Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

القرآن الكريم والعرب
عبد اللطيف ذياب أحمد   Tuesday 16-02 -2010

بسـم الله الرحمن الرحيم

لقد وصلت أمتنا العربية اليوم إلى وضع مزري لا مثيل له البتة ، فالوضع المأساوي الراهن الذي تعيشه أمتنا العربية ، وضع التمزق والتجزئة والانفصال ، والتخلف والانحطاط ، والسلب والعطالة ، هو بكليته من صنع الثالوث الغير مقدس ( الشعوبية والاستعمار واليهودية العالمية ) .
لقد وحدت هذه القوة الشريرة جهودها للقضاء على الأمة العربية قضاءاً نهائياً ، فالأمة العربية تعيش الآن في ضل هيمنة وسيطرة هذا الثالوث الغير مقدس ، في الدرك الأسفل من العطالة الذاتية والعدمية الوجودية ، وبروحية مشوهة وعقل بشع الهجانة ونفس شديدة الضعف ووجدان متعفن، فالإنسان العربي يعيش اليوم في عبودية مطلقة، والشعب العربي في تمزق كلي، والوطن العربي في استباحة كاملة ، والمجتمع العربي في سقوط تام .
وإزاء هذا الوضع المريع الذي تعيشه أمتنا العربية ، يترتب على العروبيين خاصة البحث عن السبل للخروج من هذا الوضع المأساوي الذي وضعت فيه ، فهل هناك سبيل غير التوجه لبناء الإنسان العربي بناءً فكرياً عروبياً واعياً يعيده إلى إنسانيته التي ضيعت وغدا بعيداً عن كونه إنسان كبقية البشر ، إن بالفكر العروبي الأصيل يمكن يقظة الذاتية العربية مما هـي فيـه ، يقظتها إنساناً وشعباً ووطناً ومجتمعاً وعروبة ، يقظتها روحاً وعقلاً ونفساً ووجداناً وجسداً ، يقظتها إيماناً وقيماً ومُثلاً ورؤىً وأخلاقاً ومبادئ وأهدافاً وغايات ، يقظتها وجوداً وحياة وصيرورة وكينونة وقدراً ومصيراً ، يقظتها ماضياً وحاضراً ومستقبلاً ، يقظتها إنسانياً وعالمياً وكونياً وإلهياً .
وبما أن القرآن الكريم هو الحامل والممثل للذاتية العربية الأصيلة ولا يمكن إدراك حقيقة العروبة إلا من خلال فهمه وتدبره من هنا كان بحثنا ( القرآن الكريم والعرب ) وليس بحثنا هذا في جوهره دراسة قرآنية نظرية مجردة ، أو مبحثاً من مباحث علوم القرآن ، وإنما هو رؤية عروبية هادفة ، صغناها صياغة فكرية وجدانية خاصة وتوخينا منها أن تكون دعوة عروبية شاملة إلى الشعب العربي برمته نهيب به فيها أن يعود إلى كتابه الكوني الأعظم ، عودة تدبر وتفكر ، ليمتلك ذاته الحقة ، التي بها وحدها ومن خلالها أن يجابه هذا الثالوث الغير مقدس ( الشعوبية والاستعمار واليهودية العالمية ) .
وحبذا أن يكون هذا البحث محققاً لتلك العودة إذ في ذلك يكمن غرضه الأول والأخير .

عبد اللطيف ذياب
سوريا – دير الزور هـ 357965 / 051
 - 1428

تَوطِـئَة


أن الفكر العربي الإسلامي ، كما قال المفكر إسماعيل العرفي في كتاب التثقيف العربي الأمثل ، يتجوهر كلياً في القرآن الكريم ، فأول ما يتوجب على المثقف العروبي أن يقوم به، أن يعمل على تحصيله تحصيلاً ثقافيـاً عالياً، يتسم بالفهم العميق والإدراك الواسع والاستيعاب الدقيق والتمثُّل القوي ، وذلك من خلال دراسة علومه الأساسية الكبرى ، دراسة منهجيَّة مركزة ، تتح له أن يتشبَّع تشبُّعاً تاماً بجميع ما يشتمل عليه من معتقدات ومبادئ وقيم وتعاليم وشرائع وأحكام وأخلاقيات وسلوكيات ومعاملات وعبادات ، مما يمثل الإسلام عقيدة كونية عظمى ، ولا جرم أن يكون القرآن الكريم هو جوهر هذه المادة الفكرية الأُم ، فهو بالنسبة إلى المثقف العروبي الحق ، كتابـه الفكري الفرد الَّذي لا تُداني منزلته أيُّ كتاب آخر ، لأنه كتابه الكوني الأعظم ، الّذي يشتمل على لباب الحكمة المطلقة والعلم الكلي والمعرفة الخالصة ، والَّذي ينبغي له أن يغترف من معينه الأبدي الخالد كل المقومات الأساسية الكبرى لتثقيفه العروبي الأمثل .
إن دراسة القرآن الكريم ومحورها مفهوم النص هي الكفيلة بتحقيق الوعي العروبي نتجاوز به الموقف السائد في ثقافتنا وفكرنا ، والبحث عن هذا المفهوم وبلورته وصياغته لا يمكن أن يتم بمعزل عن إعادة قراءة علوم القرآن الكريم قراءة جديدة باحثة منقبة . إن موقف الخطاب الديني المعاصر من علوم القرآن الكريم هو موقف الترديد والتكرار ، إذ يتصور كثير من أصحاب هذا الخطاب أن هذه العلوم نضجت على يد السلف ولم يعد فيها للخلف ما يضيفه ، بل أعطوها صفة القداسة فلا يجوز نقدها ومن يتجرأ على ذلك يتهم بالكفر ويتعرض لأنواع الشتم والسباب .
لقد غاب عن أصحاب الخطاب الديني المعاصر أن التحدي الحضاري والاجتماعي والثقافي الذي تواجهه أمتنا العربية اليوم يختلف عن ذلك التحدي الذي كان يواجهها في الماضي ، كان التحدي الذي واجهها هو الحفاظ على الذاكرة الحضارية للأمة على ثقافتها وفكرها في مواجهة الهجمة الشعوبية الشرسة ومن ثم الزحف الصليبي الغربي ، فكانت ردة فعل العلماء العاملين بمثابة محاولة لجمع التراث المتنوع في مجال النص الديني وتيسير تناولـه علـى القارئ والطالب ، كانت محاولة لتركيز العلوم واختصارها بحيث يمكن استيعابها بأقل جهد وفي أقل وقت ممكن .
فإذا كان ذلك التحدي الحضاري الذي واجه أمتنا في الماضي هو الذي
حدد للعلماء طرائقهم في التأليف والتصنيف ، فجمعوا كل ما له علاقة بالنص من قريب أو من بعيد ، فإن التحدي الذي يواجهنا اليوم يفرض علينا سـلوك طريق آخر، إذ لم تعد قضيتنا اليوم حماية تراثنا من الضياع وثقافتنا من التشتت ؛ وإن كانت تلك قضية هامة في كل زمان ؛ لكن الذي نريد قوله إنها ليست القضية الأولى في هذه المرحلة التي وصل فيها التهديد إلى الوجود ذاته مـن قبل الثالوث الغير مقدس ( الشعوبية والصهيونية والاستعمار ) حقيقة واضحة لكل ذي عينين ، وعلى ذلك أصبح موقفنا اليوم هو الدفاع عن وجودنا ذاته بعد أن أفلح هذا الثالوث الغير مقدس في اختراق الصفوف في محاولة نهائية لسلبنا وعينا الحقيقي ليزودونا ؛ عبر مؤسساتهم الثقافية والإعلامية ؛ بوعي زائف يضمن استسلامنا النهائي لخططه وتبعيتنا المطلقة له على جميع المستويات والأصعدة .
وقد علم أعداء العرب ، منذ بـدء الرسالة المحمديـة ، أن الإسلام الّذي ظاهر العرب وظهروا به ، يعطي بالقرآن الكريم ، طاقة الحياة الجديدة للعرب ، ويجعل وسائله ولسانه وعقله معهم وإلى جانبهم ، فأعلنوا الحرب على القرآن الكريم ، بكل الوسائل المنحطَّة ، من مكر وكذب وتزوير وخداع ، فجعلوا له ظاهراً عربياً لكل الناس ، وباطناً أعجمياً للزنادقة والمرتدين ، وتوجهوا إلى اللغة العربية ، لغـة القرآن ، في تعقيدها مـن خلال تعميم منشوراتهم في تعليم البلاغة العربيـة على الطريقة الأعجمية ، فأطالوا في نصائحهم لكل من يريد أن يتعرف على الغريب .
ولشدَّة عجزهم في مواجهة القرآن الكريم صراحة ، اتبعوا أسلوب تفسيره بهواهم ، ومن خلال هذه التفاسير الباطلة ، شنّوا الحرب على العرب، حملة القرآن الكريم ، فبدؤوا بالعقل العربي ، المبني على الفطرة والَّذي لا ينتمي إلى فلسفة اليونان أو أساطير الفرس أو صوفية الهند ، فاتهموه بالجهل والأُمِّيَّة ، متذرعين بكلمة الجاهلية الواردة في القرآن الكريم ، ففسروه بهواهم وبالمفهوم المضاد للعلم والعقل ، ثم تلقفوا كلمة الأُمِّيَّة والأُميين ، وتوسعوا في توصيف حال تلك الأمَّـة الجاهلـة الًّتي لا تقرأ ولا تكتب واختلقوا ما شاء لهم عقلهم المريض من القصص المزورة ، ودسوا ما شاء لهم حقدهم الأسود من الأحاديث الملفقـة ، ليؤكدوا لأنفسهم ، نظريتهم في معجزة الإسلام الَّذي حقق الغير معقول بظهوره بين هؤلاء العرب العراة .
من هنا لابد من طرح المفهوم العروبي الحق للقرآن الكريم ، دون الدخول بنقاش مع هؤلاء الأعداء وأفكارهم القذرة ، لأن الإنسان العربي ، اليوم ، ليس بحاجـة إلى سماع آرائهم الفاسدة ومواقفهم البغيضـة ، بقدر ما هو بحاجـة إلى معرفة الصواب وسلك سبيل المعرفة الحقة .
فكان كتابي هذا ، القرآن الكريم والعرب ، سلكت فيه سبيل كتبي السابقة في توضيح ما أراه الحق ، فأرجو أن أكون قد وفقت في ذلك ، ولا أدَّعي الكمال فالكمال لله وحده .




الفصل الأول

في رحاب القرآن

القرآن الكريم ، دستور الحياة الإنسانية ، وهو اسم كلام الله تعالى ، المنزل على عبده ورسوله محمد  ؛ وهو اسم لكتاب الله خاصة ، لا يسمى به شيء غيره من سائر الكتب ؛ وإضافة الكلام إلى الله تعالى ، إضافة حقيقية من باب إضافـة الكلام إلى قائلـه ، فالله تعالى تكلم به ، وهو الّذي أَنزله على رسوله ليكون للعالمين نذيراً ، قال تعالى :  وَإِنَّكَ لَتُلَقَّي القُرآن مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ  .
والقرآن منار الهداية ، ودستور التشريع ، ومصدر الأنظمة الربانية للحياة، وطريق معرفة الحلال والحرام ، وينبوع الحكمة والحق والعدل ، ومعين الآداب والأخلاق الَّتي لابدَّ منها لتصحيح مسيرة البشريـة ، وتقويم السلوك الإنساني قال الله تعالى :  وَنَزَّلنا عَلَيْكَ الكِتابَ تَبْيانـاً لِكُلِّ شَيءٍ وِهُدىً وَرَحْمَـةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ  .
والقرآن الكريم ليس كتاب علوم أو معارف كونية كالطب والرياضيات ونحوها ، وإن وجدت فيه بعض الإشارات العلمية ، وإنما هو كتاب هدايـة إلهيَّـة وتشريع ، ونور يهدي لعقيدة الحق ، وإصلاح مناهج حياة ، وأُصول الأخلاق والقيم الإنسانية العليا ، قال تعالى :  قَدْ جاءَ كُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وكِتابٌ مُّبينٌ * يَهْدي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وِيُخرِجُهُم مِنَ الظُّلُماتِ إِلى النُورِ بِإِذْنِهِ وَيَهدِيهِمْ إِلى صِرَاطٍ مُسْتِقيم  المائدة 15 – 16 وقال رسول الله  ( برواية الإمام أحمد والترمذي) :  القرآن كتابُ الله تباركَ وتعالى فيهِ نبأُ ما قبلكُمْ وخبرُ ما بعدكُمْ وحكمُ ما بينكمْ ، وهو الفصل ليسَ بالهَزلِ ، من تركهُ من جبَّارٍ قصمهُ الله ، ومن ابتغى الهُدى في غيرهِ أَضلَّهُ الله ، وهو حبلُ الله المتين، وهو الذكرُ الحكيمُ وهو الصِّراط المستقيمُ، هو الَّذي لا تزيغُ بهِ الأَهواءُ ولا تلتبسُ به الأَلسِنةُ ، ولا تَشبعُ منه العلماءُ ،ولا يَخْلَقُ على كَثَرَةِ الرَّدِّ ولا تنقضي عجائبُهُ ، وهو الَّذي لم تنتهِ الجنُّ إذ سمعته حتَّى قالوا : أَنَّا سَمِعنا قرآنّاً عجباً * يهدي إلى الرُّشْدِ فآمَنَّا بهِ (الجن 1 – 2) ، من قالَ بهِ صَدَقَ ومن عمِلَ بهِ أُجِرَ ومن حَكَمَ به عَدَلَ ، ومن دَعا إليهِ هَدى إلى صِراطٍ مُستَقيمٍ .
والقرآن يحتوي على مجموع الأحكام التي نزل بها الوحي على رسول الله  وهي تنقسم إلى ثلاث أقسام :
أولاً – ما يتعلق بالعقائد الأساسية ، كالأحكام المتعلقة بذات الله وصفاته ، وبالإيمان به وبرسله وكتبه، واليوم الآخر وما فيه من حساب وجزاء وثواب.
ثانياً- ما يتعلق بتهذيب النفوس وإصلاحها ، كالأحكام المبينة للفضائل الّتي يجب أن يتحلى بها الإنسان ، كالصدق والأمانـة والوفاء بالعهد ، والشجاعة والإيثار والتواضع والإحسان والعفو والصفح ، والأحكام المبينـة للرذائل ، الّتي يتحتم على المرء أن يتخلى عنها ، كالكذب والخيانة وخلف الوعد والجبن والأنانية والتكبر والإساءة إلى الغير والانتقام .
ثالثاً - ما يتعلق ببيان أعمال الناس وتنظيم علاقاتهم بخالقهم ،كأحكام الصلاة والزكاة والصوم والحج ، وتنظيم علاقاتهم بعضهم ببعض ، كأحكام البيوع والزواج والطلاق وأضرابها.
فالقرآن الكريم أصل التشريـع ، فهـو الّذي بيَّن أُسس الشريعة كلها، سواء كانت اعتقاديـه أو خُلقيـة أو عملية ، لكنه عُنيَ بالأَولين ، ففصلهما تفصيلاً تاما ، أما التشريع العملي فقد وافاه إجمالاً ، ولم يعنِ بالتفصيل بـه إلا لبعض أحكام لا تتغير على مر الأيام ، كأحكام المواريث وأحكام الأُسرة ويظهر جلياً من تَتَبُع آياته واستقرائها ، فإننا نجد نصيب التشريع العملي قليلاً بالنسبة لغيره ، والسبب في ذلك أن العقيدة هـي الأساس لغيرها ، والعقائد لا تتغير بمرور الأيام ، أما التشريعات العملية فهي تَتبع تجدد الحوادث وتختلف لاختلاف الزمان والمكان ، وعلى أن تفصيل أحكامها ؛ مع كثرتها ؛ يخرج القرآن الكريم عن القصد الأول منه ، وهو أنه كتاب هداية وإرشاد .
والمتتبع لتشريع الأحكام في القرآن الكريم ، يجدها جاءت على هيئة نصوص عامة وقواعد كلية ، فيها من المرونـة واليسر ما يجعلها صالحـة للتطبيق في كل عصر وفي كل مكان ، لأنَّ القواعد لا تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة ، إنَّما الَّذي يختلف هي الجزئيات ، ثم أن القرآن الكريم في تشريعاته العملية لم ينسَ الغرض الأول من إنزاله ، وهو الهدايـة والتذكير ، فنراه يذكر الحكم الواحد في مواضع متفرقـة ليكون بمثابة التنبيه والتذكير للمتلقي حتَّى لا يغلبه النسيان ، وكثيراً ما يتبع الحكم ببيان الحكمة من تشريعه ، أو يردف به الوعيد الشديد لمن لم يمتثل له ، قال الله تعالى:  إِنَّ الَّذينَ يَأكُلونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلماً إِنَّمَا يَأكُلُونَ في بُطُونِهِم نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعيراً  .
وقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم على ضربين ، ضرب محكم يعرف معناه وتدرك حقيقتـه ، وهو غالب التنـزيل ، وضرب يفهم معناه من لغة التخاطب ، لكن تقصر الإفهام عن بلوغ حقيقته ، وهو المتشابه، قال تعالى :  هُوَ الّذي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنْـهُ ءاياتٌ مُّحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهاتٌ  (آل عمران 7 ) ، وأن الراسخون فـي العلم يتلقون الجميع بالإيمان والتصديق ، فيؤمنون بالمحكم ويعملون بـه ، ويؤمنون بالمتشابـه ويفوضون العلم بحقيقته إلى المتكلم بـه ، سبحانه ، ومن هنا جاء مدحهم  وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا الله وَالراسِخونَ في العِلمِ يَقولونَ آمنَّا بـه كلٌّ من عندَ رَبِنا وما يذَّكر إلاّ أُولوا الأَلبابِ  ، حيث عرفـوا قدرهم وشدوا الأمور إلى مقاصدها ، ولم يحرفوا الكلم عن مواضعه ، فيعملون في القرآن ، من التكلف والتحمل ما يخرجه من أوضاع اللغة الَّتي نزل بها ، يقول ابن قدامة في روض الناظر : 00 لأن قولهم ، آمنَّا بـه ، يدل على التفويض وتسليم لشيء ولم يقفوا على معناه ، سيما إذ اتبعوه بقولهم : كل من عند ربنا ، فذكرهم ربهم هنا يعطي الثقة به والتسليم لأمره ، وأنه صدَرَ منه وجاء من عنده ، كما جاء من عنده المحكم .
وقد تم فهم المحكم على أساس أنه الواضح البيِّن الذي لا يحتاج إلى تأويل ، كما فهم المتشابه على أساس أنه الغامض الذي يحتاج إلى تأويل . وكان القانون الذي اتفق عليه العلماء العاملين هو رد المتشابه إلى المحكم أي بيان الغامض استناداً إلى الواضح ، ومعنى هذا القانون أن العلماء العاملون قد اتفقوا على أن النص هو معيار ذاته ، فالواضح المحكم يعد بمثابة الدليل لبيان الغامض المتشابه وفهمه ، أن أجزاء النص تبيِّن بعضها بعضاً ، وليس مطلوباً من يدعي التفسير أن يلجأ إلى معايير خارجية لفض غوامض النص واستجلاء دلالته .

الفرق بين الآية والمعجزة :
ما زالت الأمة العربية تعاني من محنة الغزو الفكري الذي تسرب إليها من خلال العجمة إلى العقول ، مما كان له أسوأ الأثر منذ بدايات أعراضه في نهاية العصر الأموي ، فتسربت آثار العجمة إلى اللغة العربية لتتهجن بأصواتها ولتستعجم بمعانيها .
ومن صنيع تسرب العجمة إلى اللسان العربي ، قلب المعاني المحكمة في تدبر القرآن الكريم مما تهدم ؛ بِقلبِه عن صورته الحقة في ضوء البيان العربي السليم ؛ أكثر دعائم الدين الحق في وعي العرب وثقافتهم ، وفي تصورات مسيرتهم وأعمالهم ، وحتى ندرك فداحة هذا الاستعجام للمعاني الكثيرة من كلمات القرآن الكريم السائدة فيه بما يقلبها إلى النقيض من معناها العروبي الذي نزل به الوحي والذي تدبرها وفهمها به على الوجه الصحيح ؛ في البيان العربي ؛ رسول الله  وصحابته الراشدين . وسنذكر بعض ما فعلته العجمة بالمعاني العربية ، ثم نرد الأمر إلى أصله بهدى القرآن الكريم لتقويم الألسنة عن عجمتها ، سواء باللفظ أو المعنى ، وبذلك تنفتح مع صحة اللسان العربي المبين كل الطرق الصحيحة إلى تدبر وفهم القرآن الكريم ، ولنأخذ هنا الآية والمعجزة لصلتها بكتابنا هذا .
فكلمة معجزة التي قلبها المستعجمون عن معناها العروبي الصحيح ، منذ أواخر القرن الثاني للهجرة ، فجعلوها بقلب معناها مساوية لكلمة الآية، أي ما جاء من الآيات البينات على أيدي الرسل الله الكرام ، وقد امتد هذا القلب للمعنى الصحيح لهذه الكلمة بكل أخطاره على الفكر العروبي وعلى اللسان العربي المبين ، وانعكس سلباً على التدبر والفهم السليم لنص القرآن الكريم ، حتى هذا العصر الذي نعيش فيه ، فلم يكد يسلم من هذا التحريف الجائر ؛ قلب المعنى ؛ كتاب من كتب التراث أو ما يسمى بكتب التفسير .
أما البداية إلى تعميم هذا العجز في فهم كلمة معجزة على أنها الآية ، فكانت فبما أعلنه أحد الأعاجم (عبد القاهر الجرجاني) الذي كتب في القرن الخامس الهجري كتابه المتعثر في فهم القرآن الكريم ( دلائل الإعجاز ) ، لقد سار في هذا الكتاب برأيه في معنى الإعجاز على آثار من قبله من هم على شاكلته في العجمة في هذا الاختلاط بالعجمة عن الصحيح .
لقد توهم هؤلاء العجم ومن مثلهم جميعاً هذا الوهم ؛ على أن المعجزة تساوي معنى الآية والبينة من الله على صدق الأنبياء ؛ بسبب هذا التسرب الدائب للعجمة الخفية والظاهرة إلى حياة العرب المسلمين ومعاني كلماتها ، فحملوا معنى الآية على معنى المعجزة ، وغفلوا بذلك عما ينقض هذا الوهم بأمرين واضحين للمؤمن المتبصر في القرآن الكريم :
الأمر الأول : أن الله تعالى ؛ وهو الخالق القادر الحكيم العليم ؛ الذي يعلم ضعف عباده عن سلطان قدرته والذي يرحمهم بدعوتهم إلى طاعته ، بينما هو يذكرهم بالكثير الموجب للشكر من نعمه ، أن الله سبحانه بكل كمال القدرة والرحمة والتذكير بالنعمة لمن هم عباده وخلقه المهتدين به إليه ، يتنـزه بهذه الصفات الحسنى عن أن يعاجزهم وأن يؤيد رسله بالآيات ليعجزهم ، وأن يتنـزل بالوحي والقرآن المبين على رسوله ليبهتهم ويخرسهم لا ليذكرهم من غفلتهم إلى الحق الذي غفلوا عنه ويهديهم ، إذن الله القوي لا يعاجز عباده الضعفاء ، وإنما هو بآياته ، أي بهذه العلامات الدالة بصدقها وبرهانها عليه ، يذكرهم في ضوئها المشرق ومع سراطها المستقيم ، بهذا الحق الذي يعرفونه وغفلوا عنه ، وهو القائل في واحدة من هذه الآيات الكثيرة الدالة على هذا المعنى  كَذلِكَ يُبيِّنُ الله لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ، أي يظهر لكم العلامات على أن هذه الرسالات من عنده لعلكم تتذكرون فتشكرون وتهتدون .
أما الأمر الآخر هو أن المعنى السائد لكلمة المعاجزة في اللسان العربي المبين يقطع بأنها لا تكون من القوي الحكيم القادر ، لأنها دائماً هي شأن الضعيف المغتر المكابر ، وقد خص القرآن الكريم الكفار وحدهم بهذه الصفة اللائقة بهم من ادعاءهم القدرة على المعاجزة مع العجز ، وقد وردت مادة الفعل عاجز ويعاجز في القرآن الكريم بغير إبهام من نصيب الكفار وحدهم ، قال الله تعالى :  وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ الله فَلَيْسَ بمعجِزٍ في الأَرضِ  ، وقوله تعالى :  لا تَحْسَبنَّ الَّذينَ كَفَروا مُعْجِزِينَ في الأَرْضِ  ، وقوله تعالى :  وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَموا أَنَّكُمْ غَيرُ مُعْجِزي الله  .
على أن الله تعالى في حجة القرآن الكريم البالغة على من غاصوا في أوهام الاستعجام لا يترك هذا الفارق يتسع بين الآية والمعجزة إلى حد التضاد بغير بيان قاطع وبرهان مرشد ، فهو سبحانه يجمعهما في آية واحدة تشرق بمعنى هذا التضاد المبين بينهما ، حيث يقول جلا جلاله :  وَالَّذِينَ سَعُوا في آياتِنا مُعَاجِزينَ أُولئِكَ أَصْحَابُ الجَحيمِ  ، فكيف يمكن بعد ذلك أن تكون آيات الله تعالى موجهة لمعاجزة عباد الله وليس لهدايتهم رحمة بهم وإيقاظاً لعقولهم السليمة وفطرتهم السوية ، سواء أكانت هذه الآيات حسية مثل إحياء الموتى بإذن الله على يد نبي الله عيسى  ، أم عقلانية بيانية دائمة مثل القرآن الكريم ؟ .
كيف يمكن أن تكون آيات القرآن الكريم موجهة لتعجيز لمن أعدهم الله بحكمته ورحمته وسابق وعده وأزلية علمه ، للإيمان به والإسلام إليه وحمل الأمانة في الأرض بالدعوة لدينه والتأسي بأخلاق كتابه ، وهو سبحانه القائل من أن هذه الدعوة بالقرآن الكريم كانت لمن رفعهم بنعمته إلى مستوى تدبرها بالإيمان بها ونوراً وهدى وتطهيراً ، أليس هو القائل في مثل هذا المعنى :  يَا أَيُّها النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبيناً  ، وهو القائل :  يُريدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرونَ  .
أما غرض من قال في الإعجاز فهو لفت الناس عن حقيقة القرآن الكريم وأهدافة وغاياته الرئيسة التي أرادها الله تعالى لإصلاح الناس وإرجاعهم إلى فطرتهم السوية التي فطرهم الله عليها ، ونستكشف ذلك من خلال ما قالوا في الإعجاز ، حيث قالوا :
إن وجه الإعجاز في القرآن هو ما اشتمل عليه من النظم الغريب المخالف لنظم العرب ونثرهم ، في مطالعه ومقاطعه وفواصله ، وما فيه من التأليف والترصيف الخاص به لا مطلق التأليف بأن اعتدلت مفرداته تركيباً ووزناً وعلت مركباته معنىً بأن يوضع كل فن في مرتبته العليا في اللفظ والمعنى ، وأنه خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلام العرب ومباين لأساليب خطابهم ، ولهذا لم يمكنهم معارضته ، أي فكأنه بدعٌ من ترتيب الكلام لا أكثر . وبعضهم قال إن وجه الإعجاز في سلامة ألفاظه مما يَشين اللفظ ، كالتعقيد والاستكراه ونحوهما مما عرفه علماء البيان ، وهو رأي سخيف يدل على أن القائلين به لم يُلابسوا صناعة المعاني .
وآخرون يقولون بل ذلك في خلوه من التناقض واشتماله على المعاني الدقيقة . وإلى غير ذلك من أقوال المماثلة في فحواها المختلفة في نظمها ، وزعم آخرون أن التحدي وقع بالكلام القديم الذي صفة الذات وأن العرب كلفت في ذلك ما لا يطاق وبه وقع عحزها ، وزعموا أن إعجازه بالصرفة ، أي أن الله صرف العرب عن معارضته وسلب عقولهم وكان مقدوراً لهم لكن عاقهم أمر خارجي فصار كسائر المعجزات ، وقال فريق منهم أن الكل قادرون على الإتيان بمثله وإنما تأخروا عنه لعدم العلم بوجه الترتيب لو تعلموه لوصلوا إليه .
وقال قوم وجه إعجازه ما فيه من الإخبار عن الغيوب المستقبلة ولم يكن من شأن العرب ، وقال آخرون ما تضمنه من الإخبار عن قصص الأولين وسائر المتقدمين حكاية من شاهدها وحضرها ، وقال غيرهم ما تضمنه من الإخبار عن الضمائر من غير أن يظهر ذلك منهم بقول أو فعل .
نجد من ما سبق أن مدار الإعجاز هو اللغة ، ويمكن تلخيص ما ذهبوا إليه للدلالة على إعجاز القرآن لأنه : جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف مضمناً أصح المعاني ، وهو الإيجاز مع البلاغة وهو البيان والفصاحة ، وهو الرصف والنظم .
كل هذا الهراء ، أعطى بالمقابل الفرصة للتقول والطعن على القرآن الكريم ، فالتقى الفريقان في الغاية وهي الطعن في القرآن ولو انهم اختلفوا في الوسيلة فكان عملهم هذا ، الذي يظهر مظهر المعارضة ، من أدهى أساليب الشعوبية للنيل من كتاب الله ومن العرب حملة هذا الكتاب الإلهي العظيم . فالقرآن ليس مجرد كلام منظم ولا هو بلاغة ولا هو أسلوب ، مع اشتماله على ذلك في أروع صورها ، بل هو قرآن يهدي للتي هي أحسن وليخرج الناس من ظلمة دائرة الشيطان إلى نور وضياء دائرة الرحمن فاحتوى على كل أمر ونهياً وكل ما يعين على إدراك تلك الغاية فكان بهذا آية .
وإنما كونه آية لأنه جاء بالصورة المشرقة والبيان الحق ؛ المستمر إلى يوم الدينونة ؛ الذي يعين الإنسان على امتلاك إنسانيته الحقة من خلال توحيده الله تعالى ، وتنزيهه في صفاته ودعاء إلى طاعته ، وبيان لطريق عبادته في تحليل وتحريم وحظر وإباحة ، ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهي عن منكر ، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق وزجر عن مساوئها ، واضعاً كل شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه ولا يتوهم في صورة العقل أمر أليق به منه ، مودعاً أخبار القرون الماضية وما نَزَل من مثلات الله بمن عصى وعاند منهم ، منبئاً عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الماضية من الزمان ، جامعاً في ذلك بين الحجة والمحتج له والدليل والمدلول عليه ، ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه وإنباء عن وجوب ما أمر به ونهى عنه ، فالقرآن العظيم يحوي على المعارف السامية والتعاليم العالية في العقائد والعبادات وفي التشريعات المدنية والجنائية والحربية والمالية والحقوق الشخصية والاجتماعية، التي تعين الإنسان على أن يكون إنساناً حقاً وأن يحافظ على إنسانيته الحقة وأن يكون كما شاء له الله أن يكون خليفة في الأرض .
فالقرآن الكريم آية في تاريخه دون سائر الكتب ، وآية في أثره الإنساني ، وآية كذلك في حقائقه ، فهو أمر لا تبلغ منه الفطرة الإنسانية مبلغاً ، وليس لها إلى ذلك مأتى ولا جهة ، وإنما هو أثر كغيره من الآثار الإلهية يشاركها في الصفة وهيئة الوضع ، وينفرد عنها بأن له مادة من الألفاظ كأنها مفرغة إفراغاً ، وما تظنه إلا الصورة الروحية للإنسان الحق ، إذا كان الإنسان في تركيبه هو الصورة الروحية للعالم كله .
آيـة القرآن :
ما من نبي إلاّ أُعطيَ من الآيات ما آمن عليه البشر ، أي دليلاً على تصديقه فيما جاء به ، فلما كان الغالب في زمان موسى  هو السحر ، جعل آياته ما هو أقرب إلى طريقتهم ، ولما كان الغالب في أيام عيسى  الطب ، جعل الله آياته ما كان من جنس تلك الطريقة ، وهي إحياء الموتى وإبراء الأَكْمة والأبرص ، فكانت آيات الأنبياء والرسل عليهم السلام جميعها تدخل في نطاق الخوارق ولكن آية محمد  كانت من أعظم الآيات وأوضحها دلالة ( القرآن الكريم ) ، لأن الخوارق في الغالب مغايرة للوحي الذي يتلقاه النبي وتأتي به الأية شاهدة ، والقرآن الكريم هو نفسه الوحي المدعي وهو الآية ، ودلالته في عينه لا يحتاج إلى دليل خارجي عنه ، فهو أوضح دلالة لاتحاد الدليل المدلول فيه ، وهذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام : [ ما من نبي إلا وأوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحي إلي ، فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة ] يشير عليه الصلاة والسلام إلى أن الآية متى كانت بهذه الصورة في الوضوح وقوة الدلالة ، وهي كونها نفس الوحي ، كان المصدق لها أكثر .
فآية رسول الله  ( دستور الإنسانية الخالد القرآن الكريم ) ونهج نهجاً لائقاً بذلك الزمان ، وهي الفصاحة والبيان قال الله تعالى :  وَيقولُ الَّذينَ كَفَروا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَـةٌ مِـنْ رَبِـه إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ  . ويقول الزركشي : وقامت الحجة على العالم بالعرب ، إذ كانوا أرباب الفصاحة ومضنة المعارضة ، وكما قامت الحجة في آية موسى بالسحرة فإن الله تعالى إنما جعل آيات الأنبياء الشهير أبرع مـا تكون فـي زمن النبي الذي أراد إظهاره ، فكان السحر في مدة موسى قد انتهى إلى غايته ، وكذا الطب في زمان عيسى ، والفصاحة في مدة محمد  .
ثم مات الأنبياء فلم تبقَ لهم آيات بعدهم ، إلاّ ما يحكيه أتباعهم ، أما الرسول الخاتم للرسالات ، محمد  فإنما كان ما آتاه الله وحياً منه إليه ، منقولاً إلى الناس بالتواتر ، فهو كل حين كما أُنزل ، فإنَّ آية الرسول مستمرة ، لهذا قال الله تعالى :  تَبَارَكَ الَّذي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً  .
فالقرآن آية رسول الله  ، كما أخبرنا الله تعالى في كتابه العزيز :
 وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِّن رَّبه قُلْ إِنَّما الآياتُ عِندَ اللهِ وإِنَّما أَنَا نَذِرٌ مُّبينٌ* أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنا عَلَيكَ الكِتابَ يُتْلَى عَلَيهِم إِنَّ في ذلكِ لَرَحمَـةً وَذِكرَى لِقَومٍ يُؤمِنُونَ  ، وهو آية بغايته وهدفه وأسلوبه لتحقيق غايته وهدفه ، وآية بلفظـه ومعناه المعبرة عن غايته وهدفه ، فآيته من ناحية اللفظ يجيء من بلاغتـه في التركيب والأسلوب ، وآيته من ناحيـة المعنى من جهة إخباره عن الأمم الماضية ، وإخباره عن المستقبل في حوادث حدثت بعد نزوله، مثل البشارة بفتح مكة وغلبة الروم على الفرس ، وما جاء به من شرائع بلغت غاية السمو والعدالة .
وقد تحدى الله تعالى بالقرآن ، العرب ، فعجزوا في معارضته بمثله وأنهم عاجزون عن فعل ذلك في المستقبل ، هذا وهم أفصح الخلق وأعلمهم بالبلاغة والقريض والشعر ، لكن جاءهم من الله ما لا قبل لأحد من البشر به من الغاية والهدف بكلام فصيح وبليغ ووجيز ، المحتوي على العلوم الكثيرة الصحيحة النافعة ، والأخبار الصادقة عن الغيوب الماضية والآتية ، والأحكام العادلة المحكمة ، قال تعالى :  وَتَمَّت كَلِمَةُ رَبِكَ صِدقاً وعدلاً  ، وقصة تحديهم موجودة في مواضع عديدة من القرآن الكريم . وإذا عجز العرب كلهم على الإتيان بمثله ، وهو الذي نزل بعقليتهم ومعارفهم بلغتهم ، قال تعالى :  وَكَذلكَ أَنزَلناهُ حُكماً عَرَبِيَّاً  ، فهل يعقل أن يستطيع غير العربي مهما أُوتيَ من بلاغة الإتيان بما عجزوا عنه ؟ . يقول الباقلاني في كتابه إعجاز القرآن : إذا علمنا أن أهل ذلك العصر كانوا عاجزين عن الأتيان بمثله فمن بعدهم أعجز لأن فصاحة أولئك في وجوه ما كانوا يتفننون فيه من قول مما لا يزيد عليه فصاحة من بعدهم ، وأحسن أحوالهم أن يقاربوهم أو يساووهم ، فأما أن يتقدموهم ويسبقوهم فلا ، ومنها أنَّا قد علمنا عجز أهل سائر الأعصار كعلمنا بعجز أهل العصر الأول ، والطريق في العلم بكل واحد من الأمرين طريق واحد لأن التحدي في الشكل على جهة واحدة والتنافر في الطباع على حد والتكليف منهاج لا يختلف .






الفصل الثاني
البيان في
حفـظ القـرآن
أولاً _ سلامة القرآن :
نزل القرآن الكريم على رسول الله  منجماً حسب الحوادث والمناسبات ، وكان كلما نزل جبريل  ، بشيء منه بلَّغـه رسول الله  لمن حضر من المؤمنين ، ثم يدعوا كتاب الوحي ويأمرهم بكتابة هذا الجزء ، ومن متممات التنـزيل ، أن يبين جبريل الأمين مكان ما ينزل به من السور حتّى يحفظ القرآن مرتباً .
وفي شهر رمضان من كل عام كان يعرض رسول الله  ما عنده من القرآن على جبريل ، حيث كان ينـزل لهذا الغرض وفي العام الأخير من حياة الرسول  عرضه مرتين ، فكان جبريل يقرأ أولاً ثم يتلوه الرسول  بالقراءة ، ولم ينتقل الرسول  إلى الرفيق الأعلى إلاّ والقرآن كله محفوظ في صدور الصحابة مرتباً ، غير أنهم لم يكونوا في الحفظ سواء ، بل فيهم الحافظ لبعضه ومن يحفظه كله ، ومنهم من حضر العرضة الأخيرة التي استقر عليها وضع القرآن الأخير ، ومنهم مـن لم يحضرها ، كما أنـه كان مكتوباً في الرقاع ؛ مـن قطع الأديم والعسب والأكتاف وغيرها ؛ لكنه غير مجموع ولا مرتب السور والحكمة في عدم جمع الرسول لهذا المكتوب مرتباً، هي أنه عليه السلام كان ينتظر الوحي حتى آخر لحظة من حياتـه فربما نزل بشيء من القرآن الكريم ، فيكفي حفظ الصحابة لـه مرتباً والله من وراء ذلك كلّـه متكفل بحفظـه مـن الضياع والتبديل  إِنَّا نَحنُ نَـزَّلْنا الذِكْرَ وَإِنَّا لَـهُ لَحافِظونَ  .
وتحقيقاً لهذا الوعد القاطع ، ألهم الله الخليفة الأول أبا بكر الصديق  أن يقوم بجمع المصحف ، حيث كان مفرقا في الرقاع ، فجعله كله في صحف ملتئمة خشية أن يضيع منه شيء وإن كان محفوظاً كله في صدور كثير من الصحابة .
وفي زمن عثمان  ، لما اختلف الناس في وجوه القراءة حتى صار يكفر بعضهم البعض ، لأن ما لم يعرفه الواحد منهم من وجوه ينكره على غيره وينسبه للكفر ، وبدأت ألسنة الحضرييِّن ومن في حكمهم من ضعاف الفطرة العربية ، تجنح إلى اللحن وتزيغ عن الوجه في الإعراب ، وجعل ذلك يفشو بين المسلمين بعد أن اضطرب العرب فداخله الكثير من المولّد والمصنوع ن وذهب أهل الفتن يتأولون عن معاني القرآن ويحرفون الكلم عن مواضعه ن ثم فشا الجهل في أمور الدين ن وضعف عامة الناس عن حمل العلم وطلبه واقتصروا في ذلك على أن يفزعوا إلى العلماء بالمسألة فيما يحدث لهم وما يرجون أن يتفقهوا فيه ، ثم تباينت آراء العلماء واختلفت أفهامهم فيما يستنبطون من الأحكام وما يتأولون لها من الكتاب والسنة ، واختلط أمر الناس ، وأقبلت عليهم الفتن كقطع الليل ، لذلك ندب عثمان  طائفة من الصحابة موثوقً بأمانتهم وعلمهم ، ووكل إليهم كتابـة خمسة مصاحف ، يقتصر فيها على الوجوه التي نـزل بها القرآن ابتداء ، فالقرآن الكريم أتى بأفصح ما انتهت إليه لهجات العرب جميعاً وهذه اللهجات وإن اختلفت في اللحن والاستعمال ، إلا أنها تتفق بالمعني الذي من أجله صار العرب يخشعون للفصاحة من أي قبيل جاءتهم ، وهذا المعنى هو مناسبة التركيب في أحرف الكلمة الواحدة ثم ملاءمتها للكلمة التي بإزائها ، ثم اتساق الكلام كله على هذا الوجه حتى يكون كالنغم الذي يصب في الأذن صباً، فيجري أضعفه في النسق مجرى أقواه ، لأن جملته مفرغة على تناسب واحد .
وقد استوفى القرآن الكريم أحسن ما في تلك اللهجات من ذلك المعنى وبان منها بهذه المناسبة العجيبة التي أظهرته على تنوعه في الأوضاع التركيبية مظهر النوع الواحد ، وبما أن لهجة قريش هي الأقرب للغة التنزيل ، وكلها بلهجة قريش فلا يتجاوزونها إلى ما يتلى باللهجات العربية الأخرى ، التي كان رخص لأهلها بالقراءة بها تيسيراً عليهم بعدما تلقوه عنه عليه الصلاة والسلام .
ومما يجب التنبيه إليه ، بأن الأحرف السبعة هي اللهجات السبع التي اشتملت عليها لهجة مضر في القبائل العربية وليست هي القراءات السبع أو العشر المتواترة المشهورة ، فهذه القراءات التي انتشرت كثيراً فـي عصر التابعين ، ثم اشتهرت فـي القرن الرابع الهجري بعـد ظهور كتاب في القراءات للإمام المقرئ ابن مجاهد ؛ تعتمد على غير الأصل التي يتعلق بالأحرف السبعة ؛ وتتفرع من حرف واحد من الأحرف السبعة ،كما أبان القرطبي ، ثم أن الكلام على الأحرف السبعة أصبح تاريخاً ، فقد كانت تلك الأحرف السبعة توسعة في النطق بها على الناس في وقت خاص للضرورة ، لعجزهم عـن أخذ القرآن الكريم على غير لهجاتهم ، فلما اتصلت القبائل وامتزجت لهجة قريش باللهجات الأخرى ، لم يبق داع لاستعمال هذه القراءات المؤدية إلى كثرة الاختلاف بين المسلمين فيها .
وبعد توحيد القراءة بحرف القرآن العثماني ، زال حكم تلك الضرورة وارتفع حكم تلك الأحرف السبعة ، وعاد ما يقرأ به القرآن على حرف واحد ولم يكتب القرآن إلا بحرف واحد منذ عهد عثمان بن عفان ؛ مما قد تختلف فيه كتابة الحروف ؛ وهو حرف قريش الذي نـزل به القرآن كما أوضح الطحاوي وغيره .
ولما كانت المصاحف الخمسة عارية من النقط والشكل ؛ موافقاً الرقاع النبوية ؛ وسعت وجوه القراءة المتفق عليها بلهجة قريش ، وأرسل عثمان المصاحف إلى الأمصار ، آمراً بالاقتصار على ما وافقها وترك ما خالفها ، وهذان الجمعان لم يكونا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ، بل حصلا باجتهاد الخليفتين الراشدين وبعض الصحابـة ، وأقرهم الباقون على كون ذلك مصلحة ، وحُمل الناس على القراءة بحرف واحد من الحروف السبعة ، وهو الموافق لما في المصاحف العثمانية، قال الشاطبي في الاعتصام : أنـه جمع الناس علـى قراءة لا يحصل فيها الاختلاف في الغالب ، لأنهم لم يختلفوا إلاّ في القراءات الأخرى .
ولمّا كانت العرب بفطرتها في غنى عن الشكل والنقط ؛ لتميز الحروف
ومعرفة رسمها ؛ ولأنَّ اعتمادهم في قراءة القرآن الكريم على التلقي من الحفظـة فهم يقرؤونه بقراءتهم ، لكن لما اختلط العرب بالعجم ، وفسدت الألسن ، تشابهت أوضاع الحروف عليهم ، فتوفرت الداعية للنقط والشكل ، وأصبح أمراً لازماً خوف اللحن في القرآن الكريم عند قراءتـه ، فوضع أبا الأسود الدؤلي ؛ وهو من كبار التابعين المتقنين للقراءة والواضع لعلم النحو ؛ علامات تضبط القراءة ، فشكل أواخر الكلمات مـن المصحف الشريف ، فجعل الفتحـة نقطـة فوق الحرف والكسرة نقطة تحته والضمة نقطة إلى جانبـه ، وجعل علامـة الحرف المنوَّن نقطتين ، فانتشرت هذه الطريقة بين الناس وعملوا بها ، ولكنها لم تحفظ الألسنـة مـن اللحن ، فوقع التحريف والتصحيف في القراءة من بعض الناس ، فدعا ذلك إلى إعجام الحروف ، أي تنقيطها ، فشكِّلت أوائـل الكلمات وأوسطها وأواخرها .
قام بالأعجام نصر بن عاصم ، وقام بالشكل الخليل بن أحمد الفراهيدي ، فغير الشكل الذي وضعه أبو الأسود ، فجعل الفتحة ألفاً مسطحة فوق الحرف والكسرة ياء تحته والضمة واواً في أعلاه ، ووضع علامات المد والتشديد ، وهكذا تدرج الشكل حتى وصل إلى وضعه الحالي .
ثم قام القُراء والحُفاظ بوضع علامات الفصل والوقف ، ووضعوا أحكام التجويد والقراءات ، وكل ذلك التطور لم يغير رسم خط الكلمات الأصلية ، وهذا الخط ؛ الخط العثماني ؛ وإن كان يبدو مخالفاً لما وصل إليه الخط العربي الآن ، إلا أنه لا ينبغي تغييره ، حتى لا يكون ذلك ذريعـة إلى التحريف والتبديل في القرآن لأن الخطوط تختلف في رسومها ، وباب التغيير والتجديد فيها مفتوح ، فلو أُبيح كتابة القرآن بغير الخط العثماني لاختلفت خطوط المصاحف ، وحينئذ يسهل التحريف فيها .
والقرآن الكريم روحٌ من أمر الله تعالى هو نـزله وهو يحفظه ، الذي بين أيدي الناس اليوم ، هو الذي أنزله الله تعالى على رسولـه الكريم  ، وهو على ما كان عليه ، لا زيادة فيه ولا نقصان ، وقد ورد إلينا متواتراً ، نقل الكافـة المتكاثرة عـن مثلها إلى غيرها حفظاً وكتابة وجيلاً بعد جيل ، يقول الباقلاني : ثم تناقله خلف عن سلف وهم مثلهم في كثرتهم وتوافر دواعيهم على نقله حتى انتهى على ما وصفنا من حاله ولم يختلف في عصر من العصور عما في غيره ، بل هو كتاب واحد بلفظ واحد ومعنى واحد ، لأنه الكتاب الأخير لخاتم الرسل ، أنزله الله ليكون دستوراً إلى يوم الدين ، فلو نزل بمعناه فقط لكان عرضة للتبديل والتغيير ، لكنه سبحانه أنزله بلفظه ومعناه وتكفل بحفظه ، ويجتمع أهل الأرض جميعاً على قراءته دون اختلاف بينهم في سورة أو آية أو كلمة أو حرف .
وقد ضمن الله تعالى ، لكتابه السلامة من التحريف  إنَّأ نَحْنُ نَزَّلنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظونَ  ، وهذا يقتضي حفظ عينه وهيئته التي نزل عليها  وَتَمَّتْ كَلِمَت رِبِـكَ صِدْقاً وَعَدلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وِهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ  ، قال البيضاوي في تفسيره : لا أحد يبدل شيئاً منها بما هو أصدق وأعدل ، أو لا أحد يقـدر أن يحرفها شـائعاً ذائعاً ،كما فُعِل بالتوراة فيكون ضماناً لها من الله سبحانه وتعالى بالحفظ .
أما القول من البعض ، أن القرآن الكريم لم يكن متواتراً أو وقع فيـه
تبديل وتحريف ، فهذا القول كذب وافتراء، لأنَّ الأمة اجتمعت على صحته، وجميع الصحابة داخلين في هذا الإجماع وحاشا الصحابـة على السكوت على المنكر ، وخاصـة إذا ما أصاب كتابهم العظيم أي سوء ، ومن ثم هذا الزعم مخالف لحفظ الله تعالى للقرآن ، نقلاً وعقلاً وحساً :
1_ أما النقل : فإن الله تعالى نصّ على حفظه بقو

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  أين ستكون بياناتك بعـد مليـــون سنــة؟

 ::

  حول المسألة النووية

 ::

  لكي لا ينخر التعصب المذهبي جسد الأمة

 ::

  لكي لا يتحول البترودولار..إلى ظاهرة استهلاك إفسادي في أقطار الخليج العربي

 ::

  الصداقة فى القرآن

 ::

  هرولة الاربعين حرامي... مثالهم رياض منصور

 ::

  ثلاثة كتاب يسرقون بحثا للدكتور محمد عبد الرحمن يونس،وينشرونه في مواقع مختلفة

 ::

  أنت "ساقط".. يا بشار"القط"

 ::

  أزهار رمادية للربيع العربي

 ::

  نوارس الشاطئ لا تضل أعشاشها



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.