Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: مقالات سياسية  :: صحافة واعلام  :: حوارات  :: العالم الإسلامي  :: العالم المتقدم

 
 

دولة القانون
د. عبدالوهاب حميد رشيد   Thursday 15-01 -2009

دولة القانون قبل مناقشة هذا الموضوع، من المفيد إبداء ملاحظتين:
الأولى: ليس لنا أن نحكم على الأفكار والإنجازات والوقائع التاريخية وفق منظور ومعايير زمنننا.. فما تحقق من إيجابيات سابقاً يمكن أن تُعتبر خطوات تقدمية في زمنها، لكنها رجعية وفق معايير حاضرنا. فعلى سبيل المثال "قانون حمورابي". فقد اتصف هذا القانون بشمولية تنظيمه للمجتمع، واعتمد بعض المبادئ القانونية المتواجدة في القوانين المعاصرة حالياً، مثل: مبدأ القوة القاهرة (و) مبدأ عدم جواز التعسف في استخدام الحق الفردي(1)، عليه، شكل مرحلة قانونية إيجابية في زمنه، ولا يصح تقييمه وفق معاييرنا الحضارية الحالية: "يفخر العراق بانه كان واضع اول قانون مكتوب معروف لدى البشرية، قانون حمورابي... ما الذي يحتويه قانون وضع في عصر كعصر حمورابي؟ انه قانون ينظم حياة طبقة اسياد العبيد... فدولة حمورابي اذن كانت دولة قانون. فهل يريد من يرفعون شعار دولة القانون الان دولة قانون مثل دولة حمورابي؟"(2)

فإذا قبلنا بهذا الحكم، عندئذ سنقع في خطئين: أولهما تقييم إنجاز تحقق قبل نحو أربعة آلاف سنة بمعايير الزمن الحاضر.. وثانيهما التعريف الخاطئ لمفهوم دولة القانون، بأنها مجرد الدولة التي تشرع القانون.

الثانية: إن الأفكار/ النظريات الجديدة وتطبيقاتها مهما بلغت في رقيها وكمالها، ليست نهائية، وسوف تتطلب وتتعرض لمزيد من التعديل والتكييف والتطوير في ضوء تطورات الحياة وظهور ما نسميها مشاكل جديدة.. هذه المشاكل التي تكون عادة مستمرة مرافقة لأفكارنا وأعمالنا في الحياة الدنيوية القائمة على النسبية، وفي نفس الوقت توفر معالجاتها قاعدة التطوير والبناء الأرقى بصورة مستمرة، وتمنح الحياة الدنيوية المزيد من خطوات التقدم، باعتبار هذه الحياة بذاتها متغيرة متطورة. وهذه المشاكل بما تختزن في حلولها من دوافع وقدرات التطوير هي التي تمنح الحياة البشرية لذة الاستمرارية ومتعة العمل الفكري والتطبيقي..

يُضاف إلى ذلك أن الفكرة- النظرية، بخاصة الاجتماعية، على فرض رقيها وقابليتها للتطبيق لا تعني القدرة على بلوغها في لحظة زمنية واحدة، بل عملية مجتمعية مستمرة ممتدة. وكمثال على ذلك فكرة الديمقراطية و/ أو تطبيقاتها العملية- التحول الديمقراطي. فحتى عند الإتفاق النظري على كل مكوناتها: مبادئها واهدافها ووسائل تطبيقها.. فلا يمكن تحقيقها في فترة زمنية محددة، لإنها عملية مستمرة تتحقق خطوات إنجازها على مراحل زمنية ممتدة. عليه لا يمكن القول أن الديمقراطية تحققت في هذا البلد- النظام الاجتماعي- أو ذاك بصورة متكاملة مهما طال الزمن، بل أن ما يُفترض هو أن تتحقق خطوات أفضل مع استمرار التطبيق الملائم. كما أن الديمقراطية باعتبارها وسيلة حكم فهي تتباين من حيث أهدافها ومنطلقاتها الاجتماعية وفقاً لطبيعة نظام الحكم: رأسمالية، اشتراكية.. علمانية، لاهوتية.. ذلك أن الديمقراطية- مجردة بذاتها- وسيلة حكم محايدة تأخذ صفتها الاجتماعية من نظام الحكم ذاته(3).. هذا رغم أنها تتطلب أن تتوفر فيها ثلاثة شروط: الاول حقوق الانسان- تحقيق المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات بين افراد المجتمع.. ضمان الحقوق الاجتماعية للمواطنين، بما فيها حق العمل وضمانه اجتماعيا، وحق التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية.. الممارسة الايجابية لهذه الحقوق على نحو يقود الى مشاركة المواطنين بصورة فعالة في صنع قراراتهم الجماعية.. الثاني: التعددية السياسية- ممارسة الناخبين حقهم في اختيار ممثليهم، في سياق تعددية المرشحين، من خلال انتخابات حرة لادارة شؤون حكمهم لفترة زمنية محددة.. الثالث: التداول السلمي للسلطة.. مع ملاحظة أساسية بأن العبرة في التطبيق..(4)

والآن فيما يخص دولة القانون، هل أنها تعني أية دولة تصدر القوانين؟ إذا كان الجواب بالإيجاب، عندئذ ينطبق مفهوم دولة القانون على كل دول العالم في زمننا الحاضر ودولاً عديدة في الأزمان السالفة، ويصبح هذا المفهوم وفق هذا المنظور بلا قيمة علمية أو عملية.. ويُعبر في نفس الوقت عن مفهوم ساذج لدولة القانون..

تقترن دولة القانون بجملة مبادئ تُجسد الحقوق والحريات الإنسانية في الدولة على أساس المواطنة، والأسس الثلاثة أعلاه تُشكل قاعدتها. وهذه الحقوق لا تتحقق بمجرد النص عليها في دستور الدولة وفي قوانينها، ولا تتحقق بمصادقة الدولة على إتفاقيات ومواثيق دولية بشأن تلك الحقوق والحريات، بل في نظام حكم يعترف، في إطار قانوني وتطبيقي، بحق المواطنين بأنهم أصحاب ومصدر السلطة الحقيقية.

وتصبح الدولة الديمقراطية مرادفة لدولة القانون في سياق نظام سياسي يقوم على مفهوم المواطنة. هذا التنظيم القانوني والسياسي هو الدولة الديمقراطية- دولة القانون التي تعترف بخضوع سلطة الحكم للقانون، كحال خضوع المحكومين له، حيث تشكل حقوق وحريات المواطنين في هذا القانون، قيوداً على الدولة. ولكي يقوم نظام الحكم هذا، من خلال قواعده ومؤسساته، بعمله على وجه سليم، يتطلب ذلك ضمانات تتلخص في المبادئ الآتية: سيادة القانون.. الفصل بين السلطتين المدنية والعسكرية.. الفصل بين السلطات.. استقلال السلطة القضائية.. تقرير الرقابة القضائية على دستورية القوانين.. تقرير الرقابة القضائية على تصرفات الإدارة وقراراتها.

من هنا، فإن مفهوم دولة القانون، يتجسد في هذه المبادئ، تتقدمها سيادة القانون- خضوع سلطة الحكم للقانون كمثل خضوع المحكومين له. وما يقيد سلطة الحكم دستور يضع القواعد الأساسية لنظام الحكم في الدولة، ويقرر حقوق الأفراد والجماعات وحرياتهم. وبهذا يتحقق للأفراد مركز قانوني في مواجهة سلطة الحكم يكون ضماناً لهم في حرياتهم وحقوقهم. والقانون الذي تكون له السيادة في دولة القانون يجب أن يكون صادراً عن مجلس منتخب من الشعب، ولا يكون مخالفاً للدستور أو منطوياً على انحراف في استعمال السلطة التشريعية. وإذا لم يؤخذ بهذا المفهوم القانوني، عندئذ ينتفي معنى ومضمون دولة القانون.. لعدم وجود دولة بدون قوانين.(5)

وهنا العبرة أيضاً بالتطبيق.. فعلى سبيل المثال، عندما ضغطت السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة، سواء في المجال التشريعي أو التطبيقي، لممارسة الاختطاف- الاعتقالات والتعذيب وغيرها من الممارسات المخالفة لدستور الدولة، تكون الولايات المتحدة عندئذ قد خرجت عن مبادئ ومواصفات دولة القانون.

==============

(1) سبق قانون حمورابي ثلاثة قوانين مكتشفة. وهذه القوانين هي: إصلاحات اوروكاجينا/ اورونيمجيا (2400 ق.م).. قانون اور- نمو (2113-2096 ق.م).. قانون لبت- عشتار (1934-1924 ق.م).. علاوة على قانون حمورابي (1770 ق.م). أنظر: د. عبدالوهاب حميد رشيد، حضارة وادي الرافدين (ميزوبوتاميا) "العقيدة الدينية- الحياة الاجتماعية، الأفكار الفلسفية"، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق 2003.

(2) حسقيل قوجمان، "خرافة دولة القانون"، الحوار المتمدن - العدد: 2521 - 2009 / 1 / 9 .

(3) للباحث، التحول الديمقراطي والمجتمع المدني، "مناقشة فكرية وأمثلة لتجارب دولية"، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق 2003، الفصل الثاني: نظرية الديمقراطية وتطبيقاتها.

(4) د. إسماعيل صبري عبدالله، "الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية وفيما بينها"، ندوة أزمة الديمقراطية في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1987، ص466-468.

(5) لمزيد من التفصيل حول دولة القانون، أنظر: حسين جميل، حقوق الإنسان في الوطن العربي- المعوقات والممارسة، ندوة أزمة الديمقراطية.

.. الجدير بالذكر أن المرحوم حسين جميل- رجل القانون والسياسة العراقي- هو أحد أعضاء "جماعة الأهالي" الأربعة، والثلاثة الآخرون هم: عبدالقادر البستاني، محمد حديد، عبدالفتاح إبراهيم. عُرفوا باسم جريدتهم " الأهالي". ظهرت في العراق أوائل الثلاثينات من القرن الماضي. تلخصت أفكارة مدرسة الأهالي في: التأكيد على إعادة توزيع السلطة والثروة وتكافؤ الفرص والمبادرة إلى إصلاح حقيقي لصالح الأغلبية بالطرق السلمية مع التركيز على التعليم.. انتهت الجماعة بعد انقلاب بكر صدقي العام 1936.. أنظر للباحث، العراق المعاصر: أنظمة الحكم والأحزاب السياسية، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق 2002، ص 86- 89.


 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         
  خليل ابراهيم -  UK       التاريخ:  20-06 -2010
  اتمنى لو حصلت على عنوان د.عبدالوهاب حميد رشيد فهوصديق قديم طموحي مكالمتة مع دعائي لة بالعمر المديد


 ::

  لا نهاية سعيدة..

 ::

  الصحة وحقوق الإنسان في الضفة الغربية الفلسطينية وغزة

 ::

  الكساد الأخلاقي للديمقراطيات

 ::

  الصمت العالمي يُماثل القصف القاتل الإسرائيلي

 ::

  العراق: فحص الجيوب.. قبل فحص المرضى!

 ::

  العراق يعيش كارثة زراعية

 ::

  مطلوبة حية أو ميتة (مقالة بلسان المرأة العراقية)

 ::

  في الحقيقة، أصبحت كلفة الحرب الآن ذا شأن هام

 ::

  تشريد، قتل المسيحيين في الموصل وحرق دورهم


 ::

  أنا القدس وأنت

 ::

  السعوديات يتجمّلن بـ480 مليون دولار في العام

 ::

  الطلاب الفلسطينيون في لبنان يريدون جامعة

 ::

  امرأة من هذا العصر...رواية مكامن النفس البشرية

 ::

  عالم السيارات

 ::

  الأمراض المنقولة جنسياً

 ::

  الدولة والانتصار

 ::

  في كل يوم لنا حكاية مع شعب مصمم على مواصة المسيرة

 ::

  رد فنزويلي على فيصل القاسم

 ::

  الضمير الصحفي والرأي العام



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي



 ::

  جرائم أمريكا المتوحشة

 ::

  رمضان في السياسة في الاقتصاد ... لماذا نتوقف؟

 ::

  الانقلاب التركي بين التشكيك والحقيقة

 ::

  لماذا نكره إيران؟

 ::

  إسرائيل تطوق غزة بجدار تحت الأرض

 ::

  خطايا مشروع قانون الصحافة والإعلام

 ::

  تدويل الإرهاب من احتلال العراق إلى جرافة نيس

 ::

  رمضان في السياسة في الاقتصاد.. 2- دعونا نفكر في الاقتصاد

 ::

  الرهان على انهيارٍ أوروبي!

 ::

  العملية السياسية في العراق .. الباطل الذي يجب إسقاطه

 ::

  عن زيارة عشقي للعشقناز

 ::

  الشتات الإسلامي.. رصيد سلبي أم إيجابي؟

 ::

  هل اعد العالم نفسه لما بعد هزيمة داعش وعودة مقاتليها الى بلدانهم

 ::

  وصار الحلم كابوسا






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.