Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

 
 

حروب الأفكار!!
محمد حسن يوسف   Thursday 23-10 -2008

حروب الأفكار!! للأفكار سوق خاص بها، كما أن لكل سلعة من السلع أو خدمة من الخدمات سوق خاص بها، فقد تروج فكرة ما في فترة معينة، فيزداد إقبال الحكومات على تبنيها والشعوب على تنفيذها، ثم ما تلبث أن تصاب هذه الفكرة بالركود، فتتعرض للاندثار والموت، لتأخذ الراية بدلا منها فكرة أخرى جديدة، وهكذا! هذا هو ما أكدته أحداث الأزمة المالية الدامية التي تمر بها دول العالم الآن.

وما نشهده الآن هو مرحلة الكساد السريع التي تأتي في أعقاب ثلاثين عاما من صعود أفكار تيار المحافظين التي بدأت دعائمها في الاستقرار بدءا من 1979 – 1980، فيما عُرف بالحقبة التاتشرية – الريجانية ( نسبة إلى مارجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا السابقة ورونالد ريجان رئيس الولايات المتحدة السابق ).

فمنذ بضعة أيام كان التيار الفكري السائد هو التيار الموالي لمزيد من الحرية والليبرالية في الحياة والأسواق، وكان يشيد دائما بالطابع الساحر الذي يغلب على أداء الأسواق المالية، وكان هذا التيار الفكري يصم كل من ينادي بالتدخل في شئون الاقتصاد بالغباء الشديد. وهذا هو مضمون التساؤل " لماذا نرغب في منع نحل التلقيح من التواجد في سوق وول ستريت " – الذي كان يطرحه آلان جرينسبان، رئيس بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي السابق خلال الفترة 1987 – 2006.

ويعتبر آلان جرينسبان من الشخصيات الاقتصادية العريقة في التاريخ الأمريكي، لدرجة أن السيناتور جون ماكين المرشح الجمهوري للرئاسة الأمريكية كان قد اقترح من قبل أن يكون مسئولا عن لجنة لإصلاح النظام الضريبي في الولايات المتحدة. ولكن بعد الأحداث العاصفة التي شهدتها أسواق المال العالمية على مدار الأيام القليلة الماضية، تعرضت شعبية جرينسبان للتدهور الشديد، في حين نجد ماكين يرّوج نفسه على أنه بطل التدخل الحكومي في الحياة الاقتصادية، بل ويعلن أن " الفساد والطمع الجامح هما السبب وراء الأزمة التي عصفت بسوق وول ستريت ".

ودائما ما تتمخض الأزمات الشديدة التي تصيب الأسواق المالية عن انهيار الأيديولوجيات السائدة التي كانت مصاحبة للأسواق في فترة الرواج السابقة عليها. ويمكن إرجاع الأزمة المالية الحالية إلى ثلاثة من الأفكار المحورية التي قامت عليها الحقبة التاتشرية – الريجانية، وهي:

تدعيم فكرة تملك المنازل بين المواطنين
التدخل الحكومي لتنظيم الأمور المالية
الإيمان المطلق بالأسواق وقدرتها على إدارة الحياة الاقتصادية
فكل من هذه الأفكار الثلاثة لعب دورا كبيرا في خدمة النظام الرأسمالي لأكثر من ثلاثين عاما، بما في ذلك زيادة الرخاء وترسيخ الحرية. ولكن هذه الأفكار الثلاثة – مجتمعة – تسببت في حدوث كارثة، هي التي نعاني من آثارها في الوقت الراهن.

فقد أدت أزمة الرهونات العقارية الممنوحة للمقترضين ذوي الدخول المنخفضة بأسعار فائدة أعلى من سعر الخصم، والتي تعتبر بمثابة الشرارة التي انطلقت منها الأزمة المالية الحالية، أدت إلى إطلاق أحلام تملك المنازل لطبقة من الأفراد لم يكن بقدرتها تحمل الأعباء المالية التي ترتبت على المبالغ التي اقترضوها. وفي إبريل 2005 أخذ آلان جرينسبان يطري بالثناء على نظام الرهونات العقارية بسبب مساعدته في زيادة حجم ملكية البيوت، ووصف هذا النظام بأنه " يمثل رد فعل السوق الذي دفع بصناعة الخدمات المالية لتحقيق أكبر مكانة لها في تاريخ البلاد "!!

وفي ذلك الوقت، تم السماح للمسئولين عن البنوك الاستثمارية – الذين كانوا في موقع الصدارة أثناء الثورة التاتشرية – الريجانية - بدخول بنوكهم إلى هذا السوق الجديد، بل والتوسع فيه، وذلك لأنه كان لدى السياسيين والمسئولين عن التدخل الحكومي اعتقادا جازما بالقوى السحرية للأسواق وقدرتها الذاتية على حل أية أزمة قد تنتج.

وحدث نفس الشيء من سوء التقدير إزاء الأفكار الرئيسية الأخرى التي سادت في الفترة التاتشرية – الريجانية، مثل دعم الأفكار الخاصة بكل من الخصخصة، والتشكك في النظرية التي تُرجع التطورات الثقافية والفكرية للأفراد والجماعات إلى العوامل البيئية وليس الوراثية، وترسيخ الديمقراطية.

فحينما كانت تاتشر وأنصارها يناقشون فكرة الخصخصة لأول مرة، قوبلت هذه الفكرة بالسخرية الشديدة ، ووُصفت بأنها حلم غير قابل للتحقيق. ولكن النجاحات الأولى التي تحققت في بريطانيا بعد خصخصة شركات الطيران والاتصالات وفرت شعبية طاغية لهذه الفكرة بدأت تكتسح العالم بأسره. وهذا هو ما أعطى القائمين على سياسات الخصخصة في ذلك الوقت في بريطانيا إلى المضي قدما بطرق الموضوعات الشائكة، مثل خصخصة سكك حديد بريطانيا. ولكن أدى الفشل في إحراز النجاح في هذا الأمر إلى حدوث بعض القلاقل الاجتماعية.

وبطريقة مماثلة، فحين بدأت حقبة المحافظين، كانت الاشتباكات العسكرية الأجنبية بمثابة " فكرة قديمة " في نفوس الغربيين. ولكن أدت الحرب الخاطفة التي شنتها بريطانيا على جزر فوكلاند، وكذلك قيام الولايات المتحدة بغزو جرينادا، أدتا إلى تغيير هذه الفكرة. ولذلك أصبح مألوفا أن تشهد حقبة التسعينات من القرن الماضي سلسلة من الصراعات العسكرية، مثل حرب الخليج الأولى، وحرب البوسنة، وحرب كوسوفو، وهو الأمر الذي أدى لعدم تحرج القادة السياسيين في كل من الولايات المتحدة وبريطانيا من استخدام القوة العسكرية كحل سهل في إدارة ما يروق لهم من أمور. ولكن ما نجم من أهوال ترتبت على غزو أفغانستان ومن بعدها العراق، وما أصاب الجنود المشاركين في هاتين الحربين من رعب لم تُزَل آثاره بعد حتى الآن، سوف يعيد التفكير بشأن استخدام القوة العسكرية باعتباره أسهل الحلول إلى الاتجاه العكسي ثانية.

كما مرت فكرة ترسيخ الديمقراطية بنفس الدورة من الرواج إلى الكساد. فقد كان يُشار إلى انهيار الاتحاد السوفيتي في عام 1989 على أنه الإثبات الكامل لنجاح الفكر اليميني وهيمنته على العالم، والذي يرى أن جميع الشعوب تستحق بالفعل نظم ديمقراطية يسود فيها حرية السوق. وازدادت بذلك قناعة المنادين بعولمة الديمقراطية في صحة آرائهم. ولكن للأسف تحولت سياسة توفير الدعم الأخلاقي للدول التي انشقت عن فلك الاتحاد السوفيتي في قارة أوربا في الثمانينات من القرن الماضي، تحولت إلى سياسة تصدير الديمقراطية بالقوة العسكرية إلى دول الشرق الأوسط بحلول عام 2003.

وتكمن الجذور الأيديولوجية للأفكار التي سادت حقبة المحافظين في أنها كانت بمثابة رد الفعل على الإجماع الذي كان سائدا قبل ذلك تجاه الأفكار الكينزية. ولكن بعد تأرجح الدورة الفكرية بصورة حاسمة الآن وانقلابها على الأفكار اليمينية للحقبة التاتشرية – الريجانية، فمن المتوقع لها أن تسير في الاتجاه العكسي. ولذا فلم يكن غريبا أن نسمع تطاير بعض الأفكار، مثل ضرورة التدخل الحكومي في النشاط الاقتصادي، أو وجوب تأميم بعض البنوك، أو ضرورة العمل بسياسات وسطية، وذلك في غمار البحث عن حل لتلك الأزمة الجامحة الآخذة بعنق الاقتصاد العالمي الآن.


13 من شوال عام 1429 من الهجرة ( الموافق 13 من أكتوبر عام 2008 ).

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         
  ابراهيم حجات -  Jordan       التاريخ:  04-11 -2008
  بسم الله الرحمن الرحيم
   الأستاذ الكبيرمحمد حسن يوسف
   أود أن أبدي شكري الجزيل لك على كثير من المواضع التي قرأتها لك كما وأود أن أعقب على هذا الموضوع خاصة.
   فأقول:
   إن حروب الأفكار أو كما يحلوا للبعض بتسميتها صراع اللأفكار أو ( صراع الحضارات)أمر واقع بل لابد منه لكي يتبن الإنسان الفكر الصحيح من الفكر الخاطئ.
   وأما بالنسبة لمشكلة الرهن العقاري فإن أمريكا قد جرت العالم كله من كان معها ومن لم يكن معها في لعبتها القذرة في السيطرة على أراضي ومقدرات المسلمين وخيراتهم في العراق وغيره و من التدخل في شؤون الدول الإسلامية. فها هي أمريكا قد سرق تجار الدماء فيها أموال العالم في اللعبة التي قامت بها البنوك وشركات الرهن العقاري من أخذ أموال العالم كله من خلال إنزال أسهم الشركات بعد أن تم رفعها إلى أسعار خيالية أدت إلى وقوع الطماعين في شباك النصابين الدوليين ( أصحاب المبدأ الرأسمالي) فكما سرق الرأسماليون أموال دافعي الضرائب في أمريكا، هاهم اليوم يريدون من تابعيهم حكام دول الخليج العربي من دعم النظام الرأسمالي الذي سقط ، وذلك من خلال دفع مبالغ خيالية قد تفوق 7تليون دولار وهي قيمة خسائر البنوك فقط .
   فهذا هو المبدأ الرأسمالي وهاهي الدموقراطية التي يتغنى بها الرأسماليون والديموقراطيون ويدعوون المسلمين إليها ليلا ونهارا.
   وأين الإسلام ؟؟؟؟؟؟



 ::

  لماذا يزداد الأثرياء ثراء؟!!

 ::

  إعادة الانضباط إلى سوق الأسمنت المصري!

 ::

  كيف تقوم المبادرات التنظيمية بإعادة تشكيل القطاع العام؟

 ::

  في مصر: الأسعار لا تنخفض بعد ارتفاعها!!!

 ::

  أهمية الإنفاق العام وآثاره

 ::

  الزراعة خارج الحدود!!

 ::

  النبوءة الخاطئة لمالتس

 ::

  تقييم تجارب التنمية في الشرق الأوسط

 ::

  البترول: مصدر نعمة أم جالب نقمة؟!!


 ::

  سترجعين

 ::

  معلمة مناوبة

 ::

  كوكتيل سياسي يصعب فهمه!!

 ::

  عنف محرم أمريكيا في مصر، محلل في سورية

 ::

  عصر المهازل العربية .."يتولاكم في آخر الزمان لكع بن لكع "

 ::

  ثمانية أيام في الجحيم

 ::

  قضية فداء دبلان

 ::

  الأطرش والأعمى على مسرح الأحزاب

 ::

  الرافضون للاتفاقية بين مطرقة المشهداني وسندان العامري

 ::

  هل وعت الحركات الإسلامية الدرس!!



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي



 ::

  مالكوم إكس والثورة الجزائرية

 ::

  الرشوة اقتصاد خفي في مصر (2-3)

 ::

  دور مراكز الأبحاث في مصر

 ::

  عندما تسقى البراءة بالخمرة

 ::

  يجب تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك في ظل الهجمات الإرهابية المتكررة؟

 ::

  ضوابط الأمانة في البحث العلمي ..ماذا لدينا بشأنها؟

 ::

  عن لقائي بالسفير السعودي لدى اليمن

 ::

  دراسة بعنوان: تعاظم القوة العسكرية لاسرائيل لن يحميها من الانهيار 2

 ::

  طوني بلير وتقرير جون تشيلكوت

 ::

  بمنهي الهدوء .. لماذا يجب علينا ان ننتخب فتح؟

 ::

  أنكون على موعد مع الهزيمة؟

 ::

  رؤية قانونية للمشكلات التي يعانى منها الفلاحين جراء توريد القمح الآن

 ::

  الديمقراطية الليبرالية لم تعد واردة كمطلب جماهيري

 ::

  تاريخ عمالة إيران لإسرائيل و"الشيطان الأكبر"






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.