة الإشتراكيّة فقد قال إنّ العمـّـال اليهود يجب عليهم أن يشاركوا في الثـّـورة العمـّـاليّة كوحدة مستقلـّـة. انطلاقا من هذا المنطق وفـّـقت الصّهيونيّة بين الأخوّة العالميّة وبين طموحاتها إلى تشكيل دولة صهيونيّة في فلسطين بأن شدّدت على استقلاليّة اليهود. لقد كان موسى هاس وغيره من الصّهاينة يعلمون أنّ الثـّـورة العالميّة لا تتماشى مع الطـّـموحات الصّهيونيّة إذ أنّ الثـّـورة العالميّة تعني اندماج اليهود في غيرهم من الجماهير البروليتاريّة ولذلك عبـّـروا عن اشتراكيّة يكون فيها اليهود "قوميّة" مستقلـّـة. وبما أنّ الصّهاينة الإشتراكيّين الأوائل قد تربّوا في أحضان اليهوديّة القديمة وفي ظلّ إحياء العبريّة وبما أنـّـهم لم يكونوا ميّالين إلى الرّأسماليّين اليهود فقد فضّلوا النـّـبوءة وعناصر النـّـهاية الرّهيبة (apocalypse) الموجودين في التـّـوراة والتـّـقليد الدّينيّ. وقد عبـّـر عن هذا موسى هاس نفسه بما أسماه "الفخر اليهوديّ" بـ"الأمـّـة" اليهوديّة.

قلت في فصل سابق إنّ موسى هاس (1812 ـ 1875)، منظـّـر الصّهيونيّة الإشتراكيّة الأوّل، لم يجد فيما أسماه الصّهيونيّة النـّـموذجيّة (Proto-Zionism) بدّا سوى العودة إلى الدّين وقد تلقـّـى تعليما دينيّا أورثودكسيّا ولذلك كان مهتمّا دوما بما أسماه "قوميته" اليهوديّة إلاّ أنّ كتاباته ليست كلـّـها نابعة من معتقداته الدّينيّة. اعتبر هاس أنّ القوميّة اليهوديّة تمثـّـل شرطا مسبقا للإشتراكيّة ولكي يقيم الدّليل على طرحه قال إنّ الأشتراكيّة دين جديد ولذلك لا بدّ من مزجه بحقائق مستقاة من الوحي وبحقائق فلسفيّة تـُـترجم إلى أخلاقيات شموليّة. ومن دون الحقائق الفلسفيّة، في نظره، لا يمكن أن تكون هناك اشتراكيّة ولذلك جعل حرّية اليهود عنصرا أساسيّا في الاشتراكيّة التي يجب أن تستوعبها الإنسانيّة لكي تتغيّر وتتقدّم. انطلاقا من هذه الملاحظات استخلص أنّ الإشتراكيّة لن تنجح إلاّ عندما تكون في خدمة الدّول القوميّة. ومنذ سنة 1830 ركـّـز اهتمامه على دراسة الأمم الأروبيّة فرأى أنّ ألمانيا قد ساهمت في الإشتراكيّة بالرّوح الدّينيّة والحقائق الفلسفيّة أمّا فرنسا فقد ساهمت فيها بالعناصر الأخلاقيّة المتمثـّـلة في الحرّية والإلتزام الإجتماعيّ. كما أنـّـه أولى اهتماما خاصّا بالعهد القديم من الكتاب المقدّس ليثبت التـّـرقـّـبات اليسوعيّة وقال إنّ التـّـاريخ دوريّ ويعيد نفسه في محاولة للتـّـمهيد لأفكاره الصّهيونيّة وربطها بالنـّـبوءات اليهوديّة. ويمكن القول إنـّـه قد جعل الإشتراكيّة شبيهة بالجمعيّة اليسوعيّة المستندة إلى تحالف بين الدّولة والدّين. الدّين يحافظ على التـّـماسك الاجتماعيّ والإشتراكيّة تضمن العدالة الاجتماعيّة لليهود.

لكنّ فكر موسى هاس فيه تناقض صارخ تمثـّـل في علاقة الإشتراكيّة باليهود. من ناحية كان يزعم أنّه أشتراكيّ والإشتراكيّة كما قلت تنظـّـر لأخوّة عالميّة، ومن ناحية أخرى كان مؤمنا بالتـّـاريخ اليهوديّ وبأهمّيته وأسبقيّته على كلّ الأديان حتـّـى أنـّـه قال إنّ محمّدا أمـّـه كانت يهوديّة وأنّ سبينوزا الذي آمن بأنّ اليهود قد يصطفيهم الرّبّ من جديد يهوديّ. وليس ثمـّـة مغالان بعد هذه المغالاة. لقد تغلـّـبت عليه يهوديّته حتـّـى أنـّـه أرجع الحضارة الإنسانيّة برمّتها لليهود، بما في ذلك صانع الحضارة الأوّل محمّد بن عبد الله. لكنّه عندما أراد أن يعرّف دور اليهود في الإشتراكيّة العالميّة كان متذبذبا كغيره من الصّهاينة فقال إنّ تاريخيّة الأمـّـة حسب هيغل لا تظهر إلاّ مرّة واحدة ولذلك أكّد أنّ المستقبل لفرنسا وألمانيا وبريطانيا ولم يقل شيئا عن روسيا. هذا التـّـذبذب بين الدّعوة للإندماج اليهوديّ وبين الصهيونيّة الدّاعية للقوميّة اليهوديّة نجده عند منظـّـري الصّهيونيّة كلـّـهم لأنّهم يعلمون ألـّـيس هناك أيـّـة أسس واقعيّة لقوميّة يهوديّة. وبعد اندلاع الحرب البروسيّة الفرنسيّة تراجع هاس عن فكرة الإندماج وقال بأهمـّـية "الشـّـعب" اليهوديّ؛ وبما أنـّـه مهتمّ في الأساس بمستقبل اليهود فقد جعل الإشتراكيّة في خدمة الدّولة اليهوديّة التي يجب أن يتمّ إنشاؤها أو التي سوف تنشأ بطبيعتها ما دام التـّـاريخ يعيد نفسه.

الرّابطة اليهوديّة الإشتراكيّة: (The Bund)

تـُـنطق هذه الكلمة "بوند" وهي اسم لتنظيمات صهيونيّة حملت منذ 1905 إيديولوجيا سمّيت بونديزم (Bundism) أو البونديّة التي لعبت في تطوّرها الحركة الإنسانيّة اليهوديّة وكذلك أعمال الييديّين من أمثال سايمون أو شمعون دوبنوف (Simon Dubnov) وحائيم زيتلوفزكي (Chaim Zhitlovsky) الذيـْن رسّخا فكرة الإستقلاليّة اليهوديّة وفكرة الحكم الذّاتي خارج الأرضويّة (extraterrestrial self-government) للإشارة إلى الطـّـموحات الصّهيونيّة. وبما أنّ البلاشفة كانوا قد رفضوا منذ البدء فكرة الإستقلاليّة اليهوديّة فإنّ البونديّة طوّرت ما أسمته "القوميّة" اليهوديّة وقالت إنـّـها تعبّر عن نفسها من خلال اللـّـغة الييديّة والثـّـقافة الييديّة وهكذا ربطت الإشتراكيّة بما أسمته الحقوق القوميّة لليهود خاصّة منذ العشرينات من القرن الماضي. كانت هذه الإيديولوجيا عاملا حاسما في ظهور البوند كتنظيم اشتراكيّ ثوريّ وقد لعب الإشتراكيّون اليهود من فيلنا ومينسك دورا بارزا في التـّـحوّل من الشـّـعبويّة نحو الماركسيّة. وقد لعبت حركة فيلنا (فيلنيوس اللـّـيطوانيّة) الإشتراكيّة الدّيمقراطيّة دورا في إرساء حلقات الشـّـباب الثـّـوريّ منذ سنة 1892 وتثقيف عمّال المدن. تلك الأوضاع وخاصّة منها أوضاع اليهود جعلت البوند تتحوّل عن الدّعاية أو البروبغندا نحو إثارة الفوضى والشـّـغب أو التـّـأليب بهدف زعزعة النـّـظام الرّوسيّ ونظم البلدان الأروبّية الشـّـرقيّة. شكـّـل المنشور السّريّ لسنة 1894 الذي كتبه أركادي كريمر (Arkadi Kremer) بمساعدة مارتوف والذي عنوانه "حول التـّـأليب" (On Agitation) الأسس النـّـظريّة لتلك الحركة البونديّة في بداياتها ولما سمّي ببرنامج فيلنا. وبما أنّ الحركة البونديّة قد تمحورت حول ما أسمته "القوميّة الييديّة" فإنّ الحاجة إلى المتحدّثين بتلك اللـّـغة لكي يثقـّـفوا العمـّـال جعل طلاّب الياشيفا السّابقين بتبوّؤون مراكز هامّة في صلبها.

ولد مارتوف Julius Martov (اسمه الحقيقيّ Osipovich Zederbaum) في اسطامبول في عائلة يهوديّة وسيدبّ بينه وبين لينين ومجموعة الإيسكرا خلاف حول برنامج الحزب الإشتراكيّ الدّيمقراطيّ أدّى إلى انقسام الحزب إلى أقلـّـية منشفيّة تزعـّـمها مارتوف وأغلبيّة بلشفيّة تزعـّـمها لينين؛ هذا على الأقلّ ما تقوله كتب التـّـاريخ. وتقول كتب التـّـاريخ الماركسيّة أيضا إنّ لينين قد أضعف المنشفيك بنشر كتيّبه "ما العمل؟" أو "شتو ديلاتـّي" بالرّوسيّة سنة 1902. عبّر مارتوف عن ضرورة تثقيف العمّال اليهود في عدد من المناشير منها "نقطة التـّـحوّل في حركة العمّال اليهود" وكذلك "حقبة جديدة في تاريخ حركة العمّال اليهود" ونادى بضرورة أن يترجم الوعي الحاصل إلى تنظيم عمليّ لليهود من أجل المستقبل. ومنذ البداية كان مختلفا مع لينين لأنّه كان ينظـّـر لاستقلاليّة اليهود في صلب الحركة العمـّـاليّة، ولئن لم تستطع أفكاره الهيمنة على الحركة العمـّـاليّة فإنـّـها سوف تصبح منذ 1897 الخطّ الرّئيسيّ لحركة البوند. ويمكن القول إنّ البوند لعب دورا في التـّـمهيد لظهور برنامج "قوميّ" يهوديّ تبنـّـته الصّهيونيّة بمختلف أطيافها.

أمّا سيمون دوبنوف (1860 ـ 1941) فكان كاتبا ومؤرّخا وناشطا يهوديّا تلقـّـى تعليما دينيّا تقليديّا؛ انتقل إلى بيتروغراد ثمّ استقرّ في أوديسّا ليواصل نشر مقالاته في الصّحف وعمل دون كلل من أجل تحديث التـّـعليم اليهوديّ. وفي سنة 1906 أسّس حزب الشـّـعب (Folkspartei) الذي قام بالدّعاية للمترشّحين اليهود للمجالس البلديّة في ليتوانيا وبولندا. كانت أفكار دوبنوف تصبّ في اتـّـجاه الصّهيونيّة إذ رفض الإندماج اليهوديّ كلـّـية وقال إنّ بقاء اليهود كأمـّـة في المستقبل يعتمد على القوّة الرّوحيّة والثقافيّة والحكم الذّاتي للشـّـتات. أمّا ما سمّي الحركة الإنسانيّة اليهوديّة فهي الحركة التي ارتبطت بالصّهيونيّة والتي قالت إنّ الثـّـقافة اليهوديّة يجب أن تستند إلى التـّـاريخ بدل الإيمان بالله كمصدر للهويّة اليهوديّة. وتتلخـّـص أفكار الحركة الإنسانيّة اليهوديّة في القول بأنّ اليهوديّة هي الثـّـقافة التـّـاريخيّة للشـّـعب اليهوديّ والدّين عنصر واحد من تلك الثـّـقافة فقط. كما أنـّـها ركـّـزت على حرّية اليهوديّ بجعله المسؤول الوحيد عن حياته الخاصّة وقالت إنّ الأخلاقيّات يجب أن تـُـكرّس لخدمة الإنسان وتوفير احتياجاته. ثمّ إنّ تلك الحركة نظرت إلى التـّـوراة على أنـّـها كتاب تاريخيّ قديم أنتجه النـّـشاط البشريّ ولذلك يجب أن يخضع للتـّـحليل العلميّ.

ومن واضعي أسس الصّهيونيّة الإشتراكيّة حائيم زيتلوفسكي (1865 ـ 1945) وكان عضوا موسّسا للحزب الثـّـوريّ في روسيا ومنظـّـرا له. وكغيره من الصّهاينة الإشتراكيّين نادى بالقوميّة اليهوديّة الييديّة وربطها بالأرضويّة والإستقلاليّة اليهوديّة. وفي سنة 1893 أسّس زيتلوفسكي الذي حصل على الدّكتوراء أنذاك بمعيّة شخصيّات يهوديّة أخرى "الإتـّـحاد الإشتراكيّ الثـّـوريّ" الذي سوف يصبح لاحقا الحزب الثـّـوريّ الرّوسيّّ.

ومن مؤسّسي الصّهيونيّة العمـّـاليّة أيضا ناتشمان سيركين (1868-1924) Nachman Syrkin أو Nahman Syrkin وقد ولد في الإمبراطورية الرّوسية (روسيا البيضاء الآن) وتأثـّـر في شبا

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  مصر نزيد عظمة بحب أبنائها مسيحين ومسلمين

 ::

  عد يا صديقي

 ::

  الدول العربية غير مهتمة بأمنها الغذائي

 ::

  هل يقرأ العرب والمسلمون؟/تصريحات عاموس يادلين

 ::

  سرطنة سياسية

 ::

  لا تحملوا عربة التظاهرات اكثر من طاقتها

 ::

  الأردن لمن بناها وليس لمن نعاها

 ::

  تفهمينه حين يشتد العناق

 ::

  من يفوز بالمال: فتح أم حماس؟

 ::

  (نجم) لنيويورك تايمز: مصر تحكمها عصابة يتزعمها مبارك.



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.