Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: مقالات سياسية  :: صحافة واعلام  :: حوارات  :: العالم الإسلامي  :: العالم المتقدم

 
 

لكي لا ينخر التعصب المذهبي جسد الأمة
نايف عبوش   Sunday 28-08 -2011

انتشرت هذه الأيام ظاهرة التعصب المذهبي، بين مختلف أوساط الأمة العربية والإسلامية، بشكل ملفت للنظر.وبدا التعصب المذهبي يأخذ منحى متطرفا، وصل إلى حد التناحر والاقتتال أحيانا،في بادرة غريبة، ستكون لها انعكاسات سلبية،على مستقبل وحدة صف الأمة،قبل أن تلحق أفدح الأضرار بالوازع الديني،الذي يتآكل بالإحباط،مع تفشي هذه الظاهرة الغريبة عن طبيعة الإسلام السمحة.فقد بدأت هذه الظاهرة تهدد الأمة فعلا بالتشظي، والشرذمة، وتبدد طاقاتها الكبيرة، وإمكاناتها الكامنة بالضياع، في مشروع مقيت،سينهك حال الأمة،بعد أن يدحرجها باتجاه الهاوية على ما يبدو، ولا يخدم بالمحصلة إلا أعداءها.
وإذا كان الاختلاف في الرأي موجودا على عهد السلف الصالح من الصحابة الإجلاء،رضوان الله عليهم، ومن جاء بعدهم من التابعين لهم بإحسان،كما هو معلوم في التراث الإسلامي النير،فانه لم يكن في عهدهم يوما ما، موجبا للتعصب، والتخندق، ولا ذريعة للكراهية،والتباغض أبدا، وإنما كان اختلافهم في الاجتهاد، يرتكز إلى السعي المخلص الخالي من الغرض، بقصد تحري وإصابة الحقيقة على مرادها الديني، واختيار أفضل البدائل المتاحة أمام محصلة مسعى اجتهادهم، على قاعدة (اختلاف أمتي رحمة)،باعتبار التنوع المستنير، قاعدة سنة التطور في الحياة.فما كان اجتهادهم ليفسد في ودهم قضية لبعضهم البعض أبدا،وإنما على العكس من ذلك تماما،حيث كان يلتمس بعضهم العذر لبعض،فيعذر بعضهم البعض الآخر، فيما اختلفوا فيه من وجهات نظرهم،مما يعطي مثلا عمليا لأجيال الأمة اللاحقة في المحاكاة، بسعة الأفق، وبعد النظر، وتقبل الآخر برحابة صدر وكياسة عالية عند السلف.
وإذا كان الاختلاف في الرأي ظاهرة قائمة، حتى في وسط جيل الصحابة والتابعين، وهم بعد، لما يزالون على مقربة من الوحي، وحديثي العهد بالتنزيل،حيث يفترض أنهم ليسوا بحاجة إلى الاجتهاد بعد،بسبب محدودية مفردات الحياة التي يتداولونها يوم ذاك،إضافة إلى كونهم عربا اقحاحا في اللغة، ولما تأخذ العجمة بعد منهم مأخذها، لتلقي بهم في متاهة غموض المعاني، حيثما تعاطوا معها في النصوص،عن مراداتها اللغوية والتشريعية، فلا جرم أن هذه الظاهرة في تعدد الرأي، تتماشى مع مشيئة الله جل جلاله، وحكمته البالغة، في إيجاد الفوارق بين الناس، في القدرات اللغوية، والطاقة الاستيعابية، والكفاءة الاجتهادية، مما يجعل الظاهرة بحكم هذه الطبيعة،حالة حتمية، حيثما وجدت بهذا المعني المعتدل، وأخذت بعدها العملي،بين جمهور المسلمين، وفقا الأصول العامة، المقبولة من جميع المختصين في العلوم الإسلامية، ومنها أصول الفقه عل وجه التحديد،على قاعدة (ان هذا الدين يسر فأوغل فيه برفق)،بعيدا عن الغرض الشخصي، والهوى الضال،حيث ينتفي عندئذ أي مبرر للتعصب.
وفي الوقت الحاضر،يلاحظ المتابع لظاهرة التعصب المذهبي، أنها بدأت تشيع بشكل ملفت للنظر، بين العلماء، والنخب الإسلامية، بل وحتى بين أوساط عوام المسلمين،حيث اخذ الجدل يتصاعد في المسجد، وفي مجالس الفاتحة، وفي بعض المناسبات العامة، والدينية منها بشكل خاص،وحول أمور ليست بذات أولوية في حياة الأمة، إزاء ما تواجهه من تحديات خطيرة، تستهدفها كيانا، ودينا، ووطنا، ومعتقدا.
ولعل التخطئ، والتشنيع، والاستنكار، أصبحت ابرز ملامح الرد المتعصب، على من يخرج عن الاجتهادات المأثورة لمن سبق من المجتهدين ممن يتبعهم المتعصب، اوعلى الاجتهاد في قضية معاصرة، فرضتها الحداثة،وضرورات سنة التطور، والتي لا مندوحة من التعاطي العملي معها،ولو خالفت وجهة نظره،متناسين بأن هذه المذاهب،والآراء المأثورة، والاجتهادات التي انبثقت عنها، وما قد يستجد من الاجتهادات المعاصرة، استجابة لمعطيات التطور كسنة من سنن الحياة،باعتبارها حالة متحركة، ما هي إلا آراء لأصحابها، واجتهادات إنسانية، قابلة للخطأ والصواب، مهما كانت درجة دقة ترجيحها من قبل المجتهد، عند تقييمه للمسألة المطروحة عليه، في إطارها الزمني والمكاني،لاسيما وان أن النصوص الإسلامية، جاءت لتتعامل مع واقع حياة الإنسان،وخاصة في أموره الدنيوية. فهي إذن لم توجد ليعتنقَها الناس بمثل أصول الدين سواء بسواء،وبالتالي فانه يمكن القول بأنه لا ينبغي للمتعصب، أن يتعنت في آرائه، ويصر على انه وحده يمتلك الحقيقة الفقهية،بما يرتب له حق إلزام الآخرين إتباع قوله، أو قول إمامه في كل ما قال، ومن ثم فانه لا يحق له أن يضفي من القداسة على إمامه المتبوع، صفة من التبجيل تقترب من العصمة أبدا.فالمسلمين ملزمين بكتاب الله، وسنة نبيه الصحيحة، وهم مطالبون أن يعضوا عليهما بالنواجذ، فهما (لا يفترقان، حتى يردان الحوض) على النبي صلى الله عليه وسلم يوم تقوم الساعة.
وإذا كان الجيل الرباني من الراشدين، ومن خلفهم من التابعين،يعظمون شان الدين في إيمانهم وسلوكهم،ويجلونه أيما إجلال، فكانوا أسمى من أن يقدموا عليه رأيا، أو تقليدا، أو قياسا،وخاصة في محكمه وثوابته، وذلك قمة تأسيهم بالرسول النموذج صلى الله عليه وسلم، حتى استحقوا ثناء الله تعالى عليهم بقوله (رضي الله عنهم ورضوا عنه).فإننا من باب أولى اليوم، أحرى بان نلتزم الكتاب والسنة الصحيحة، كمنهج عام للمسلمين، من دونما تعصب لمذهب بذاته، حيثما اقتضى الأمر منا الاجتهاد في مسالة ما،وبذلك نضمن وحدة الصف المسلم،التي تبقى هي الغاية من السلوك الديني في جانبه الدنيوي،لضمان قوة ريح المسلمين،التي فيها عزتهم،وقوة شوكتهم، على قاعدة(واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا فتفشلوا وتذهب ريحكم).
ولعل الملفت للنظر، أن المتعصبين من المقلدين اليوم في سوادهم الأعظم، ،هم من ذوي الإمكانات العلمية المتواضعة، بل أن الكثير منهم لا يعرف مبادئ النحو،وليس لديه إلمام يذكر باللغة العربية التي نزل بها القران، وليس من المشهود لهم بين أقرانهم بالفصاحة،والبيان، والقدرة على الاستنباط. ومع ذلك تراه يصر بإلحاح، على أن يدلو بدلوه، ويزاحم المختصين في الكثير من الأمور، ويجادلهم بغير علم، ويجتزئ الأدلة من سياقها، ليحشرها قسرا في سياق المجادلة، في عملية إقحام ميكانيكي مبتسر، ليسوقها كدليل،لتدعيم حججه، بحيث يبدو الطرح تبسيطيا للغاية، ولا يستهوي الكثير من المتعلمين من المسلمين المعتدلين، والذين هم على قدر عالي من الوعي، والقدرة على الترجيح، بحكم التحصيل العلمي، والخبرة المتراكمة.
ولا جرم أن الأفاضل من العلماء السابقين، الذين تعارفوا على أن(المقلد ليس معدودا من أهل العلم)،كانوا على وعي تام بخطورة أمر التعصب والانغلاق،مما يعني أن تأصيلهم لقاعدة( العلم قائم على أساس معرفة الحق بدليله)، تتطلب مقلدا على قدر عالي من العلم، والقدرة الذاتية على الترجيح، حيثما اقتضى الأمر ذلك.
على أن فتنة التعصب العمياء، الرائجة في أوساط الأمة هذه الأيام، أربكت حال الأمة المنهك أصلا، لاسيما وان الأمة كما يلاحظ الجميع، تواجه تحديات مصيرية، في المقدمة منها، تحديات الحفاظ على الوجود، والكفاح ضد المسخ والتشويه، بالغزو الثقافي، والعولمة المهيمنة،في فضاء مفتوح بكل الاتجاهات. فكان التعصب بهذا المعنى، عاملا من عوامل إنهاك الأمة، وتردي حالها، ويصب بالمحصلة في خدمة أعدائها، من حيث لا نشعر. إذ بات من الواضح تماما، أن المتعصب من خلال ضيق افقه،وعصب عينيه،وانغلاقه على ذاته، يعمل على إشاعة أجواء التناحر، والبغضاء، والكراهية في المجتمع الإسلامي،حيث يلاحظ أن الكثير من المتزمتين والمتعصبين يتتبعون مساجد للصلاة فيها غير تلك التي تليهم،الأمر الذي يعكس بداية تجليات تبديد طاقات الأمة، التي يفترض أن تستثمر في تعبئة شاملة، لمواجهة العدو، ومقاومة الغزو الثقافي، الذي يستهدف الإطاحة بموروث الأمة الديني، والحضاري على حد سواء.
ولذلك فان الحرص على وحدة الصف المسلم، ونبذ التعصب المذهبي الأعمى، والتفرد المتزمت، والتطرف المقيت،أيا كانت الذريعة، هو حالة ضرورة قصوى، تتطلبها المصلحة الجمعية لوحدة الأمة، على قاعدة (يد الله مع الجماعة)،في ذات الوقت الذي هو مسؤولية جمعية أيضا،تحتم على جميع المعنيين بهذا الأمر من المسلمين، الحرص عليها بأعلى درجات الشعور بالمسؤولية، بما يمكن الأمة من الصمود بوجه التحديات، الداخلية منها والخارجية،حتى تتمكن من الوقوف على قدميها برسوخ تام،وتتأهل بعون الله، لمعاودة دورها القيادي، على الساحة الإنسانية من جديد،لتكون مجددا خير امة أخرجت للناس.

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  اعلان مسابقة

 ::

  هل أخطاؤك شيطانية أم إنسانية؟

 ::

  خطوتان أوليتان على طريق التغيير

 ::

  الثورات المباركة

 ::

  "الزهايمر".. خرف يصيب المسنين

 ::

  فرق الموت الشيعيه برعايه وزاره الخارجيه العراقيه تقتل اكثر من 7 ألاف سنى

 ::

  دسترة فك الارتباط فكرة مشبوهة ومحاولة تسلل

 ::

  العلم العراقي الجديد

 ::

  متى تفلت المرأة من قبضة الرجل

 ::

  حكاية أمّة



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.