Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: مقالات سياسية  :: صحافة واعلام  :: حوارات  :: العالم الإسلامي  :: العالم المتقدم

 
 

السياسة الخارجية الامريكية تجاه القضية الفلسطينية
نور الدين عواد   Tuesday 24-05 -2011

 السياسة الخارجية الامريكية تجاه القضية الفلسطينية  "آمل ان يساهم هذا الجهد الاكاديمي المتواضع في القضية المشتركة للكفاح ضد الامبريالية الصهيونية واذنابها في جميع انحاء المعمورة، في سبيل عالم يسوده العدل والسلام لعموم البشرية". المؤلف

مقدمــــــــــــــــــــــة:

في نهايات القرن العشرين، شهد العالم تغيرا ماساويا على اثر احداث سياسية ذات وقع كوني، ادت الى خلخلة العلاقات الدولية، ومهدت لظهور الظروف والفرص المؤاتية، امام محاولات تجسيد توجهات الهيمنة، والطموحات التوسعية التاريخية، للامبريالية الامريكية ومشروعها للسيطرة العالمية. ان دينامية التغيرات الطارئة على المسرح الدولي والاقليمي،اعتبارا من بداية التسعينات، وموازين القوى المنبثقة عنها، اتاحت للولايات المتحدة الامريكية (امريكا) الحفاظ على استمرارية اسقاطاتها في منطقة جيوستراتيجية لـ "مصالحها القومية والحيوية" والانتقال من المشروع الاصلي، الشرق الاوسط، الى الشرق الاوسط الكبير، وآخر اخراجاته: الشرق الاوسط الكبير الجديد .

ان نشوء القضية الفلسطينية بالمفهوم السياسي والتاريخي، قد تصادف مع صعود امريكا الى ذروة السلطان في المعسكر الراسمالي العالمي. اختلاق "دولة اسرائيل" بشكل معاكس للطبيعة، حدث بالتزامن مع تعريف المصالح الحيوية الامريكية في الشرق الاوسط. لقد حدد هذان الحدثان الى درجة كبيرة السلوك السياسي الذي تنتهجه الادارات الامريكية المتعاقبة ازاء المنطقة. في دوائر السلطان وبين خبراء السياسة في امريكا والبلدان المعنية بالصراع العربي الصهيوني ، وكذلك في الامم المتحدة ، يوجد اجماع بخصوص ان القضية الفلسطينية تشكل الحلقة المركزية في هذا الصراع، وصولا الى الاصرار على ضرورة فض الصراع الجزئي "الاسرائيلي ـ الفلسطيني" ، مقدمة لا بد منها لفض الصراع الكلّي الاقليمي.

اختلاق دولة اسرائيل على ارض فلسطين التاريخية، كان ولا زال يشكل النفي الدائم للقضية الفلسطينية، ولذلك يجب على امريكا ان تتصارع مع هذا التحدي لسياستها الخارجية، انطلاقا من مصالحها على مسرح الصراع. السياسة الخارجية الامريكية تجاه القضية الفلسطينية تستند الى مجموعة من الثوابت الاستراتيجية، التي ضمنت لها، بالتفاعل مع متغيرات اخرى، السيطرة على مسرح الشرق الاوسط، وضبط حركة لاعبيه، وإدراجهم في استراتيجيتها للسيطرة الكونية. الجهود التي تبذلها امريكا في البحث عن حل ما للقضية الفلسطينية، الحقت الاضرار بحلقات محيطية اخرى، من جرّاء تطبيقاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية ، التي اوجدت مسرحا مؤاتيا لهدفها المركزي: تحييد تحدي القضية الفلسطينية، وضمان وجود وتفوق دولة اسرائيل.

السياسة الخارجية الامريكية تجاه القضية الفلسطينية انتهجت دالّة خطية في سلوكها السياسي، انعكست في مسار استمراري مع بعض الانقطاعات المفصلية او المؤقتة، تبعا لسيرورة مصالحها القومية، ولموازين القوى والتغيرات الطارئة على الصراع. ان عملية المفاوضات والتسوية السياسية السلمية للصراع "الاسرائيلي ـ الفلسطيني"، باشراف امريكا طيلة العقدين الماضيين، قد مهدت لوجود سياق مميز من اجل تحليل ومحاكمة السلوك السياسي الامريكي، وخاصة في ظل ادارة الرئيس جورج بوش الابن خلال الفترة (2001 ـ 2009)، الذي احدث ،على ضوء الخروج النهائي للزعيم الفلسطيني ياسر عرفات من مسرح الصراع، انقلابا حادا في دينامية الصراع، وتغيرا مرئيا في السياسة الخارجية الامريكية تجاه القضية الفلسطينية، من خلال تدخل الادارة في مسرح الصراع، بصفتها لاعبا رئيسيا مباشرا.

العلوم السياسية الجنوبية (انطلاقا من الجنوب السياسي) الجديدة، التي شرعت بتاسيسها المثقفة الكوبية طليعة فونغ Thalía Fung ومجموعة من المجتهدين والباحثين في حقل العلوم السياسية، افادني في معالجة موضوع السياسة الخارجية الامريكية تجاه القضية الفلسطينية، وتحليل وتقييم السلوك السياسي لادارة بوش الابن، انطلاقا من محفزاته المحددة بثقافتها السياسية والمصالح القومية للنظام السياسي الامريكي، ومشاركة مختلف الوسائل ولاعبي المجتمع المدني والمجتمع السياسي في تحقيق ذالك السلوك.

التناغم الايديولوجي ـ السياسي للزعامة الجديدة في السلطة الفلسطينية مع خطاب ادارة المحافظين الجدد، المتماهية جوهريا مع نظيرتها الاسرائيلية، اوجد "سبيلا سالكا"، تحيط به بعض العقبات الكامنة، امام رؤية الرئيس بوش الابن لحلّ القضية الفلسطينية (حل الدولتين)، الذي تمت صياغته من اجل اضفاء شرعية متعددة الاطراف عليه، عبر خطة دولية: خارطة الطريق. في الواقع، حاولت امريكا تحويل حركة التحرر الوطني الفلسطينية الى اداة طيعة ومطواعة، من اجل وضع حد لمقاومة الشعب الفلسطيني، خدمة وافادة للمصالح الجيوسياسية والجيوستراتيجية للامبريالية والصهيونية وحلفائها.

في تاريح السلوك السياسي الامريكي تجاه القضية الفلسطينية، لجات الادارات الامريكية، كلما كان ذلك ضروريا، الى استخدام بعض الانظمة العربية للضغط على القيادة الفلسطينية باشكال مختلفة، بما فيها الشكل العسكري، لاجبارها على قبول المخططات الامريكية. حاليا، يلعب النظامان الاردني والمصري دورا لصالح امريكا واسرائيل، اذ توجد اتفاقيات تهدئة وتطبيع عسكري وسياسي واقتصادي بين اسرائيل وهذين النظامين، اللذين يتلقيان مساعدة مالية وعسكريةن ويشاركان في منطقة تجارة حرة مع امريكا (كويز).

لقد تناول هذا البحث التجليات الرئيسية للسياسة الخارجية الامريكية تجاه القضية الفلسطينية خلال الفترة 2001 ـ 2009، على ضوء العلاقة المميزة القائمة بين امريكا واسرائيل. وشددت خلاله على لحظات الانعطاف او الانقطاع في تلك السياسة كما حدث في قمة كامب ديفيد (2000) والانتفاضة الثانية (2000)؛ صعود المحافظين الجدد الى سلطان الدولة في امريكا واسرائيل (2000 ـ 2001)؛ اعادة الاحتلال العسكري الاسرائيلي لاراضي السلطة الفلسطينية (2002)؛ قمة بوش ـ شارون (ابريل 2004)؛ اعادة انتخاب بوش الابن لولاية ثانية (2005 ـ 2009) وحرب الابادة في غزة (2008 ـ 2009).

لقد اوضح هذا البحث السلوكيات السياسية لمختلف اللاعبينن الذين دخلوا في حلقة تغذية ارجاعية؛ وحلّل التغيرات الظرفية في السياسة الخارجية الامريكية خلال الفترة (2001 ـ 2009) آملا تقديم دراسة متماسكة وتحليلية متعددة الابعاد، للسياسة الخارجية الامريكية تجاه القضية الفلسطينية، في ظل لحظة تاريخية مميزة من تطور النظام الامبريالي بزعامة امريكا، وتماثل واندماج الادارتين الامريكية والاسرائيلية، وتوطّد شريحة اجتماعية سياسية فلسطينية، متوائمة مع الفكر الوحيد المركزاني الغربي.

هذا الجهد الاكاديمي قد يقدم دراسة متكاملة لموضوع البحث، انطلاقا من مدخل ووجهة نظر "الجنوب السياسي" يساعد في تشكيل راي جامع وموضوعي، بخصوص السياسة الخارجية الامريكية تجاه القضية الفلسطينية. يتعلق الامر بتحطيم المرجعية الامريكية الاوروبية المركزانية و"الشمال السياسي" والاسهام في العلوم السياسية الجديدة انطلاقا من الجنوب، والتي تنسجم مع الثقافات السياسية والوقائع التاريخية لشعوب العالم الثالث. مضمون البحث قد يقدم مادة مستجدّة تفيد كاستشارة وكمرجعية للاخصائيين السياسيين المعنيين بالشرق الاوسط، و أداة علمية امام مراكز اعداد واتخاذ القرارات السياسية بهذا الصدد، وخلق ترياق للتصدي لمخططات مماثلة في مناطق اخرى من العالم، تواجه نفس التحدي الامبريالي الصهيوني.

لقد ركّزت على العلوم السياسية التي تستهدي بالماركسية اللينينية اذ انها تشكل ادوات نظرية منهجية صالحة لمعالجة وبحث هذه المعضلة، انطلاقا من مداخل وآراء الجنوب السياسي المناوئة للامبريالية، دون التخلي عن موضوعية التحليل ودراسة موضوع البحث، بدقة علمية وامانة ذهنية.

اخذت بالحسبان بعض العناصر المعرفيةن التي تنتمي الى الارث الثقافي السياسي العربي، التي تحتفظ بصلاحيتها في هذا العصر، ناهيك عن مجادلة بعض الاعتبارات الاكاديمية والسياسية لمثقفين غربيين، الذين، وان عارضوا الصياغات الايديولوجية ـ النظرية للامبريالية، فانهم لم يفلتوا من نفوذها التشويهي في وسائل الاعلام الجماهيري، التي تسيطر عليها الصحافة الدولية الكبرى، ولا يقطعون الاوصال تماما مع ايديولوجية وفلسفة الراسمالية المعاصرة.

هيكلية الرسالة

الفصل الاول: اطار نظري ومفاهيمي. تأملات ضرورية.

في هذا الفصل رايت من الضروري معالجة بعض التعريفات والتاويلات لبعض المقولات والمفاهيم الجوهرية للعلوم السياسية، التي تكتنف اهمية مميزة لهذا البحث، نظرا للاهمية الفائقة للصياغات النظرية للافكار. في هذا المضمارـ في الرسالة بشكل عام وفي هذا الفصل بشكل خاص ـ اعرض نظريات، واكثر من ذلك مقولات ومفاهيم جديدة، لم تبلغ بعد، جوهرا او هوية نظرية، اذ انها تشكل تعبيرا عن الممارسة السياسية، ولم تتمكن النظرية من التامل فيها ولم تضمها بعد الى منظومتها النظرية.
وعليه، تناولت بمنظور انتقادي، بعض المقولات والمفاهيم التي وان كانت ذات طابع عام، فانها على علاقة مباشرة مع النظام السياسي الامريكي وسياسته الخارجية. اخذت بعين الاعتبار، اسهامات الرابطة الكوبية للابحاث الفلسفية وكاثدرائية العلوم السياسية بجامعة هافانا. بالتحديد عالجت : السياسة، الثقافة السياسية، نظام العلاقات الدولية، المصلحة القومية، امبريالية وامبراطورية، السياسات الداخلية والسياسات الخارجية، الحوكمة، الدولة الفاشلة، العودة الى القطعنة (اقطاع)، الدولة ـ الامة، المجتمع المدني والمجتمع السياسي، الشرعية والقانونية والسياسة الخارجية.

الفصل الثاني: الاسبقيات الرئيسية للسياسة الخارجية الامريكية تجاه القضية الفلسطينية منذ عام 1776 لغاية عام 2000.

بالاضافة الى العناصر الروحانية والدينية للثقافة السياسية للمجتمع الامريكي، والتي تنخر النواة الصلبة لسياسة المؤسسة الامريكية، كان هناك سلوكيات حقيقية، توضح تطور الاهتمام والدور الذي اضطلعت به الادارات المتعاقبة، في سياستها ازاء فلسطين التاريخية. يشمل هذا الفصل، بايجاز، تطور السياسة الخارجية الامريكية تجاه فلسطين التاريخية منذ عام 1776 لغاية عام 2000، كسابقة تاريخية ـ سياسية لفترة ادارة بوش الابن (2001 ـ 2009) التي خصصت لها الفصل الثالث من هذا البحث. واذ توخيت تسهيل التقييم العلمي للاحداث، فانني قدمت في كل فترة معنية، الحد الادنى الذي لا غنى عنه لتوصيف الوقائع التاريخية ، وارفقتها بآرائي بالخصوص.

وضعت تقسيما للفترات التاريخية لسيرورة السياسة الخارجية الامريكية تجاه فلسطين وقضيتها على النحو التالي:

• الفترة 1776 ـ 1945 (من الاسطوري الى الواقعي ومن الروحاني الى السياسي).

• 1945 ـ 1948 ( امريكا: من المرغوب به الى الامر الواقع).

• 1949 ـ 1967 (امريكا: من قوة معتدية الى وكالة انسانية؛ فلسطين: من شعب اصلاني الى لاجئين دون حقوق وطنية).

• 1968 ـ 1982 (القوة الخشنة ضد القضية الفلسطينية).

• 1983 ـ 1992 (نشوة انتصارية امريكية ضد الشعب الفلسطيني).

• 1993 ـ 2000 ( امريكا: مساعي مثمرة لمصالحها الاستراتيجية).

بالاضافة الى ذلك عالجت اتفاق اوسلو 1993؛ اتفاق واي بلانتيشن 1998 وقمة كامب ديفيد 2000.

لدى تحديد الفترت الزمنية المذكورة آنفا انطلقت من الاعتبارات التالية:

1. الاعتبار التاريخي ـ الثقافي، الذي يحدد بداية الاهتمام الامريكي بفلسطين التاريخية، واستمرارية اسقاط ذلك الاهتمام (مع وجود انقطاعات مؤقتة) وتلك السياسة، انطلاقا من المسوغات والمحفزات التي يكتنفها الارث الثقافي (الثقافة السياسية) للمجتمع الامريكي.

2. الاعتبار السياسي، الذي يسم سيرورة النظام السياسي الامريكي وبالتالي سيرورة وضع الدولة الامريكية في العلاقات الدولية، وانتقالها من دولة قومية مرورا بدولة استعمارية وامبريالية، وصولا الى دولة امبراطورية امبريالية، والتطور المضطرد للمصلحة القومية الامريكية وانعكاسها في الشرق الاوسط.

3. الاعتبار السلوكي، الذي يرصد ويحلل سلوك النظام السياسي الامريكي، وسيرورته وتقلباته، حيث تم رسم حدود الاستمراريه والانقطاعات في السياسة الخارجية، بغض النظر عن نوع الادارة التي تستخوذ على سلطان الدولة.

الفصل الثالث: استمرارية وتغيرات السياسة الخارجية الامريكية تجاه القضية الفلسطينية في الفترة (2001 ـ 2009).

في هذا الفصل قمت بتحليل الاسقاطات الرئيسية للسياسة الخارجية الامريكية تجاه القضية الفلسطينية وتناولت السلوك السياسي لادارة بوش الابن وتغيراتها خلال عهديه.

على امتداد فقرات هذا الفصل، تناولت طيفا واسعا من القضايا التي عكست بمجموعها السلوك السياسي الفعلي للادارة ازاء القضية الفلسطينية. تلمست ان تغيير الادارة في امريكا لا يترتب عليه تغيير تلقائي في السياسة الخارجية واهدافها. فيما يخص القضية الفلسطينية، حافظت الادارات المتتالية على استمرارية في سياستها الخارجية، في حين طالت التغيرات، فقط، درجة انخراطها، كثافة مساعيها، حجم الوسائل المستعملة وآفاق النجاح او الفشل. نقل سلطان الدولة من االديموقراطيين الى الجمهورين، في حد ذاته لم يغير موقف امريكا تجاه اقضية الفلسطينية، اذ ان مباديء واهداف تلك السياسة كانت محددة مسبقا، بغض النظر عن جدواها او فعاليتها.

هناك عاملان داخليان رئيسيان، ساهما في تشديد العدوانية الامريكية ضد الشعب الفلسطيني، منذ وصول بوش الابن الى سلطان الدولة الامريكية: تربع المحافظين الجدد واليمين المتطرف على عرش السلطان التنفيذي، والتفجيرات الارهابية يوم 11 سبتمبر 2001.

مذهب المحافظين الجدد، اذ افهمه على انه " تيار فكر فلسفي ـ سياسي امريكي، يروج للشمولية والطغيان الامريكيين على نطاق عالمي، استنادا الى ايديولوجية هجينة، منبثقة عن معتقدات دينية باطلة، واساطير تاريخية، وبعض عناصر نظرية الجيوسياسة الامبريالية، المدعومة بصياغات نظرية جديدة، بصدد نهاية التاريخ وصدام الحضارات"، شكل الرافد المفتاحي للتفكير الايديولوجي ـ السياسيي لادارة بوش الابن، و الطابع البليغ لسلوكها في سياستها الخارجية خاصة تجاه القضية الفلسطينية. وعلى هذا المنوال، تترجمت الجوانب الملموسة لسياسة المحافظين الجدد تجاه القضية الفلسطينية، من خلال: حرب الحضارات؛ تماثل واندماج الصهيونية المسيحية والصهيونية اليهودية؛ الحرب على الارهاب والحرب الوقائية ( كلها مجتمعة اصبحت ارهاب الدولة الامبريالية الصهيونية)؛ ومشروع الدمقرطة والاصلاح على الطريق الامريكية.

امريكا، حتى في ظل استفرادها الجامح بالشؤون الدولية، لم تستغن عن تعددية الاطراف الشكلية، في اسقاطاتها على الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني، وحاولت فرض مخططها "خارطة الطريق"، التي تكرس من بين امور اخرى، رؤية بوش لحل الصراع من خلال حل الدولتين: دولة اسرائيل، ودولة فلسطينية فريدة من نوعها: كانتونات محرومة من التواصل السكاني والجغرافي والاقتصادي، على شكل حكم ذاتي مدني اداري محدود، شبيه ببانتوستانت ترانسكايTransky في جمهورية جنوب افريقيا السابقة ( اقامه نظام الابارتهيد عام 1963) ولم يحظ الا باعتراف نظام التمييز العنصري لوحده، ثم اندثر.

في المنظور الامبريالي الصهيوني، هذا الحل يشكل شرطا لا بد منه، من اجل انهاء الصراع العربي ـ الصهيوني، وتكريس مخطط ما يسمى بالشرق الاوسط الكبير. يتعلق الامر بمخطط جيوسياسي وجيوستراتيجي لاقامة كتلة اقليمية متعددة القوميات، متحدة بالهيمنة الامريكية والدين والموارد الطاقوية الطبيعية، الحاسمة بالنسبة للاقتصاد الامريكي، وتوسعه الكوني وقدرته على المنافسة الدولية، بالاضافة الى كونها مصالح حيوية، بالنسبة للمجتمع الاستهلاكي الامريكي، ووجود نظامه السياسي.
استراتيجية الامن القومي الامريكي في طبعتيها لعام 2002 و2006 ارست الاسس البرنامجية لهجوم ادارة بوش الابن على القضية الفلسطينية، اذ انها وصفت نضال الشعب الفلسطيني، في سبيل تحرير ارضه وانعتاقه، على انه ارهاب وحتى فاشية. مع ذلك، يوجد في تلك الاستراتيجية عنصر مفتاحي يقول بتعهد امريكا بضمان الامن الدائم لاسرائيل.

لقد ربطت الادارة القوة الخشنة، النابعة من استراتيجية الامن القومي، بالقوة الناعمة المنبثقة عن الدبلوماسية الشعبية، واسهامات المجتمع المدني، في تعاملها مع القضية الفلسطينية. اي، دون التخلي عن الدور المطلق تقريبا لسياسات القهر العسكري والاقتصادي، مهدت لسياسات الدبلوماسية الشعبية والمبعوث الخاص والتبادل التربوي والثقافي ونشر قيم الديموقراطية والحرية سلميا، والمساعدة الاقتصادية وقت الكوارث، واللجوء الى تعددية الاطراف، كلما كانت هناك ضرورة، لقوننة و شرعنة السياسات الامريكية.

في هذا السياقأ اندرجت الاختلاقات النظرية للمثقفين العضويين والنظاميين في ادارة بوش الابن، الموجهة نحو الفوضى الخلاقة، والغموض البناء، والدولة الفاشلة، والدولة القابلة للحياة...الخ، كي يستطيع الاخرون هضم سياسة ادارة بوش الابن، وخطواته الملموسة تجاه فلسطين التاريخية. بموازاة ذلك، استمرت الادارة في بيع الاوهام للراي العام الامريكي والعالمي، موحية بانها تبذل قصارى جهودها، من اجل تحقيق حل سلمي تفاوضي للصراع. وفي هذا الاطار اندرجت زيارات بوش الابن الى الشرق الاوسط، وعقد قمتي انابوليس وباريس.

في غضون ذلك، انطلقت الادارة في محاولة بناء "امة فلسطينية" وانتهجت ثلاثة مسارات متكاملة فيما بينها: المسار الاجتماعي الثقافي والمنظمات غير الحكومية؛ المسار الاقتصادي ـ المالي؛ والمسار السياسي ـ الامني ـ العسكري. انها تشكل معا، نوعا من الهندسة الاجتماعية السياسية في فلسطين التاريخية، بالتزامن مع هجوم كاسح على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى اراضيهم وممتلكاتهم.

لقد وفرت الادارة كافة الموارد اللوجستية، و كثفت تدخلها السافر في المجتمع الفلسطيني، الخاضع لاحتلال عسكري امني متعدد الجنسيات، بغية خلق "امة فلسطينية" موالية للمصالح الامبريالية الصهيونية، وحلفائها المحليين والاقليميين والدوليين. لذلك كان لا بد من انهاء المقاومة المسلحة، التي يخوضها الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، من خلال محرقة نهاية عهد ادارة بوش الابن.




الانتاج الاكاديمي للمؤلف:

يقوم مؤلف هذا البحث بنشر مقالات واوراق بحثية تتعلق بالسياسة الخارجية الامريكية تجاه القضية اللفلسطينية والصراع في الشرق الاوسط، بالاضافة الى كتابات حول امريكا اللاتينية، منذ حوالي عقدين من الزمان. ومن اهمها ما يلي:

• "بعد نصف عام من القرار 181/11 الصادر عن الامم المتحدة: عواقب اقامة اسرائيل". ورقة بحثية قدمت امام الورشة العلمية التي تحمل نفس اسم الورقة، والتي قام بتنظيمها المعهد العالي للعلاقات الدولية، ومركز دراسات افريقيا والشرق الاوسط بجمهورية كوبا، في الفترة 13 ـ 14 مايو 1998 في هافانا.

• "سور الابارتهيد وآثاره الضارة على الموارد الطبيعية والبيئة في فلسطين". ورقة بحثية قدمت امام الندوة الدولية السابعة "السلام والموارد الطبيعية والسيادة والمجتمع"، هافانا، 23 ـ 25 مارس 2004.

• القضية الفلسطينية في مؤتمر "كارل ماركس وتحديات القرن الحادي والعشرين". قدمت امام المؤتمر المذكور الذي عقد في الفترة 4 ـ 8 مايو 2004، هافانا كوبا.

• "الانتهاكات الامبريالية والصهيونية لحقوق الانسان الخاصة بالشعب الفلسطيني". قدمت في محفل "حقوق الشعب الفلسطيني، تحدّي امام المجتمع الدولي"، اقيم يوم 9 يونيو 2004 في مقر الاتحاد العربي في هافانا، كوبا.

• "العلاقات الدولية والعنف السياسي. الاسلام الديني والاسلام السياسي في الوقت الراهن". ورقة بحثية قدمت امام الندوة السابعة للعلاقات الدولية (المعهد العالي للعلاقات الدولية 2005) التي عقدت في الفترة 27 ـ 29 ابريل 2005، وامام ورشة"الطوباوية التي نحتاجها" التي اقامتها كاثدرائية بوليفر ـ مارتي، وجمعية خوسيه مارتي، يوم 10 سبتمبر 2004 في هافانا كوبا.

• "التوجهات الاشتراكية في التاريخ العربي الاسلامي، القرن السابع ـ القرن الرابع عشر. مقاربة اجتهادية". قدمت امام الورشة الدولية العاشرة للعلوم السياسية، باشراف الرابطة الكوبية للابحاث الفلسفية، التي عقدت في الفترة 21 ـ 23 نوفمبر 2007.

• السياسة الخارجية الامريكية تجاه القضية الفلسطينية (2001 ـ 2005)، رسالة ماجستير علاقات دولية. تم الدفاع عنها بنجاح في يونيو 2006 في المعهد العالي للعلاقات الدولية، هافانا كوبا.
• عسكرة السياسة الخارجية لادارة جورج بوش الابن. حالة القضية الفلسطينية (2001 ـ 2007). ورقة بحثية حول المشاكل الاجتماعية للعلوم والتكنولوجيا وتم الدفاع عنها بنجاح، امام لجنة علمية للعلوم السياسية بجامعة هافانا، بتاريخ 22 يناير 2008.

• "مقاربة اولية للسياسة الخارجية لادارة باراك اوباما. حالة القضية الفلسطينية". ورقة بحثية قدمت امام المؤتمر الدولي الثاني عشر لعلوم السياسية الجديدة، عقد في الفترة 18 ـ 20 نوفمبر 2009، في هافانا كوبا.

اعمال اخرى:

• السياسة الخارجية الامريكية وتجلياتها الحالية في الشرق الاوسط. منشور في مارس 2005.

• "بعض جوانب الصراع العربي ـ الصهيوني على ضوء القانون الدولي. الحالة الفلسطينية؛ فاشية بوش ـ شارون؛ وقائع وحقائق ومعطيات حول الكيان الصهيوني الاسرائيلي؛ الامبراطورية المنبوذة؛ الامة العربية: تاريخ وواقع وآفاق؛ النزعة الحربية الامريكية ـ الصهيونية؛ صهيونية ام بوشية؛ التهديدات الحربية الامريكية ضد كوبا: اطماع تاريخية واخطار حقيقية؛ امريكا واسرائيل والحرب ضد الامة العربية؛ اسرى الحرب والسياسة، وفقا للمنظور الامبريالي الصهيوني (على امتداد الفترة 2004 ـ 2007).

• بصدد آيباك والمصالح القومية الامريكية والاسرائيلية (3 فبراير 2008)؛ مساهمة في نقد حل "الدولة الديموقراطية العلمانية" للقضية الفلسطينية (20 و21 فبراير 2008)؛ التطبيع موقف انهزامي، استسلام وقائي ونزعة نحو الاسترزاق (18 سبتمبر 2009) وغير ذلك من المقالات المنشورة في العديد من المواقع الالكترونية باللغة العربية و في مجلتي الهدف وكنعان الفلسطينيتين.

• غزة فلسطين: محرقة صهيونية؛ اعتبارات راهنة بصدد مسرح الصراع في الشرق الاوسط؛ الصراع العربي الصهيوني والصراع الاسرائيلي الفلسطيني. لاعبون جدد وادوار قديمة؛ قراءة انتقادية لخطاب اوباما في القاهرة يونيو 2009. كافة هذه المواضيع اذيعت في برامج بثها راديو هافانا كوبا في الفترة فبراير ـ يونيو 2009.

• كتاب الكتروني بعنوان " صفحات من الاممية الكوبية في القارة الافريقية: سيادة انغولا؛ استقلال ناميبيا والقضاء على الفصل العنصري في جنوب افريقيا.
الهيكيلية التنفيذية للرسالة
الفصل الاول: اطار نظري ومفاهيمي. تأملات ضرورية.
1.1 السياسة
1.2 النظام السياسي، الدولة ـ الامة، المصلحة القومية.
1.3 الثقافة السياسية
1.4 السياسة الداخلية والسياسة الخارجية و الحوكمة
1.5 الشرعية والقانونية والسياسة الخارجية.
1.6 نظام العلاقات الدولية
1.7 الامبراطورية والامبريالية
1.8 العودة الى القطعنة (اقطاع) والدولة الفاشلة

الفصل الثاني: الاسبقيات الرئيسية للسياسة الخارجية الامريكية تجاه القضية الفلسطينية منذ عام 1776 لغاية عام 2000. استمرارية وانقطاعات.
2.1 الفترة 1776ـ 1945 (من الاسطوري الى الواقعي ومن الروحي الى السياسي).
2.2 الفترة 1945 ـ 1948 ( امريكا: من المرغوب به الى الامر الواقع).
2.3 الفترة 1949ـ 1967 (امريكا: من قوة معتدية الى وكالة انسانية؛ فلسطين: من شعب اصلاني الى لاجئين دون حقوق وطنية).
2.4 الفترة 1968 ـ 1982 (تغليب القوة الخشنة على القوة الناعمة).
2.5 الفترة 1983 ـ 1992 (عدوانية امريكية ضد الشعب الفلسطيني).
2.6 الفترة 1993 ـ 2000 ( امريكا: مساعي مثمرة لمصالحها الاستراتيجية). اتفاق اوسلو؛ اتفاق واي بلانتيشن وقمة كامب ديفيد.
الفصل الثالث: استمرارية وتغيرات السياسة الخارجية الامريكية تجاه القضية الفلسطينية في الفترة (2001 ـ 2009).
3.1 السياسة الخارجية لادارة جورج بوش الابن واسقاطات المحافظين الجدد على القضايا الفلسطينية اثناء العهد الرئاسي الاول (2001 ـ 2005).
3.2 احداث 11 سبتمبر 2001 في امريكا واثرها على القضية الفلسطينية: حرب ضد الارهاب؛ ارهاب الدولة؛ حرب وقائية وخطة الدمقرطة والاصلاح.
3.3 المخطط الامبريالي الصهيوني "خارطة الطريق". دهاليز دون نهاية.
3.4 العهد الرئاسي الثاني لجورج بوش الابن: استمرارية وتغير تجاه القضية الفلسطينية. اختلاق مفاهيم نظرية ـ عقائدية وادوات للسياسة الخارجية.
3.5 تصدع صفوف المحافظين الجدد في ادارة جورج بوش الابن. صراعنظري ـ برنامجي. عقيدة "بناء امة" الامريكية في فلسطين.
3.5.1 المسار الاجتماعي الثقافي والمنظمات غير الحكومية.
3.5.2 المسار الاقتصادي ـ المالي.
3.5.3 المسار السياسي ـ الامني ـ العسكري.
3.6 اختبار الحرب الامريكية ضد المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة.
3.6.1 امريكا: هندسة اجتماعية سياسية في فلسطين. حق عودة اللاجئين الفلسطينيين وقانون العودة اليهودية.
3.6.2 مؤتمر انابوليس ومؤتمر باريس. جولات امبراطورية في الشرق الاوسط: محرقة امبريالية صهيونية في الافق.

خلاصة

1. كشفت السياسة الخارجية الامريكية في عهدي الرئيس جورج بوش الابن، ان الجالية اليهودية ومؤسساتها في امريكا، تشكل جزء عضويا من المجتمع، و تخضع لسلطان الدولة، وتساهم في رفد مصالحها القومية، واعادة انتاج النظام السياسي الامريكي، الذي شرع بعملية الاستيطان البروتستانتي في فلسطين التاريخية. وغدت دولة اسرائيل جزء عضويا من المصالح القومية الامريكية، وتحافظ على علاقة تكافلية وطفيلية، فريدة من نوعها في العلاقات الدولية.

2. انطلاقا من الثقافة السياسية السائدة في النظام السياسي الامريكي، الذي يعتبر "الصهيونية كلمة الرب" و"اسرائيل" مشروع رباني وتعهد استراتيجي غير قابل للمساومة، وقضية جوهرية في السياسة الخارجية الامريكية، قامت الادارة باستعمال هذه المعتقدات كوسائط وشرعنة للمخططات التدخلية في الصراع الشرق اوسطي، اذ ان الامر يتعلق بنفس الدولة الامبريالية الصهيونية.

3. قامت السياسة الخارجية للادارة على افتراضات متناقضة نظريا، عندما اشترطت وربطت بقاء الحرية حيّة في امريكا، ببقائها في بلدان اخرى، وعندما (كرّست في الحالة الفلسطينية) "وحدة المصالح الحيوية الامريكية وقناعاتها العميقة". تراوحت تلك السياسة بين مختلف نماذج العلاقات الدولية، وفي اوقات الازمات، لجات الادارة الى تناوب او تزاوج القوة الخشنة والقوة الناعمة، وسلوكيات همجية، انتهاكا للشرعية الدولية.

4. في ظل مخططها الرئيسي: الشرق الاوسط الكبير والجديد، توخت الادارة تذرير النسيج الاجتماعي ـ السياسي ـ الثقافي للوطن العربي الكبير، وتحويله الى فئات وجماعات عرقية ومذهبية ودينية، محرومة من اية ثقافة سياسية وطنية او قومية، ومن ثمّ اعادة تركيبها على شكل دويلات متغاربة ومنسجمة مع اسرائيل.

5. الصراع بين امريكا والعالم العربي ـ الاسلامي، يستند الى قضايا استراتيجية تخصّ الجغرافيا السياسية والجغرافيا الاقتصادية، وتسببت به سياستها الخارجية، دفاعا عما تعتبره مصالحها القومية والحيوية في ذاك الفضاء الجغرافي السياسي، اي النفط واسرائيل بشكل اساسي. وتم التلاعب بالدين من اجل التمويه على جوهر الصراع. في هذا السياق، يشكل كتاب "صدام الحضارات" خطرا نظريا يتوخى، معرفيا وادراكيا، فرض مقولة سياسية غير موجودة موضوعيا، بهدف القضاء على مقولة "الصراع الطبقي" القائمة في الواقع الملموس في كافة المجتمعات المعروفة. حاولت الادارة فرض هذه المقولة في اطار البيئة الفلسطينية، بتشديدها على التناقض بين الاسلام السياسي وبقية المجتمع.

6. انبثق عن السياسة الخارجية للادارة، كنتيجة، تبلور القضية العربية الموحدة وتمظهر جوهر الصراع بين مشروعين متناحرين: المشروع الامبريالي الصهيوني المضاد لمشروع التحرير والانعتاق العربي. هذه قضية بالغة الاهمية بالنسبة للعلوم والاستراتيجية السياسيتين، اذ انه توجد علاقة جوهرية وموضوعية بين القضية الفلسطينية والقضية العربية، تحافظ على آصرة تاريخية تتمتع بدينامية تغذية ارجاعية. تقسيم الوطن العربي الكبير على يد قوى خارجية عام 1916، امر مؤقت بالمقياس التاريخي. نضال الشعوب العربية ضد الامبريالية الصهيونية وحلفائها، الدول القطرية العربية، قد يؤدي الى اعادة توحيد الوطن والامة.

7. السلوك السياسي الذي انتهجته الادارة الامريكية ازاء الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني برهن على ان: التسويات السياسية تتحدد بموازين القوى السائدة على مسرح الصراع؛ الاتفاقيات المبرمة بين الدول واللاعبيين غير الدولتيين في الصراع، تستجيب تفاضليا لمصالحهم الطبقية، تبعا لموازين القوى القائمة ساعة ابرامها؛ مصالح راس المال تتوزع بحصص تتناسب مع مختلف شرائح الطبقة الراسمالية، عابرة الاوطان ومتعددة القوميات، وفقا لحصصها في السلطان الحقيقي.

8. تكشفت الادارة عن مغالطات متواصلة بين عناصر عقائدية في استراتيجية ادائها وسلوكها الحقيقي بخصوص القضية الفلسطينية، نتيجة للفكر الهجين الذي يحمله المحافظون الجدد، الذين يسيطرون على قمة سلطان الدولة الامريكية. مع ذلك، توفرت للادارة القدرة على تشكيل رؤية متكاملة بخصوص المصالح القومية الاستراتيجية للنظام السياسي الامريكي،التي تتحدد، في نهاية المطاف، بالمصالح الجيوستراتيجية والجيوسياسية للاوليغارشية، وهذا ما حصل تماما على مسرح الصراع في الشرق الاوسط.

9. الثقافة السياسية (التي تحمل ختم المحافظين الجدد) السائدة لدىنخب الادارة، المتمركزة في سلطان الدولة ومكوناته الثلاثة، ساهمت في ظهور تجليات فاشية في السلوك الداخلي والخارجي الامريكي، لا سيما ازاء القضية الفلسطينية، وشكلت عائقا امام اداء عقلاني للسياسة الخارجية، نظرا للعواقب المترتبة على فرض انعكاسات ايديولوجية، كونية وربّانية افتراضا، على الواقع الاجتماعي الثقافي للشعب الفلسطيني، من خلال القسر والاكراه، مما حوّل تلك الانعاكاسات الى نقيضها.

10. عقيدة "الفوضى الخلاقة" رهنت امن واستقرار النظام السياسي الامريكي، نظرا لعجز السياسة الخارجية عن امركة العالم. هذا المنظور شكل عقبة كأداء امام السلوك السياسي للادارة. حاولت الادارة استبدال العدو الحقيقي للقضية الفلسطينية بعدو وهمي، واثبتت تأزم فكرها الاستراتيجي، لانها تغافلت عن حقائق الجغرافيا السياسية والاستراتيجية والتاريخ والثقافة لدى شعوب منطقة الشرق الاوسط.

11. اقامت الادارة علاقة لاعقلانية من اجل حل الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني، عندما طرحت امن اسرائيل كشرط لا بد منه لاقامة دولة فلسطينية. العقلانية السياسية توحي بالعكس: اقامة دولة فلسطينية،مستقلة وسيادية، قد تضمن لاسرائيل امنا اكبر من حالة غياب تلك الدولة.

12. دبلوماسية التسويف والتملص التي اتبعتها الادارة، عكست انعدام الاساس المادي لـ "الافق السياسي" لاقامة دولة فلسطينية. في ادارتها للازمة، ودون تغيرات في سياستها، قلبت الادارة هدفها الرئيسي، اذ انها ضمنت توسيع وتعزيز الدولة الحققية (اسرائيل) على حساب الدولة الافتراضية (الفلسطينية). ابتلاع الارض والتطهير العرقي الامبريالي الصهيوني في فلسطين قلّصا الى الحد الادنى، الفضاء الطبيعي ـ الترابي لاقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة. كما ان المتغيرات الاقليمية والدولية لم تمهد لمناخ مؤات لتسويات موضوعية. عملية التهدئة تحولت الى حلقة مفرغة من المفاوضات بشان دولة وهمية، والتي توجهت الى شرعنة الوضع القائم statu quo في فلسطين التاريخية، وتمرير اي حل مميّع بين الاطراف المعنية.

13. خطة بوش ـ حل الدولتين ـ وهي العنصر المركزي في السياسة الخارجية للادارة ازاء الصراع، اضحت طقسا دون مضمون في السلوك السياسي الامريكي، الذي شرع فعلا بتجسيد عقيدة "بناء امة"، في انتهاك سافر للشرعية الدولية، من اجل تحديد مسبق لجوهر الدولة الموعودة: كيان حكم ذاتي مدني اداري محدود، بثقافة سياسية مفروضة وغريبة عن الواقع التاريخي، ومنافية لمصالح الشعب الفلسطيني، ودون شرعية شعبية واستقرار مؤسساتي؛ وهذه كلها شروط مؤاتية للاضطراب والانفجارالداخلي المحتمل، مما يؤدي الى تذرير الشظايا الجغرافية والديموغرافية لـ "دولة بوش الفلسطينية".

14. تجاهلت خطة بوش ان الامر يتعلق بمعضلة تاريخية للتحرر الوطني وتقرير المصير لشعب باكمله، واعتزمت تحويل تلك القضية الى شان داخلي لامن القوة المحتلة. اتسم السلوك السياسي للادارة بتناقض ثابت: الانحياز الى لاعب اقليمي (اسرائيل) الذي كبح سلوكه السياسي تقدم الاستراتيجية الامريكية نحو تجسيد مشروع الشرق الاوسط الكبير. العلاقة المميزة بين امريكا واسرائيل اشترطت سياستها الخارجية، مما عرقل حل "عادل ودائم" في اطار النظام الحقوقي ـ القضائي للامم المتحدة او اي محفل آخر ساري الصلاحية، ثنائي او متعدد اطراف.

15. قادت الادارة المفاوضات الى الانقطاع وافقدت سياستها الخارجية القائمين عليها مصداقيتهم. لم تتوفر للصراع آفاق حقيقية للتسوية السلمية. اثبتت التجربة التاريخية ان التسويات الظرفية لا تحل الازمات بل تعقّد حلّها. المتغيرات الاقليمية والدولية لم تكن مؤاتية لحل الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني. بايجاز، على الرغم من النجاحات الجزئية، كانت خطة بوش بمثابة فشل للسياسة الخارجية للادارة الامريكية.
16. ساهمت السياسة الخارجية للادارة في تشويه الثقافة السياسية لدى قطاع واسع من الجماهير الشعبية في فلسطين التاريخية، وهذا الامر انعكس في سلوكها السياسي السلبي والمتغارب، مما ادى الى توطد نخب سياسية فلسطينية موالية للامبريالية الصهيونية، واستراتيجيتها للسيطرة الاقليمية، ذات رؤية وسلوك سياسي ينطلقان من واقعية مبتذلة (حقيرة) لا تتورع عن التضحية بالمصالح والحقوق الوطنية والتاريخية للشعب الفلسطيني، في سبيل الحفاظ على مصالحها النخبوية.

17. السلوك السياسي الذي انتهجته النخب الفلسطينية الموالية للامبريالية الصهيونية، جعل الحصول على دولة فلسطينية مستقلة وسيادية امرا مستحيلا، اذ ان الشروط المفروضة على اقامة تلك الدولة الافتراضية، تنسف مسبقا خصائص الدولة الحقيقية. لقد دمرت الامبريالية الصهيونية الدولة القومية في بعض البلدان بالقوة العسكرية. وبالتالي، فان الزعم بـ "بناء امة" فلسطينية ودولة على يد امريكا، يفتقر الى الصلاحية والجدوى. ان السلوك الامريكي في فلسطين التاريخية، قد فرض عملية استرزاق على شعبها، الخاضع لاحتلال متعدد الاطراف، وذلك من اجل افساد ثقافته السياسيةن وتغريبه استراتيجيا، وتدمير قضيته الوطنية.

18. غياب الحل العقلاني للصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني، قد يلحق الضرر بالمخططات الجيوسياسية والجيوستراتيجية الامريكية في المنطقة. استمرار الصراع قد يبقي على الاطراف المعنية منغمسة في هذا الصراع الذي لا يمكن التنبؤ بعواقبه، في ظل اضطرابات سياسية وقلاقل، وقد تنشا اوضاع تخرج عن الحوكمة في مختلف البلدان، او في نهاية المطاف، ينشا صراع اقليمي ذي ابعاد كبيرة. ان مشهدا كهذا ليس مؤاتيا للمخططات الجيوسياسية والجيوستراتيجية الامريكية، اذا اخذنا بالحسبان، المصالح القومية والجيوسياسية المتنامية للاعبين آخرين اقليميين ودوليين سواء بسواء. الامبريالية الصهيونية تعتزم اقامة شرق اوسط كبير يدور حول اسرائيل او اسرائيل الكبرى، بصفتها قوة اقليمية مسيطرة؛ وضمان تدفق النفط الرخيص والامن، من خلال الاحتلال او السيطرة العسكرية على حقوله ومنابعه؛ وابقاء الفضاء الشرق اوسطي خاليا من نفوذ او وجود قوى دولية اخرى.

19. انتقال منطقة الشرق الاوسط الى السلام العادل والشامل والدائم، يتطلب بديلا ممكنا وحيدا: نضال الشعوب العربية وكفاحها متعدد الاشكال، الذي يجعل الحلول السياسية ذات قيمة وجدوى، ويتجنب الانتحار السياسي، ويمهد للانبعاث القومي. هذا هو السبيل الوحيد لقلب موازين القوى السائد حاليا، والقضاء على الصهيونية التي تشكل بالتعريف، نقيضا للسلام؛ وتفكيك دولة اسرائيل الاصطناعية وتطبيق الحل الاشتراكي في عموم فلسطين التاريخية.

توصيات
اذ آخذ بالاعتبار هذا البحث، وتغيير الادارة في امريكا، ونقل سلطان الدولة من الجمهوريين الى الديموقراطيين، وعلى ضوء السياسة الخارجية لباراك اوباما، واسقطاتها الحقيقية تجاه الشرق الاوسط والقضية الفلسطينية، أوصي بما يلي:
1. متابعة البحث في السياسة الخارجية الامريكية تجاه الشرق الاوسط وتحديدا القضية الفلسطينية.
2. القيام ببحثين منفصلين حول الدور الذي يلعبه النظام الملكي الاردني والنظام المصري، على مسرح الصراع، بصفتهما اداتين للسياسة الخارجية الامريكية في المنطقة.
3. البحث في العلاقة المميزة بين اسرائيل وامريكا وآفاقها ووقعها على القضية الفلسطينية.
4. بحث اثر وعواقب السياسة الخارجية لادارة اوباما على الشعب الفسطيني، في اطار العقيدة الامريكية "بناء امة"، وتشابه سياسته الخارجية مع سياسة سلفه جورج بوش الابن.
مراجع (الحد الادنى)
77 كتاب.
42 مطبوعة (مجلات، صحف، كراسات، تقارير...الخ)
39 وثيقة.
مصادر اخرى: ارشيف شخصي ومواقع الانترنيت.
ملحقات

ملحق رقم 1 : عملية تقسيم فلسطين التاريخية عام 1947.
ملحق رقم 2 : الاسرائيليون، المشبوهون الوحيدونن والجميع يخاف الاشارة اليهم. (مقتطفات).
ملحق رقم 3 : خطة بيل كلينتون لعام 2000.
ملحق رقم 4 : بصصد مذهب المحافظين الجدد في امريكا.
ملحق رقم 5 : خطاب الوداع الذي القاه الرئيس الامريكي ايزنهور في 17 يناير 1961 (مقتطفات).
ملحق رقم 6 : حول آيباك والمصالح القومية الامريكية الاسرائيلية.
ملحق رقم 7 : التجسس الاسرائيلي في امريكا.
ملحق رقم 8 : خطاب بوش الابن بتاريخ 21 سبتمبر 2001 (مقتطفات)
ملحق رقم 9 : قرارات مجلس الامن الدولي، رقم 1397، 1402، 1403.
ملحق رقم 10 : النص الكامل لحطاب جورج بوش الابن حول الشرق الاوسط بتاريخ 25 يونيو 2002.
ملحق رقم 11 : قرار مجلس الامن الدولي رقم 1435.
ملحق رقم 12 : نص خارطة الطريق الامريكية المعدلة. وزارة الخارجية الامريكية 30 ابريل 2003.
ملحق رقم 13 : خطاب محمود عباس في قمة العقبة، 5 يونيو 2003. (مقتطفات).
ملحق رقم 14: مشروع الانفصال عن غزة. (خطة شارون).
ملحق رقم 15 : خطاب جورج بوش الابن في تسلم مقاليد السلطان بتاريخ 20 يناير 2005 (العهد الرئاسي الثاني). (مقتطفات).
ملحق رقم 16 : حول الفاشية والاسلام.
ملحق رقم 17 : كارتر والديبلوماسية الشعبية.
ملحق رقم 18 : طابور المثقفين الخامس كأداة للمخطط الامبريالي الصهيوني.
ملحق رقم 19 : بصدد الدور الذي تنيطه امريكا بحلف شمال الاطلسي في سياستها الخارجية ازاء القضية الفلسطينية.
ملحق رقم 20 : رسالة كوندوليزا رايس الى خالد مشعل.
ملحق رقم 21 : بصدد فاشية فلسطينية.
ملحق رقم 22 : جورج بوش والتخطيط الطبيعي الاستراتيجي لدولة اسرائيل.
ملحق رقم 23 : حزب سياسي صهيوني في السلطة الفلسطينية.
ملحق رقم 24 : حق عودة اللاجئين الفلسطينين وقانون العودة الاسرائيلي (اليهودي).
ملحق رقم 25 : بصدد مؤتمر انابوليس ميريلاند 27 نوفمبر 2007).
ملح

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         
  محمد ابو عاصم  -  فلسطين غزة       التاريخ:  22-03 -2012
  الكاتب العزيز نور الدين اتمنى منك تزويدي بدرسات من طرفك بخصوص السياسية الامريكية تجاه القضية الفلسطينيةلمساعدتي في ابحاثي ودراساتي ولك جزيل الشكر مقدما .

  محمد ابو عاصم  -  فلسطين غزة       التاريخ:  22-03 -2012
  شي جيد ودراسة مفيدة وقدمت الكثير من الحقائق عن السياسة الامريكية تجاه القضية الفلسطينية .
   ارجو من الكاتب و القائمين على الموقع تزويدي بالدراسة كاملة باي صورة يرونها مناسبة كوني باحث بالشئون الامريكية للاستفادة من هذه الدراسة ضمن المراجع العلمية .


  ودااد المدفعي -  تونس       التاريخ:  10-01 -2012
  استاذ نور الدين انا بصدد القيام ببحث في اطار الدراسات المعمقة و اشتغل حول موضوع السياسة الخارجية الامريكية تجاه القضية الفلسطينية في عهد الرئيس اوباما هل بالامكان مساعدتي بدراسات تفيدني في هذا البحث و مع الشكر الجزيا


 ::

  وجها لوجه وبلسان حقّ مبين: "أم الرسائل" الهندية الاصلانية الى جهابذة الاستيطان والاستعمار في أوروبا الصليبية.

 ::

  تاملات الرفيق فيديل كاسترو .. الطرق التي تؤدي الى الكارثة

 ::

  الهندسة الاجتماعية السياسية الامريكية في فلسطين التاريخية

 ::

  حول عسكرة السياسة الخارجية الامريكية في عهدي ادارة جورج بوش (الابن) (الجزء الثالث)

 ::

  الصهيونية ومفرخة المحافظين الجدد العالمية

 ::

  بوليفيا وفلسطين: تفصلهما الجغرافية وتوحدهما المقاومة

 ::

  الهندوراس: عودة زيلايا الى ارض الوطن

 ::

  بصدد القواعد العسكرية الامريكية السبعة في كولومبيا

 ::

  التطبيع: موقف انهزامي، استسلام وقائي، وجنوح استرزاقي!


 ::

  تونس الثورة وفرنسا المستعمر القديم

 ::

  800 مليار دولار ثروات الأثرياء العرب

 ::

  حفل العهد والوفاء لجامعة النجاح الوطنية

 ::

  لن نعترف بـ (اسرائيل)

 ::

  ثلاث رسائل تبادلها سلاطين المسلمين مع ملوك أوروبا / كيف كُنا ؟

 ::

  دور مراكز الأبحاث في مصر

 ::

  المستقبل والتحدي الذي ينتظرنا

 ::

  بحث علمي يؤكد .. بعض الأصدقاء يضرون بالصحة

 ::

  في وداع الشاعر الكفرساوي الدكتور سليم مخولي

 ::

  ورقة سياسية امنية في ذكرى اغتيال القائد المؤسس صلاح خلف ""ابواياد""



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.