Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

قراءة في كتاب جدار شارون
عبد الرحمن عمار   Tuesday 03-08 -2010

صدر الكتاب عن دار الأولى بدمشق عام 2005، وترجمه عن الفرنسية عبود كاسوحة، أما مؤلف الكتاب فهو الصحفي الفرنسي ألان مينارغ، وكان مسؤولاً في إذاعة فرنسا الدولية RFI، وقد سُلطت الأضواء على شخصية المؤلف بعد نشره هذا الكتاب، حيث شُنّت ضده حملة مسعورة من قبل الجماعات الصهيونية، انتهت بإعفائه من منصبه، ولذلك هو يقول في مقدمة الكتاب، وكأنه يتنبأ بما سوف يحدث " أنا أعلم أن عملي سوف يلقى معارضة، وأن بعض المتطرفين " الصهاينة " لن يترددوا أمام استخدام تقنيات اختبرها الإرهاب الفكري مرات عديدة " .
قبل أن يقوم الكاتب بتأليف الكتاب تجول في الأرض الفلسطينية وفي غور الأردن على مدى عدة سنوات، وقد شاهد ما يخلفه الجدار الذي وصفه بالندبة البشعة والذي يمثل تحدياً للأخلاق الإنسانية. فعشرات البلدوزرات تقطّع أوصال التلال، فتقتلع في طريقها أشجار التين والكرمة والزيتون من جذورها. ثم يشير الكاتب إلى أن الجدران تعود إلى الأنظمة الاستبدادية ونظام التفرقة العنصرية والعار. بيد أن ذلك يجري في إسرائيل، أي في البلاد التي تعوّدنا بوصفها ديمقراطية، حسب قوله.
يتألف الكتاب من عدة فصول تمتد على مدى 337 صفحة من القطع المتوسط. في البداية يمهد المؤلف لموضوعه من خلال انطلاقة عملية السلام بين ياسر عرفات وإسحاق رابين، فكان يوم 13 أيلول 1993، هو يوم سقطت السماء بالمعنى الحرفي للكلمة فوق رأس إسرائيل، حسب تعبير المؤلف، فإسرائيل في رأيه موغلة بتجذّرها في الحرب.. وقلما فكرت الدولة العبرية في السلام، ولذلك قاد شارون وأصدقاؤه حملة هستيرية ضد رابين انتهت بمقتله على يد متطرف يهودي، في 4 تشرين الثاني 1995.
ويركز المؤلف على التطهير العرقي الذي حدث في عام 1948 وما قبلها، ويذكر أن أربعمائة قرية عربية مُحيت عن الوجود، وتم تحويلها إلى قرى يهودية، وكان ليوسف فايتس دور كبير في التطهير العرقي، وهو الذي كان يقول: ينبغي أن يكون واضحاً أن لا مكان في هذه البلاد لشعبين اثنين، والحل الوحيد هو أن تصبح أرض إسرائيل.. من دون عرب ". وهذا ما أصبح الآن واضحاً كل الوضوح، فمصطلح " الدولة اليهودية " أصبح متداولاً في اللغة الإعلامية والسياسية، وقد أصبح العدو الصهيوني يتحدث عن ضرورة وجود دولة يهودية خالية من أي عنصر غريب.
ومن جملة القواعد التي تستند عليها السياسة الصهيونية، توجد قاعدتان، الأولى تتمثل في الاستيلاء على الأرض والاحتفاظ بها، إلى أن يشعر " العدو " بالتعب فيتخلى لنا عنها، كما يقولون، والقاعدة الثانية هي التطهير العرقي، فهم مدركون أن مستقبلهم الديمغرافي ليس لصالحهم على المدى البعيد، لا سيما إذا ما علمنا، حسبما يورد الكاتب، أن عدد السكان العرب الفلسطينيين كافة في عام 1948 كان مليوناً وستمائة ألف نسمة، بينما في عام 2000 بلغ عدد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة فقط أكثر من ثلاثة ملايين، يضاف إليهم نحو مليون فلسطيني داخل حدود عام 1948، ولا يُضاف إليهم من نزح وهُجّر وطُرد أثناء حربي 1948 و 1967.
لقد تضاعف عدد السكان داخل الأرض المحتلة ثلاث مرات خلال اثنين وخمسين عاما، ولهذا يشير المؤلف إلى أن الفلسطينيين سيصبحون هم الأغلبية بين عامي 2007 و 2013، إذ سيصل عددهم في الضفة والقطاع والداخل إلى 8،1 ملايين مقابل 6،7 ملايين من اليهود. وهذا يعني أن العرب صمدوا أمام هاتين القاعدتين اللتين تستند عليهما السياسة الصهيونية، فلا العرب ملّوا وتخلوا عن أرضهم، فهم مصرون على إعادة كل شبر من أراضيهم، ولا التطهير العرقي أفاد السياسة الصهيونية، فالتوقعات تشير إلى أن نسبة العرب في فلسطين ستكون 58% مقابل 42% من اليهود في عام 2020.
يعيد الكاتب فكرة الجدار إلى ما قاله زيئيف جابوتنسكي الذي رفع شعاراً يمثل ذراعاً ممسكاً ببندقية فوق أرض " إسرائيل " الكبرى، وكان يقول في عام 1923: وحده الجدار الحديدي من الحراب اليهودية كفيل بإرغام العرب على القبول بما ليبس منه بد. ثم يذكر العلاقة الوثيقة بين الحزب النازي واليهود، وهذا ما يؤكده منظر الرايخ الثالث حين قال: ينبغي للصهيونية أن تلقى دعماً قوياً بحيث يتم نقل فيلق من اليهود الألمان سنوياً إلى فلسطين، كما أن صحيفة " دير أنغريف " الألمانيةسكّت ميدالية غريبة تحمل الصليب النازي المعقوف على الوجه الأول ونجمة داوود السداسية على الوجه الثاني.
ويتحدث المؤلف عن ثلاثة أنواع من الجدران في العقل الصهيوني. الأول هو الانتماء العرقي للدولة الصهيونية. فالقومية فيها ترتكز على الدين والصفة اليهودية، والثاني هو الجدار الاجتماعي والثقافي واللغوي، فالحقوق في هذه المجالات محدودة جداً لغير اليهود، والعرب المقيمون داخل الدولة الصهيونية، على سبيل المثال، ليس لهم حتى الآن جامعة خاصة بهم. لأن ثلث عدد الشباب اليهود في إسرائيل يؤكدون أنهم عنصريون ويحتقرون العرب، ويعلن الثلثان أنهم يعارضون منح العرب في إسرائيل مساواة في الحقوق. أما الجدار الثالث فهو جدار شارون.
يذكر المؤلف أحد مهندسي جدار شارون، هو البروفيسور أرنون سوفير، الاختصاصي في المسائل الديمغرافية، وكيف لقيت أفكاره وخرائطه أولاً اهتماماً من شارون، فهو الذي لاحظ أن " الطوق الديمغرافي يضيّق الخناق على إسرائيل بسرعة جنونية، في حين يتقدّم اتخاذ القرار الوطني، بإيقاع سلحفاة، ويمكن للنزاع أن يدوم، لكن الزمن يعمل ضد مصلحتنا، فينبغي على إسرائيل اتخاذ قرار شجاع وصعب، بانسحابها من الأراضي انسحاباً أحادي الجانب، وينبغي على الفور رسم حدود لإسرائيل " ولكنه تناسى أن يضيف إلى تلك الأسباب مقاومةَ الشعب الفلسطيني وتضحياته. وهكذا فرشت سياسةُ شارون خرائطَ ذلك المهندس، وبُدئ العمل ببناء الجدار.. جدار الفصل العنصري.
ولم ينس المؤلف أن يقوم باستعراضات موسعة لمراحل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ووقوف الإدارات الأميركية وقفة عمياء مع إسرائل ضد حقوق الشعب العربي في أراضيه المحتلة. وكذلك الاتفاقيات التي جرت، بدءاً من اتفاقية أوسلو وانتهاءاً بخارطة الطريق، والتي لم يجن الفلسطينيون منها شيئاً يُذكر.
كما لم ينس الغوص في بنية المجتمع الإسرائلي الذي يتألف من رُقَعٍ بشرية غير متجانسة، فهم خليط عجيب من مجموعات تنتمي إلى شعوب واعراق متنوعة، وكل رقعة تنظر إلى الأخرى نظرةً، أقل ما يقال عنها إنها تعبر عن امتعاض وعدم ارتياح. فالجنود الذين يخدمون في الأراضي المحتلة على مضض، عليهم أن يقوموا بحماية المستوطنين القادمين من هذه القارة أو تلك، وكل عشرة مستوطنين يحتاجون لـ 27 جندياً لحمايتهم. أي أن قسماً كبيراً من عناصر الجيس الإسرائيلي مكرس لخدمة وحماية أولئك.. الغرباء، بنظرهم، ليعيش أولئك.. الغرباء برفاهية وأمان. كما أن الحكومة ملتزمة بالإنفاق الأمني عليهم، فمن أجل ضمان المستعمرات المزروعة في الأرض المحتلة، أنفقت 530 مليون يورو في عام 2003 . كما أن للمستوطنون الروس الذين يشكلون نسبة تزيد على السدس، طبائعهم وعادتهم وحياتهم المنغلقة على أنفسهم، ونادراً ما يتكلمون اللغة العبرية، ولا يهتمون كثيراً بالطقوس الدينية اليهودية. كما أن قسماً كبيراً من المستوطنين سواء أكانوا من روسيا أو أوروبا الشرقية الفلاشا أو غيرها، يعيشون منغلقين على أنفسهم، فشعارهم " الأجنبي دخيل والفلسطيني عدو ".
ثم يقارن المؤلف بين جدار برلين وبين جدار شارون، ويقدم المعطيات التالية: كان طول جدار برلين 155كم، وارتفاعه أقل من أربعة أمتار، بينما طول جدار شارون في الضفة الغربية 730 كم، وارتفاعه بين 8 ـ 9 أمتار، وعرضه يصل إلى 70 متراً، وأحياناً إلى 100 متر، ومساحة هذه الأرض مع ما يخلفها الجدار وراءه من مساحات شاسعة أخرى، قد تصل إلى 23% من أراضي الضفة الغربية، كل هذه الأرض تخطط إسرائيل بالطبع لالتهامها بالقوة، مع التخطيط لمرحلة أخرى قادمة قد تكون أمرّ وأعظم.
إن من ينظر إلى الخارطة المثبتة في أول الكتاب، وكيف يحاصر الجدار قرى ومناطقَ الضفة الغربية، وكيف يجعلها معزولة عن بعضها بعضاً، بكل ما تعني كلمة معزولة من معنى، يدرك عمق الهاوية الإنسانية من إقامة ذلك الجدار، ويدرك عمق المعاناة والمآسي التي يكابدها الشعب الفلسطينين، وفي الوقت نفسه يرى أن الفلسطينيين يصبرون صبر الجبابرة ويقاومون عدوهم مقاومة الجبابرة، ويحرصون على الحياة فوق أرضهم حرص الجبابرة. وشعب هذه حالته، وهذا واقعه سوف ينتصر في النهاية ويستعيد حقه المغتصب بالتأكيد طال الزمان أو قصر. وإن خيار الشعب الفلسطيني في انتخاباته الأخيرة بروح ديمقراطية عالية، قد يدل على ذلك، كما أن ردود الأفعال السريعة المتشنجة الصادرة عن بعض المسؤولين الإسرائيليين على تلك الانتخابات، وما تبعها من تصريحات أميركية وأوروبية، تدل على أن هذه السياسة الإسرائيلية لا تريد السلام مع الفلسطينيين مطلقاً، ويكفي أن نضرب مثالاً واحداً على ذلك، هو تصريح الرئيس السابق لجهاز الأمن الصهيوني " الشافاك " الذي جاء مباشرة بعد تكليف إسماعيل هنية بتشكيل الوزارة الفلسطينية، والذي يقول فيه: إن هنية سيكون هدفاً مشروعاً لعملية اغتيال ".
وأخيراً يمكن القول: إن أي عرض وتعريف مبستر لهذا الكتاب لن يفي بالغرض على الإطلاق، فهو شديد الغنى بالمعلومات والمعطيات، قدمها كاتب غربي ذو ثقافة غربية، ومع ذلك نجده يسجل مشاهداته وملاحظاته وما توفرت لديه من معلومات ومعطيات بكل مصداقية، مجردةً من أي انحياز سوى الانحياز إلى المنطق والمصداقية، اللهم إلا ما نلمسه من بعض الآراء والأفكار العارضة التي ربما لا تتوافق مع قناعاتنا كعرب، نظراً لما يؤثر عليه وعلى غيره من ذيول الثقافية الغربية التعلقة بقانون تحريم العداء للسامية عليه وعلى غيره. إنما يكفيه شجاعة أنه كان يدرك أن تأليفه لهذا الكتاب، وما يحمله من معطيات واقعية جريئة، سيضع صدغيه تحت مطرقة العداء للسامية، ويلقى حملة مسعورة ضده، جعلته يفقد منصبه في إدارة إذاعة فرنسا الدولية.

[email protected]


 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  الآلهة الجُدُد وخراب العالم

 ::

  حفل توقيع " حكايا مدينتين "

 ::

  !!!جمهورية اليهود: هي الحل

 ::

  ثمن التهدئة ..!؟

 ::

  المؤامـــرة

 ::

  الارتقاء بمستوى الوعي

 ::

  قصة قط الشيخ عبّاس

 ::

  عادل إمام: مصر أم العرب رغم أنف كل من يشتمونها

 ::

  معنى انتصار الثورة التونسية

 ::

  فرقتهم الحرب .. وجمعتهم الغربه



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي



 ::

  مخيم حندرات .. مخيم الشهيد عبد الله عيسى

 ::

  خفايا صفقة جهاز كشف المتفجرات المزيف

 ::

  الخوارج والحسن الصباح

 ::

  إيران والأكراد ..وذكرى اغتيال قاسملو

 ::

  موضوعات في تجاوز فشل السياسات السلطوية والإنقسامية

 ::

  التصور الشعبى للقرارات الصعبة التى وعدنا بها الرئيس

 ::

  من يحاسب حزب الله

 ::

  رسائل الأحزمة الناسفة في السعودية

 ::

  انتصار الديموقراطية

 ::

  على هامش أداء شرطة المرور بغزة: لا لِحَقٍّ يراد به باطل!

 ::

  الدين والحياة الطيبة

 ::

  التشكيك بوطنية الشيعة في الخليج

 ::

  الدلالات العشر للحكم القضائى بمصرية تيران وصنافير

 ::

  جرائم أمريكا المتوحشة






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.