Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: مقالات سياسية  :: صحافة واعلام  :: حوارات  :: العالم الإسلامي  :: العالم المتقدم

 
 

ما السودان؟ ومن هم السودانيون؟
د. نور الدين ساتي   Thursday 02-02 -2012

ما السودان؟ ومن هم السودانيون؟ لا يمكن حكم السودان دون احترام الحريات والحقوق الأساسية ، فالسودان بحاجة لخريطة طريق جديدة للحكم ومعالجة توزيع السلطة والثروة ، و انفصال الجنوب في حالة حدوثه سيكون وأداً لحلم عزيز من أحلامنا ،والحل النهائي لمشاكل السودان لا يتم بمعزل عن التكامل الإقليمي
..ولذلك فإن هذا الوضع المتفرد للسودان فإنه لا يتم الاعتراف به من قبل كل السودانيين خاصة بعض المفكرين والسياسيين وقادة الرأي الذين يريدون أن يختزلوا تلك الأمة (قوس قزح) في عنصر واحد أو عرق واحد أو ثقافة واحدة أو دين واحد وقد أدت هذه النظرة إلى التمييز بين السودانيين وإلى عزل وتهميش قطاعات كبيرة من الأقاليم والثقافات وإلى سيطرة ثقافات وسط السودان وشماله على مقاليد السلطة ما أدى إلى ظهور حركات احتجاج وتمرد في المناطق الطرفية أو ما أصبح يسمى مجازاً بالهوامش كرد فعل مباشر لتلك السياسات ولإحساس تلك الجماعات والقطاعات بتهميشها الاجتماعي والاقتصادي وعدم مشاركتها بصورة كافية في أجهزة السلطة والحكم.

وقد تنامى الوعي بهذه القضايا بتنامي العولمة وتصعيد الحملة العالمية من أجل الحقوق المدنية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والدعوة إلى وسائل وطرائق جديدة للتعامل مع قضايا الحاكمية، ومن أجل دعم وتعزيز قدرات منظمات المجتمع المدني، كما أن الأجهزة المرتبطة بالعولمة، والتي تم تبنيها واستبطانها من قبل منظمات المجتمع المدني في السودان سوف تسهم في تشكيل مسارات العمل السياسي والاجتماعي في السودان شئنا أم أبينا.

والجديد في الأمر هو أن حركة الاحتجاج والتمرد التي تم احتواؤها في »الهوامش« على مدى حقب طويلة قد بدأت في النفاذ نحو مراكز السلطة في الخرطوم وفي الأقاليم الشمالية. وهذا ينم عن تغيرات جوهرية في طبيعة تلك الحركة ألا وهي أنها لم تعد مجرد تمرد ضد سلطة سلطوية في المركز وإنما هي حركة اجتماعية وسياسية بعيدة الغور وعميقة الدلائل، ستكون لها مترتبات بعيدة المدى على الطريقة التي سيحكم بها السودان في المستقبل.

وتتطلب هذه الحركة رؤية طويلة الأمد تأخذ بعين الاعتبار كل مشكلات البلاد وذلك من أجل رسم خارطة طريق سياسية واجتماعية واقتصادية تأخذ بعين الاعتبار التحولات الاجتماعية والديموغرافية والسياسية التي تنتظم البلاد.

هذا وقد عالجت اتفاقية نيفاشا بعض هذه المسائل التي ترتبط بقسمة السلطة والثروة ولكنها فعلت ذلك بشكل جزئي، كما أن حقيقة أن تلك الاتفاقية عالجت مشكلة الحرب في جنوب السودان دون سواه تترك بقية أجزاء البلاد خارج إطار الحل الشامل.. إلا أنه يجدر بنا أن نقول إن اتفاقية نيفاشا اتفاقية محورية ابتدعت حلولاً خلاقة للمشكلات بين شمال السودان وبين جنوبه وأدت إلى وقف إراقة الدماء بين شطري الوطن.. ويجب أن يتم تنفيذ الاتفاقية تنفيذاً كاملاً، إلا أنه في الوقت ذاته يجب أن تستمر المساعي من أجل إيجاد حل شامل لكل مشاكل البلاد.

علماً أن الحلول الجزئية تؤدي إلى تصعيد التنافس بين أجزاء الوطن المختلفة وداخل الطبقة السياسية من أجل الحصول على نصيب أكبر من موارد البلاد.. ويجب أن تعمل (خارطة الطريق) الجديدة من أجل الحكم في السودان على معالجة مسألة إعادة توزيع السلطة والثروة بين العاصمة- الخرطوم- والأقاليم المختلفة وهذا يشمل كذلك الأقاليم الشمالية والتي نجد أن بعضها أكثر تهميشاً من الشرق والغرب والجنوب.. كما يجب أن تعالج خارطة الطريق مسائل فلسفة الحكم ومناهجه ومؤسساته وأدواته والقائمين على أمره والحقوق والواجبات والحريات والتحول الديمقراطي والتوزيع العادل للثروة والحكم الفيدرالي وربما كذلك الحكم الكونفيدرالي، وتفويض السلطات الديمقراطية التمثيلية والأحزاب السياسية وحكم القانون والتربية الوطنية والعلاقات الخارجية وعلاقة الدين بالدولة.. ولا يخفى علينا أن جل هذه العناصر مضمنة في الدستور بشكل أو بآخر، إلا أن الدستور وثيقة يمكن أن تكون جامدة أو هامدة.. إذاً أنها تتضمن المبادئ العامة إلا أن (خارطة الطريق) تكون بمثابة المنهج العملي لتطبيق تلك المبادئ كما أنه سيكون لها وضعية تعاقدية فيما بين الطبقة السياسية وعامة الشعب.

كما أن خارطة الطريق يجب أن تشتمل على جدول زمني لتنفيذها ووسائل وموارد التنفيذ المالية والفنية والبشرية.

ويتم إجازة خارطة الطريق في مؤتمر جامع يتم تنظيمه فيما بين القوى السياسية المختلفة بإشراف لجنة يتم تشكيلها من الحزب الحاكم وكل الأحزاب السياسية الأخرى بالاضافة إلى بعض الشخصيات القومية المشهود لها بالحيدة والنزاهة والكفاءة.

ثم ضاع الأمس مني:

يحلو للسودانيين أن يحكوا حكايات عن الماضي الجميل والتعايش السلمي والانفتاح على الآخر الذي كان يمتاز به زعماء القبائل والعشائر في الزمن الماضي ومن أكثر القصص والنوادر تداولاً.. تلك التي كانت تدور بين دينق ماجوك زعيم دينكا نقوك بمنطقة أبيي وبين بابو نمر زعيم المسيرية اللذين كانا صديقين واستطاعا بحكمتهما وتجربتهما الحفاظ على العلاقات الطيبة بين القبيلتين حتى بوجود أوضاع من التنافس الحاد على الموارد بين القبيلتين حول الأرض، والماء، والمرعى، وأنه مما يؤسف له أن هذين النموذجين المثاليين لم يتم الاقتداء بهما في الفترة الحالية عندما تفجرت مشكلة أبيي حيث إن أبيي التي كانت تعد نموذجاً للتعايش السلمي بين الشمال والجنوب قد تمت إحالتها إلى التحكيم الدولي بدلاً من التوصل إلى حل مشكلتها بالوسائل السودانية التقليدية التي كان بابونمر ودينق ماجوك رمزاً لها.. وربما لو أن أهل ابيي مسيريه ودينكا تركوا وحدهم فلربما تمكنوا من التوصل إلى حل النزاع إذا إنهم يعرفون أكثر من غيرهم الكيفية التي يمكن أن يفعلوا بها ذلك.. فـ (الجمرة بتحرق الواطيها) وكما يقول المثل الشعبي: أهل مكة أدرى بشعابها.

فهم أول الخاسرين من استمرار النزاع وهم الذين يعانون حقيقة من تأزم الأوضاع أو استمرار العدائيات.. ليس هذا أمراً فريداً أو متفرداً ففي مثل هذه الأحوال عندما يجد الإنسان نفسه أو تجد جماعة نفسها في مواجهة ثنائية تتسم بالندية والخصوصية والمصالح المشتركة والتاريخ المشترك عبر مئات السنين، فإنها تكون قد بلورت من خلال التجارب والاختبارات التي اجتازتها وسائل معروفة ومتفق عليها لحلحلة النزاعات وهو ما كان يحدث في الماضي بين المسيرية والدينكا نقوك.. أما عندما يصير النزاع جزءاً من مشكلة أكبر وأعم فإن ذلك يؤدي إلى زوال الخصوصية في العلاقة الثنائية.. وتصبح مرجعيات النزاع ترتبط بعلاقات ومدلولات وثوابت تتجاوز الوضع المباشر بل وتتعداه إلى ما هو أوسع وأشمل، وتغيب الحقيقة وتصبح المماحكة السياسية والمغالطات النظرية التي لا تخدم القضية بل تزيدها تعقيداً على تعقيدها وتضيف إليها أبعاداً ليست من صميم المشكلة بل هي من صنع مواقف الرأي وعوامل أخرى وشخوص آخرين.

ومما يؤسف له أن التفتح الذهني والانفتاح الاجتماعي والسياسي الذي يتميز به السودانيون والذي جعل السودان يستمر كبلد واحد موحد رغماً عن المشاكل والأزمات التي مرت به طوال الحقب الماضية قد بدأ يتآكل ويتمزق بسبب روح التعصب والتطرف والانغلاق التي عانى منها طوال العشرين أو الثلاثين سنة الماضية والتطرف الديني وسياسات العزل والتفرقة التي فعلت ما فعلت بالتماسك الاجتماعي والتسامح السياسي والديني وتسببت في تمزيق أوصال المكونات الاجتماعية والجهوية المختلفة للمجتمع ومن تعميق الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإحساس والتهميش من قبل قطاعات كبيرة من المجتمع خاصة في الجنوب والشرق والغرب وإلى اتساع الفجوة بين مراكز اتخاذ القرار في العاصمة الخرطوم وبين بعض الأقاليم التي يرى أهلها أنهم ضحايا لتفرقة أو عزل سياسي، أو اقتصادي، أو اجتماعي، حقيقي أو مفترض.. وقد أدت هذه الأزمة إلى أن تطفو على السطح وأن يتم التعبير بصورة قوية أو عن طريق التمرد المسلح في بعض الأحيان، عن مشاعر (الغبن التاريخي) لتلك المناطق وقد اتخذت (ثقافة التمرد) التي بدأتها الحركة الشعبية لتحرير السودان في الثمانينيات من القرن الماضي أبعاداً جديدة في شرق وغرب السودان كما أنها أصبحت تشكل تهديداً لتماسك السودان ووحدته وذلك لأول مرة في تاريخه الحديث.. كما أن الحكومة الحالية زادت الأمور تعقيداً على تعقيدها وذلك باتخاذها الخيارات الخاطئة وتبنيها سياسة (فرق تسد) في معالجتها لحركة التمرد ما زادها تفاقماً وشراسة إلا أن المهدد الحقيقي لهوية السودان ليس هو فقط التباين وعدم الانسجام بين مكوناته الرئيسية فحسب وإنما هو على وجه الخصوص صمود تلك الهوية في المستقبل أمام التحديات الجديدة والأزمة المتغيرة وبذلك يصبح التحدي الحقيقي في إيجاد الردود الصحيحة للاسئلة الصحيحة.

والتساؤل الأول يتعلق بمسألة الوحدة في التنوع فمن المهم أن يدرك السودانيون أن الوحدة لا تعني ويجب ألا تعني الهوية ذات القالب الواحد والتعددي هي في طبيعة الأشياء سواء أكان ذلك في المجال البيولوجي، أم الفيزيائي، أم الاجتماعي، أم الثقافي، أم اللغوي، أم الديني، أم الاقتصادي، وقد تم الاعتراف بمسألة التعددية من حيث المبدأ على الأقل ثم تضمينها في الدستور، بما في ذلك التعددية السياسية الا ان ما يتبقى هو الأهم ألا وهو تلك التعددية ورسوخها كفكرة وكمنهج للتعامل في المجالات الحيوية وهي وسائل الحكم ومناهجه من ناحية والمجالات السياسية، والاجتماعية، والثقافية، والدينية، من ناحية أخرى.

وهذا يتطلب نقلة (ثقافية) كبيرة اذ ان ثقافة الحزب الواحد واللغة الواحدة والدين الواحد قد تجذرت في السودان منذ قرون طويلة وأصبحت منهجا للحكم وأسلوبا للحياة وتغير كل ذلك يتطلب وقتا طويلا وجهدا كبيرا الا انه علينا ان نبدأ البداية الصحيحة بتعميق تلك المفاهيم لدى المواطن عن طريق التربية والقدوة الحسنة من ناحية والتطبيق السليم والعاجل لما تم الاتفاق عليه وما تم تضمينه في الدستور.

والتساؤل الثاني يتعلق بقضية المساواة في الحقوق والواجبات وهذا التساؤل يرتبط بقضية المواطنة. ولا يمكن لأي مجتمع من المجتمعات ان يتم تأسيسه على أساس التفرقة والظلم، والتمييز، والعرقي، او الاجتماعي، او السياسي، أو الديني ويتوجب على السودانيين في اطار سعيهم من اجل بناء مجتمع معافى يتساوى فيه الجميع امام القانون، ان يقوموا بتعريف كل مسببات التميز والعزل في المجتمع والعمل على ازالتها ازالة تامة اذ ان التمييز بين المواطنين هو من الأسباب الأساسية للنزاعات التي عانى منها السودان منذ استقلاله.

ان الاحساس بان هناك مواطنين من الدرجة الأولى ومواطنين من الدرجة الثانية او الثالثة ادى الى تنامي حركات التمرد ودعاوى القمع والتهميش وان اي تأخير في معالجة تلك المظالم ربما يؤدي الى انفراط عقد الدولة والمجتمع.

والتساؤل الثالث يتعلق بالحريات الأساسية والديمقراطية وحقوق الانسان. والاشكاليات المحيطة بهذا التساؤل هي: ان اعتبار هذه الحقوق الاساسية ولفترة طويلة جزءا من شروط المجتمع الدولي واداة من ادوات الضغط على الدول النامية قد عقد هذه المسألة وتسبب في نوع من العقدة في التعامل معها من قبل الحكومات في العديد من الدول حتى تلك التي ربما تكون جادة في احترام تلك الحقوق وتوفير الظروف المناسبة لتطبيقها على قلتها.

وما يهمنا هنا ان نقول ان السودان لا يمكن ان يحكم دون احترام تلك الحريات والحقوق الاساسية وبطبيعة الحال فإن للسودان ظروفه الخاصة التي تتطلب عملا جادا من اجل تكييف تلك القيم والمبادىء المتفق عليها عالميا للأحوال الاجتماعية في السودان بما يضمن احترام الخاصية الثقافية والاجتماعية والدينية للمجتمع.

وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال المماطلة في تنفيذها او تأجيل ذلك اكثر مما حدث حتى الآن فالحريات والحقوق الاساسية لا عوض عنها في تحقيق الطفرة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية التي يصبو السودان لتحقيقها.

ولا يمكن تحقيق تقدم في مجال الحكم او السياسة، او الثقافة، او الشؤون الاجتماعية دون تطبيق تلك المبادىء العامة تطبيقا صادقا وأميناً بما يضمن حرية الرأي والفكر والانتماء السياسي والاختيار الثقافي وممارسة الشعائر الدينية.

ويحتاج السودان اكثر من اي بلد آخر الى تطبيق تلك القيم والمبادىء نسبة لتعدديته السياسية والاجتماعية والثقافية والعرقية ومشاكل الحكم بالغة التعقيد التي تتطلب اقامة (حوار وطني) حولها لإيجاد اجماع وطني حولها. وذلك الحوار لا يمكن ان ينعقد في ظل غياب الاحترام التام والذي لا مراء فيه لحرية التعبير والديمقراطية والحقوق الاساسية للمواطن.

نهاية النسق القديم وميلاد النسق الجديد:

ان من نافلة القول ان المجتمع السوداني منقسم الآن على نفسه اكثر من اي وقت مضى في تاريخه الحديث وهذا يعزى من ناحية الى أن النسق القديم (نتفادى استخدام كلمة - نظام - وذلك حتى لا يكون هناك خلط بين النظام السياسي المباشر والنسق السياسي الاجتماعي، والثقافي، العام والذي يشمل كذلك هياكل الحكم ومؤسساته الجهوية والمحلية) في حالة احتضار بطيء وان النسق الجديد لم يولد بعد وعملية ولادة هذا النسق الجديد سوف تكون وبلا شك عملية شاقة ومعقدة ومحفوفة بالمخاطر اذ انه في مثل هذه الحالات من التحولات الاجتماعية والسياسية تكون المجتمعات في اضعف حالاتها.

كما ان فشل الطبقة السياسية والقائمين على الأمر في التعامل الايجابي مع هذه التحولات او معاندتها والسباحة ضد تيارها في احيان كثيرة، سوف يؤدي الى تعميق الازمة السياسية والاجتماعية وتفجيرها ونشوء مواجهات وصدامات على مختلف الصعد والمستويات وما يهم هو التعامل مع هذه التحولات على أساس انها فرصة للتجديد وللمزيد من الديناميكية السياسية والاجتماعية وليس كمهدد للأمن الوطني والاجتماعي.

كما يتوجب علينا ان نفهم ان الحروب والنزاعات القائمة في انحاء عديدة من البلاد ليست هي الأزمة ذاتها وانما هي التعبير عن ازمة سياسية واجتماعية عميقة يتوجب علينا ان نفهم جذورها العميقة وان نعمل على التخفيف من آثارها والتحسب لنتائجها ومترتباتها ليس من ناحية التعامل الأمني فحسب، بل من ناحية التعامل السياسي والفكري.

ولا يتم ذلك الا بالتعرف الدقيق على الجذور التاريخية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية لتلك المشاكل والعمل على حلها حلا موضوعيا وعادلا. وتبدو نهاية النسق القديم في التطورات التالية:

نهاية العهد الإقطاعي

1 - تساقط الجيوب المتبقية للإقطاع في انحاء عديدة من البلاد وذلك بفعل الآثار الايجابية للتعليم ونشوء نوع جديد من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية وربما يفسر ذلك الفقدان التدريجي للأحزاب الطائفية الكبيرة لقواعدها التقليدية وما نجم عن ذلك من فراغ سياسي.
2 - تآكل الشخصية السودانية التقليدية التي كانت تتميز بالأريحية والكرم والفضيلة. وهذه هي أحد الآثار الجانبية للأزمة الحالية التي يعاني منها المجتمع السوداني نتيجة للمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية وأنماط الاستغلال الطفيلية التي اصبحت من الظواهر المميزة للمجتمع السوداني.

3 - بروز الهوامش تنامي دورها في اعادة تشكيل وصياغة هياكل الحكم ومؤسساته وهذه أحد أهم التطورات التي برزت الى الساحة في السنوات الأخيرة اذ ان نشوء حركات التمرد والاحتجاج في ما اصبح يسمى بالهوامش او الاقاليم الهامشية ومطالبتها بقسمة اكثر عدلا فيما يتعلق بالسلطة والثروة هي من اهم الظواهر في الساحة السياسية. كما انها تدل على ان الهياكل والمؤسسات التقليدية للحكم لم تعد قادرة على التعبير عن الواقع السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، للبلاد وللعلاقة بين السلطة المركزية في العاصمة الخرطوم وبين المراكز الاقليمية او الجهوية التي اصبحت تطمح الى نصيب اوفر ودور اكبر في ادارة شؤون اقاليمها او ولاياتها.

كما يدل كل ذلك على ان كل المبادرات السابقة في مجال اصلاح اجهزة الحكم الاقليمي لم تعد تؤدي دورها او ان تفي بالأغراض التي أنشئت من اجلها وعليه فإن هذا يتطلب اصلاحات من نوع جديد اكثر فعالية وتمثيلا للمطامح المشروعة للمناطق الهامشية ولابد من النظر في هذا الأمر بصورة خلاقة في اطار فيدرالي او كونفيدرالي فعال.

4 - ما بين الوحدة والانفصال:

في رأينا ان الوحدة يجب ان تظل هي الخيار الأول للبلاد على أن تكون تلك الوحدة عادلة وجاذبة للجميع وان تشارك قطاعات الشعب في بلورة تلك الجاذبية والا يترك ذلك لشريكي نيفاشا المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان وحدهما.

هذه القضية يجب ان تكون بندا اساسيا في الحوار الوطني الذي دعونا له سابقا بل يجب ان تكرس لها حملة قومية من اجل التوعية بها من جانب وتعبئة وحشد الدعم الجماهيري في الشمال والجنوب لقضية الوحدة الجاذبة ورغماً من الشد والجذب الذي تشهده الساحة السياسية خاصة بين شريكي نيفاشا فإنه لا يزال هناك ما يكفي من الوقت لتغليب خيار الوحدة الجاذبة وذلك من خلال مساعدة الجنوب على التوصل الى حلول ناجعة لمشاكله الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والمعيشية والسياسية بدلا من العمل على تعميقها.

5 - نهاية الشمولية

إن النزعة الشمولية عميقة الجذور في المجتمع السوداني. وقبل ان تكون تلك النزعة سياسية في شكلها ومضمونها فإنها ثقافية واجتماعية في المقام الاول يتم تعزيزها عن طريق التقاليد الاجتماعية وعلاقات السلطة والتربية.

الا انه من الواضح ان الشمولية في كل اشكالها الاجتماعية، والايديولوجية، والسياسية والثقافية، والاجتماعية، قد صارت اقل تحكما في المجتمع وذلك بسبب انتشار حرية التعبير وثقافة التعددية والافكار الثقافية والدينية والممارسات الاجتماعية الجديدة.

6 - تراجع المنظور الشمولي للمشروع الاسلامي المبني على الإكراه والقمع والعزل الثقافي والاجتماعي:

وقد اظهرت السنوات العشرون الماضية عدم امكانية تطبيق ذلك المشروع في مجتمع متعدد ثقافياً، ودينياً، كالمجتمع السوداني هذا وقد اظهرت اتفاقية نيفاشا امكانية ان يتعايش ذلك المشروع مع مشروعات اجتماعية اخرى منافسة او مناهضة له. ويجب ان يتم تطوير وتحسين تلك التجربة. علما بأن الخيار الأخير للشعب السوداني من خلال حوار ديمقراطي مفتوح.

7 - السودان لاعب أساسي في التكامل الاقليمي:

ان الحل النهائي لمشاكل السودان لا يمكن ان يتم بمعزل عن التكامل الاقليمي:
ويعزى هذا الامر الى التداخل والترابط بين السودان وجيرانه. كما ان معظم النزاعات والأزمات تتم في المناطق الطرفية او الهامشية الحدودية ما يستدعي ايجاد حلول تأخذ التوجيه الاقليمي بعين الاعتبار بحيث يتم تحويل مناطق النزاعات الى اقطاب للتنمية والتكامل.

8 - النسق السوداني الجديد:

ان النسق السوداني الجديد يجب ان يتم بناؤه على أساس المساواة والحرية والديمقراطية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. ان السودان القادم سوف يأتي كنتيجة للتصارع والتفاعل بين قوى اجتماعية وسياسية عديدة ستلعب دورا فاعلا في بناء ذلك النسق الجديد. ومن اجل ان يكون السودان الذي سيأتي في المستقبل ديمقراطيا فانه يجب ان يكون متعدداً وان يتساوى فيه الجميع امام القانون في الحقوق والواجبات.

كما يجب ان تحل فيه بعض القضايا الجوهرية والمصيرية كالعلاقة بين الدين والدولة والتي لم يتم حلها الا جزئيا في اتفاقية نيفاشا.

هذا الى جانب قضايا جوهرية اخرى كالعلاقة بين المركز والاقاليم وقضية الهوية والتي لا يمكن حلها الا في اطار جامع يعترف بالمساواة وبالحقوق الأساسية لكل السودانيين واطار دستوري وتشريعي وقانوني وتنفيذي يعترف هو الآخر بتلك الحقوق ويضمن تطبيقها في اطار حكم القانون حينئذ فقط يمكن لجميع السودانيين بكل طوائفهم ومشاربهم ان يجيبوا عن السؤال (من هو السوداني؟) في ذلك الحين سوف يكون ذلك هو الجواب الذي يتفق عليه جميع السودانيين اذ انه يعبر عن انتماءاتهم ومطامحهم ومصالحهم الحقيقية.

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  "المقربون إلينا"... أهلا بكم

 ::

  للشيوخ والمتقاعدين

 ::

  الجيش يد الشعب

 ::

  عد يا صديقي

 ::

  مصر نزيد عظمة بحب أبنائها مسيحين ومسلمين

 ::

  الدول العربية غير مهتمة بأمنها الغذائي

 ::

  هل يقرأ العرب والمسلمون؟/تصريحات عاموس يادلين

 ::

  سرطنة سياسية

 ::

  لا تحملوا عربة التظاهرات اكثر من طاقتها

 ::

  الأردن لمن بناها وليس لمن نعاها



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.