Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

الحجرة الصغيرة /قصة قصيرة
خالد عاشور   Friday 13-11 -2009


عادة تأتي ليلاً. تغيب عن البيت أياماً وتعود إلى حجرتها. وتكون ملابسها قد اتسخت. لا يسألها أحد في البيت أين كانت أو لم عادت. جميع من بالبيت يتحاشى غضبتها.
البيت من أربعة أدوار. كل دور به خمس حجرات. في كل حجرة عائلة. والبيت قديم. يجبرك بابه الواطىء على الانحناء في دخلته. يفضي إلى ممر ضيق. على جانبيه حجرتان. في نهايته حجرتها بجوار السلم. الصاعد والهابط لا يسمع غير صوت إذاعة القرآن الكريم والذي ينبعث منها عالياً طوال الوقت بلا انقطاع.
حجرتها دون الحجرات ضيقة. كانت لأبويها من قبل. دائماً حين تخرج تغلقها بقفل. برغم أنه لا يوجد بداخلها ما تخشى عليه من الضياع. هي فقط عادتها حين تخرج وتغيب. وحين تأتي يكون كل من بالبيت نياماً. صراخها بالليل يوقظهم. يتردد قوياً حاداً في الحارة ويترامى إلى الحواري المجاورة. صوتها غليظ به بحة. ودائماً ما تنادي على أولادها حين تصرخ:
- أولادي.. عايزة أولادي.
يستيقظ من بالبيت على صراخها ككل مرة. وتخرج العيون المحدقة من الأبواب. فقط تخرج محدقة لا أكثر دون أن تتحرك. الجميع يخشى الاقتراب منها. ويهدأ كل شيء بعد قليل حين يتوقف صراخها ليعود السكون إلى البيت. ربما التعود وحده هو الذي جعل كل من بالبيت لا يكترث لصرخاتها.
لا يعرف أحد في البيت ماذا تعمل بالضبط. أو أين تغيب. منذ عادت لتسكن بالحجرة لم يجرؤ أحد على أن يسألها. يراها البعض أحياناً تحمل بعض الأشياء تبيعها في الحارات المجاورة. جوارب. مناديل. لعب أطفال. وبعض الحلوى التي غالباً ما تعطيها لهم مجاناً.
تصحو قبل العصر بقليل. تجلس مستندة بظهرها للحائط أمام البيت. هي في جلستها لا تتكلم مع أحد. فقط تنظر إلى الأطفال. تناديهم أحياناً وتخرج لهم ما في جيبها من حلوى. بعض الأطفال يذهب ويأخذ منها. البعض الأخر وقد حذرهم آباؤهم منها يبتعدون عنها وهم يصيحون قبل أن يركضوا:
- المجنونة أهي..
قبل المغرب تدخل حجرتها وتغلقها عليها. يسمع من يمر عليها صوتها وهي تغني. غالباً ما تبكي حين تبدأ في الغناء. وغالباً ما هي أغنية واحدة تتغنى بها ولا تغيرها:
- سود الليالي يا ناس بالمر ظالمني.. وجنايتى ايه يا بشر والله ما عارفها.. والحب ضاع من زمان والصبر زال مني.. والأرض ضاقت عليا مداينها ما عارفها.
تخرج من الحجرة بعد قليل. وتكون قد لبست فستاناً ضيقاً محبوكاً على جسدها. وحذاء بكعب يجعلها تتمايل وهي تمشي. شعرها الأسود الكثيف يتهدل على كتفيها. ولون أحمر فاقع بشفتيها. تبتسم لمن يقابلها من البيت وتخرج.
تمشي من حارة لأخرى وهي تبحث. وحين ترى زفة فرح تدخل. جميع من بالحواري المجاورة يعرفها. يعلم غرضها مسبقاً. تقف أمام العروسين وتأخذ في الرقص. ولا تتوقف إلا بعد أن يهدها التعب. يجود عليها البعض بجنيهات. وحين يحاول من لا يعرفها مغازلتها يُسمع صراخها عالياً وقد تغيرت قسمات وجهها منحنية على الأرض لتقذفه بما يقع في يديها. يطردها أصحاب الفرح فتمضى في هدوء عائدة إلى حجرتها.
لا تتكلم مع أحد في البيت نهائياً. فقط تصعد أحيانا لتدخل دورة المياه بالدور الثاني. وحين تراها إحدى الجارات. تقول أن دورتهم قذرة تعاف أن تدخلها. تجلس أحيانا مع إحداهن. هي واحدة فقط ترتاح إليها. تدعوها خالة "سامية". طلقها زوجها لعقمها وترك لها الحجرة. برغم أنها لا تكبرها بسنوات كثيرة. غير أنها تصر دائماً على أن تناديها بالخالة. تصعد إليها حين يتمزق شيء من ملابسها. تتسحب في هدوء وهى تدخل حجرتها. تجلس أمامها على ماكينة الخياطة. تقول لها وهي تداعبها:
- أنت أحسن خياطة في الدنيا يا خالة سامية.. والنبي عايزاكي تخيطي لى الفتق اللى فى الجلبية دى.
وتسكت.
سألتها الخالة سامية يوماً عن زوجها ولم طلقها؟!. قالت دون أن تلتفت:
- أخذ بناتي وطلقنى.. والنبي يا خالة نفسي اشوفهم.. أشتغل خدامة عنده بس اشوف بناتي.
الجميع يعرف أنها كانت متزوجة من رجل ميسور. يعمل ترزي حريمي. محله في أول الشارع. حين تزوجها اشترط عليها أن تقطع صلتها بأهلها. شهور بعد الزواج وعادت لزيارتهم. منعها مرات دون جدوى. وبعد أن وضعت طفلتها الثانية طردها. يقولون أنه أودعها مستشفى الأمراض العقلية لفترة ليحتفظ بحضانة البنتين. وحين خرجت لم تجد غير حجرتها القديمة والتي كانت تسكنها مع أبويها. أحيانا تمر عليه لترى ابنتيها. يطردها من المحل ويسلط عليها بعض النسوة يضربنها حتى لا تعود.
لا يعرف أحد بالضبط أين أبواها. يقولون أنهما رفضا أن تعيش معهما. فعادت إلى الحجرة. صاحب البيت يسكن بالدور الرابع. لا يأخذ منها إيجاراً. يقول حين يشتكي إليه أحد السكان من تصرفاتها:
- مريضة يا عالم ... الرحمة حلوة.. أخد منها أربعة جنيه إيجار.. حرام.
تصعد إليه أول كل شهر لتعطيه الإيجار. تمده إليه فيرفض. يقول وهو يربت على كتفيها:
- ادعى لي بالشفاء .. مش عايز إيجار.
تهبط مسرعة وتعود. وتكون قد أحضرت معها جورباً أو شيئاً مما تبيعه. تمده إلى زوجته وتقول وهي تهبط مسرعة:
- ده علشان أبلة هناء بنتك .. ربنا يخليهالك ... ويخلى لك عم شريف ابنك.
تضحك زوجته حين تسمع "أبلة". فأبنتها أصغر منها بكثير. وابنها الذي تدعوه "عم شهاب" لا يتعدى العشرين.
يوماً وهى صاعدة رأتها وهى تُجلس شاباً غريباً بحجرتها. يجلس على طرف السرير بينما يضع قدماه في وعاء به ماء دافىء وملح وهى تغسلهما له. لم يعجبها ما رأت فنهرتها. هي من جانبها لم تسكت وعلا صوتها بالصراخ:
- أنا حرة.. أعمل اللى نفسي فيه.. محدش له دعوة.
وحين تجمع من بالبيت حول حجرتها أخذت الشاب وخرجت. يومان غابتهما وعادت. أغلقت عليها حجرتها ولم تخرج منها يوماً كاملاً. صوت القرآن فقط كان ينبعث من الحجرة عالياً دون صوت منها. في اليوم التالي ارتدت ملابسها كعادتها. وعند المغرب خرجت. ابتسمت لمن رأته كعادتها ومضت.
هذه المرة غابت لشهور. وحين عادت كانت بطنها قد برزت أمامها في وضوح. كل من بالبيت رآها. غير أن أحداً منهم لم يجرؤ على سؤالها. فقط هي الخالة سامية التي نزلت لتسألها:
- مين عملها معاك يا بنت..؟ انطقي.
نظرت إليها دون أن تجيب. ورفعت صوت الراديو ليغطي صوت القرآن على صوتها. فانسحبت الخالة سامية وتركتها.
مع الفجر سمع صوت صراخها. هذه المرة كان اشد. لم يتوقف صراخها إلا حين ارتفع صوت صراخ الطفل. بعدها سكت كل شيء في الحجرة ألا من صوت القرآن.
في الصباح بدأت الحركة بالبيت. غير أن حجرتها كانت مغلقة وقد وضع القفل عليها. ينبعث منها صوت القرآن كالعادة. لم يسأل أحد عنها. أيام والحجرة مغلقة. وحين سأل بعضهم صاحب البيت عنها سكت للحظة وقال:
- هاترجع. هي هاتروح فين بس.. دى ملهاش حد في الدنيا؟
غير أن أحداً لم يرها بعد ذلك.

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  حورية

 ::

  القس المعتوه والوجدان الأميركي

 ::

  إصلاحات المغرب الدستورية.. أقل من ملكية برلمانية

 ::

  من هنا.. وهناك 17

 ::

  الصلاة على الأموات...

 ::

  وقفة صريحة مع الذات

 ::

  كشٌاف فنزويلي

 ::

  طقوس شم النسيم عاده فرعونيه أصيله

 ::

  مفكرٌ للأمة

 ::

  انظر للشرق واذكرني



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي



 ::

  أوراق السيسي

 ::

  هل انتهى تنظيم داعش حقا؟!

 ::

  الصهيونية فى العقل العربى

 ::

  30 يونيو .. تلك الأيام !!

 ::

  سوريا والعالم من حولها قراءة لما لا نعرف!

 ::

  تداركوهم قبل لبس الأحزمة

 ::

  الجنسية مقابل الخيبة

 ::

  اليمن .. الشرعية التي خذلت أنصارها

 ::

  الدستور الإيراني والإرهاب

 ::

  في إنتظار الإعلان عن وزير أول تفرزه مخابر ما وراء البحار

 ::

  الغنوشي والإخوان.. ميكافيلية تجربة أم فاتورة فشل!

 ::

  المسلمون وداعش وكرة القدم

 ::

  تداعيات التغيرات الداخلية بأضلاع مثلث الاقليم

 ::

  الصهيونية والرايخ (الامبراطورية) الثالث






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.