Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: مقالات سياسية  :: صحافة واعلام  :: حوارات  :: العالم الإسلامي  :: العالم المتقدم

 
 

مقالة في العروبية
عبد اللطيف ذياب أحمد   Wednesday 25-11 -2009


العروبية أو الإنسانية هي حقيقة الماهية البشرية وجوهرها الكلي الحي ، وهي تمثل للإنسان وحدة الروح والقلب والعقل والضمير ، في اتساق حيوي رائع ، وتمثل وحدة النوع البشري في حقيقته المطلقة .
وقد وجدت العروبية مع وجود أول إنسان على سطح الأرض ، وكانت بداية هذا الوجود هو وجود الذات الإنسانية ووجود الإنسان في موطنه الأول ( بكة ) هذه البقعة الأرضية الأعجوبة التي اختيرت بعناية إلهية لتكون المهد الأول والأصيل للبشرية .
والعروبية أو الإنسانية قيمة بشرية مطلقة ، قد نبعت مع خلق الإنسان الأول ، فكانت جوهر ذاته وقوام وجوده ومادة حياته ، فهي تشكل لديه نظاماً كلياً للمعاني والقيم الكبرى ، ونظاماً أوحد يلتمس به طريقه إلى الحق الأعلى .
فالعروبية أو الإنسانية ، حقيقة إلهية كلية شمولية جامعة تنتظم حقيقة الإنسان والعالم والكون ، وهذه الحقيقة ماثلة في النوع الإنساني ذاته ، فبهذا النوع وحده جعل الله تعالى حقيقة العروبية وبه ؛ لا بالطبيعة أو الصدفة ؛ بدء تاريخ الحياة وبوجوده أصبح العالم مركز الكون .
والعروبية ليست ظاهرة عابرة ، بل هي جوهر ، لأنها وجدت لغاية عليا هي حياة الإنسان ، هذه الحياة المبررة بالخلود ، لكي يصل الإنسان إلى ذروة خلافته الأرضية وكماله النوعي لينتقل من ثم إلى ملكوته السماوي الموعود . فحين أوجدت الإرادة الإلهية ؛ البشرية ؛ أوجدتها لغاية علوية مكنونة ، وحملتها في نفس الوقت مسؤولية ذاتها البشرية ، وقدرت لها على سبيل التكليف الإرادي الحر أن تبلغ بهذه الذات كمالها الكلي المطلق الذي تعرج به إلى ملكوتها الإلهي الموعود ، كما وجهتها بعنايتها الملهمة إلى اختيار المسار الحياتي الأمثل الذي عليها أن تتخذه في صيرورتها إلى ذلك الكمال ، وكان هذا المسار هو المسار العروبي أو الإنساني الفطري دون سواه .
فأن المقصد الإلهي من العروبية أو الإنسانية ، صياغة الإنسان صياغة لاهوتية ناسوتية كاملة ، لتكون هذه الصياغة التعبير عن ماهيته الإلهية الأصيلة والتمثيل الحق لوجوده الأصيل كخليفة الله في الأرض ، فهي المعبر الممثل ثم المشخص والمجسد لروحه الربانية الخلاقة ، ولقلبه الرحماني الملهم ، ولعقله النوراني المبدع ، بل ما يصدر عنها من رؤى وقيم ومثل ومبادئ وصبوات وأهداف وغايات نبيلة ، ومن معارف وسلوكيات رفيعة ، ومن أنماط وأساليب معيشية حياتية عليا .
وتتسم العروبية أو الإنسانية بخصائص ذاتية فريدة ، فهي تقوم أولاً على تأليهية إيمانية كلية ، بوجود إله واحد أحد هو المثل الخاص والفذ والأسمى والمطلق بكل صفاته المبرَّأة ، وفعل من أفعاله المنزَّهة ، وهو خالق هذا الكون الأكبر بمشيئته الحرة المدبرة بحكمته الفائقة ، تبعاً لغائية مصيرية مقدرة ، وحسب نواميس قضائية محكمة ( وكل شـيء خلقناه بقدر ) .
وتقوم هذه التأليهية على الإيمان الحر لا الجبر ، لأنه يحتوي على مجموع إيمان الروح والقلب والعقل والمخيلة والشعور والحس ، وذلك بصيغة الاتحاد والتفاعل في أدق أسراره القدسية وبين الكشف الإنساني في أروع تأملاته الإلهامية ، محققة بذلك للإنسان وحدة الذات وانسجام الوجود وشمول الكينونة .
لذلك ، فإن وهن أو ضعف هذه التأليهية في نفس الإنسان توقعه في العجز الحياتي ، وضياعها كلياً يعني ضياع إنسانيته والتحول إلـى حيوانيـة وحشيـة ( كالأنعام وأضل سبيلا ) ، لأن بها تتفتح قابليته وملكاته المستكنة ، وهي التي تفجر طاقاته وقواه المستترة بأشكالها الإبداعية ، وهذا لن يكون ما لم يمتلك الإنسان ذاتياً وصميمياً ملكوته الأعلى والأدنى سوية وفي إطار وحدة كلية متجوهرة ، ومن المؤكد أن من أُولى انحطاطه وسقوطه في دائرة العُجمة هو افتقاد الإنسان لهذه الخصيصة التي تجسد أخفى جانب من جوانب خلافته الأرضية الملهمة .
وتتسم ثانياً بمثالية كمالية متعالية ، تقوم على الاعتقاد اليقيني بأن هناك حقائق جوهرية للإنسان والعالم والكون ، وهذه الحقائق هي نماذج ما هوية مثلى قد وُجدت بالقوة والإمكان في الملكوت الأعلى لتكون موجودة بالفعل والتحقق في الملكوت الأدنى ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثـاً ) المؤمنون 115 .
وهذه المثالية تجمع بين مثالية الفعل ؛ التي هي مثالية الفكر والمعرفة في أرفع صيغها ( خلق الإنسان * علمه البيان ) الرحمن 2-3 ؛ ومثالية الوجدان ؛ التي هي مثالية القيم والمثل والأخلاق في أسمى مراتبها ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ) ؛ ومثالية الحياة والوجود ؛ التي هي مثالية العيش والعمل في أنبل تجسيد لها (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى *وأن سعيه سوف يرى) النجم 39-40 ، وبذلك كله هي مثالية صيرورية كينونية خلاقة ، تزاوج وتوحد وتفاعل بين الذات والموضوع ، وبين المعنى والمبنى ، باعتبارهما جميعاً أوجهاً متعددة لحقيقة أُحادية مطلقة هي حقيقة الخلق الأول المنبثقة من الكلمة الإلهية ( كن فيكون ) .
هذه هي حقيقة العروبية أو الإنسانية في مفهومها الكلي الشمولي الأمثل ، إنها قيمة إلهية مطلقة ، لأنها تحتوي على حقيقة الإنسان والعالم والكون ، كما تعكس حقيقة الألوهية ذاتها ، هذه الحقيقة الصمدية التي وسعت كل الحقائق المطلقة ، فكانت الرسالات السماوية المقدسة التي أوحي بها إلى البشرية غايتها ومقصدها صيانة عروبة الإنسان من كل دنس وانحراف ، بما تحمله من تعاليم ووسائل التي تحمي وتصون عروبية الإنسان وتحرزه من الوقوع في دائرة العُجمة ، فكانت هذه الرسالات تتنزل على أفراد خاصين متميزين ، هم الأنبياء والرسل ، لكون هؤلاء هم النماذج الفذة التي تمثلت فيهم الحقيقة العروبية المطلقة خير تمثيل .

الوضع الإنساني الرهن

يتسم الوضع الإنساني الراهن في مجمله الكلي بالعجمية الحيوانية ، وقد صيغ هذا الوضع الشاذ على مدى عهود متتالية صياغة سلبية شيطانية من قبل شياطين الإنس كافة وعلى اختلاف أنواعهم ومسمياتهم ، ويقوم هذا الوضع الشيطاني الآثم على قتل إنسانية الإنسان في كل ميدان ومجال ، وعلى كل صعيد ومستوى ، بحيث فقد هذا الإنسان جوهره الإنساني الأكبر وضيع هويته الحياتية الأصيلة .
لقد فرضت على الإنسانية ثقافة شيطانية أعجمية شاذة ، صيغت من كل ما يناقض الإيمان ويناهض الخير والصلاح ، ومن كل ما يخالف الفضيلة ويخرج عن الشرف ومكارم الأخلاق ، ومن كل ما يجافي الحقيقة ويجانب الحق والصواب ، ومن كل ما يضاد الجودة ويباين الخلق والإبداع ، فكانت هذه الثقافة عامل أكبر من عوامل تشويه الروح والضمير والعقل والمخيلة والذوق الإنساني الفطري .
لقد جعلت دائرة الشر من الإنسان رهين محابس القنانة والعبودية والاستبداد ، والبهيمية والهمجية والتوحش ، ولإذلال والقمع والمهانة ، والعسف والقهر والظلم ، على سواء ، وبهذه المحابس مسخت الإنسان مسخاً مشيّئاً حولته عن إنسانيته وفطرته الربانية الأصيلة .
فالوضع الإنساني الراهن هو وضع شيطاني أعجم ن فرض على الإنسان فرضاً قسرياً متوخى ليكون بالتالي الوضع البديل والمناهض لأي وضع إنساني عروبي مقبل ، وكون هذا الوضع الإنساني الراهن ن وضع شيطاني أعجم فإن تبعية بقائه واستمراره ملقاة على عاتق شياطين الإنس كافة ن وبالتالي فَهُم يبذلون من نشاط شيطاني عدائي أكبر في سبيل صيانته والحفاظ عليه وتقويته ن لأنهم به موجودون وجوداً كلياً ، وأنه بهن موجوداً وجوداً كاملاً ن وإنهما كليهما موجود بالآخر وجود قدر ومصير .
من هنا كان هذا النشاط الشيطاني الأعجم المسعور الذي يكاد يلف الإنسانية جميعاً ، ومن ثم كان هذا المد الشيطاني الأعجم الطاغي الذي يكاد يهيمن على البشرية برمتها ، وهما نشاط ومد ما كانا أبداً ليأخذا هذه الأبعاد الكلية الشاملة لو لم يكن الإنسان في حالة غياب إنساني سالب ، ذلك أن هذه العجمة الشيطانية لا تقابل إلا بالإنسانية ، وأن شياطين الإنس لا يقابلون إلا بالعروبين ، وأن غير ذلك ليس إلى محض كذب وافتراء وخطأ وخطيئة وفساد وبطلان وضلال وضياع .
أجل 00 أن ما مكن شياطين الإنس والجن أن يكونوا الآن فـي منتهى كينونتهم التاريخية المديدة ، وما أتاح لهم أن يكونوا في ذروة صيرورتهم الوجودية الواسعة ، هما هذه الحالة الشاذة من غياب القيم الإنسانية العروبية لدي الإنسان غياباً شبه كلي ، مع حضور القيم الشيطانية العحماء بالمقابل حضوراً شبه كلي أيضاً ، هذين الغياب والحضور اللذين كانا نتاجاً طبيعياً لغياب الوعي الذاتي لدى الأول وحضوره لدى الثاني .
إذا يجب استيقاظ البشرية على قيمها الإنسانية العروبية ، إيماناً ووعياً ونضالاً ، ثم يقظتها على ما يجثم فوق صدرها من قوة شيطانية عجماء اتصفت بعدوانية وحشية طاغية مسيطرة ، وهذا يعني حتمية انقسام العالم إلى قسمين كليين أكبرين متاضدين لا ثالث لهما ، الأول هو القسم العروبي الإنساني والثاني القسم العجمي الشيطاني ن كما يعني قيام حرب كلية كبرى بين هذين القسمين المتضادين ، وهذا الانقسام هو الانقسام الطبيعي والحقيقي والوحيد ، الذي يتجاوز ويلغي مختلف الانقسامات الزائفة التي وجدت قبلاً بشكل مصطنع مقصود ، وأما الحرب فستكون بالنسبة للبشرية هي حرب التطهير الذاتي أو الجهاد الأكبر التي تسبق عادة وبالضرورة والوجوب ، حرب الخلاص الوجودي أو الجهاد الأصغر .
وإذ أن الحرب المقدسة بين أنصار الرحمن وبين أنصار الشيطان ، واقعة لا محالة ، فإن هذه الحرب موكولة برمتها إلى العروبيين المخلصين بالذات ، هذا على الرغم من كونهم قلة ضئيلة ، بل أقلية صغيرة لا تكاد تقاس بما حولها من قوي شيطانية نامية متضخمة ن ذلك لأن هؤلاء العروبيين المؤمنين هم في الحقيقة ممثلو الله تعالى في الأرض وخلفائه والمعبرون عن إرادته ودينه ، وهم سدنة الحقيقة الإنسانية والحافظون عليها ، وهم روادها وقادتها ن وبالتالي هم المسؤولون عن هذه الخلافة قدرياً ، والملتزمين بها مصيرياً ، كما كانوا دوماً في جميع أدوار طورها الإنساني ن وهذا كله يعني بالنسبة إليهم ، أنه ينبغي أن يكونوا أهلاً لحمل تبعة هذه الوكالة التاريخية المقدسة ، وذلك بدءاً مما ينبغي أن يكونوا عليه من إيمان راسخ ويقين ثابت وثقة مكينة بإنسانيتهم الأصيلة وبنصر الله تعالى لهم ( إن تنصروا الله ينصركم ) وبحتمية تجسيدها رسالة إنسانية خالدة ن وانتهاء بما ينبغي أن يكونوا عليه من استعداد جواني كامل وإعداد براني تام في كل شان من شؤون عمل المواجهة الحقة ، ذلك لأنهم بدون كل أولئك لا يمكن على الإطلاق أن يخوضوا هذه الحرب ، لا بل أن يخوضوا معركة واحدة منها .

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  ويسألونك عن التحرش الجنسي!؟

 ::

  في صباح خريفي(عند محطة القطار)

 ::

  دراسة: "رجفة" فراش الزوجية غائبة عن 90% من المصريات، والكثير من الأزواج ليس عندهم فكرة عنها

 ::

  الصومال... هل يصبح ساحة لـ'حروب الآخرين'؟

 ::

  التاريخ عند نهاية التاريخ

 ::

  أين ستكون بياناتك بعـد مليـــون سنــة؟

 ::

  حول المسألة النووية

 ::

  هرولة الاربعين حرامي... مثالهم رياض منصور

 ::

  لكي لا يتحول البترودولار..إلى ظاهرة استهلاك إفسادي في أقطار الخليج العربي

 ::

  أنت "ساقط".. يا بشار"القط"



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.