Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: مقالات سياسية  :: صحافة واعلام  :: حوارات  :: العالم الإسلامي  :: العالم المتقدم

 
 

السمات الخاصة للمقاومة العراقية
د. موسى الحسيني   Monday 12-12 -2005

د. موسى الحسيني


كما علم العراق الكتابة وكانت مدنه عواصم وحواضر للدنيا، فإنه يقدم اليوم نموذجاً جديداً للتحرير: ومقاومة دون دعم من أحد.


تلك هي المقدمات الموضوعية التي يمكن ان يرتكز عليها أي وصف للسمات الخاصة للمقاومة العراقية. صحيح جداً ان قوانين وقواعد حرب التحرير الشعبية تظل واحدة في معالمها العامة، إلا ان هذا لا يلغي الميزات الوطنية التي تكسي هذا الشكل أو ذاك من المقاومات بسمات خصوصية محددة.


تقدم المقاومة العراقية نموذجاً فريداً في تاريخ حروب التحرير الشعبية والمقاومات الوطنية، ما يجعلها نموذجاً فريداً على مر العصور ومميزاتها التالية:


* أولاً: تميزت المقاومة العراقية عن غيرها من المقاومات كافة بسرعة وقوة انطلاقها، بشكل أدهش الجميع، وأربك مخططات قوات الاحتلال. فعادة ما يأخذ الإعداد للمقاومة، وتنظيم صفوفها، وقتاً طويلاً تنتظر فيه بؤر الثورة، والنخب الواعية، تبلور الحس الوطني، والحماس الثوري لدى قطاعات واسعة من الجماهير الشعبية.


تراهن عادة هذه النخب على تمادي قوى الاحتلال بممارساتها القمعية، والإمعان في عملية سلب ونهب الثروات الوطنية، والاستهانة والاستهتار بالشخصية والثقافة والعادات الوطنية، وغير ذلك من سلوكيات المحتل التي تستثير مشاعر الاحساس بالذل والاستهانة، وتستفز المشاعر الوطنية، وتستفز الهمم للمقاومة، وتأكيد الذات الوطنية، والسير في دروب الحرية والاستقلال.


بدأت أولى عمليات المقاومة بعد ثلاثة أسابيع فقط من سقوط بغداد، فترة قياسية مقارنة بانطلاقة أية تجربة مقاومة أخرى في تاريخ الثورات الشعبية. حتى المقاومة الفرنسية أو مقاومات دول أوروبا الشرقية ضد الاحتلال الألماني ابان الحرب العالمية الثانية، احتاجت لشهور عدة قبل ان تنطلق شرارتها الأولى، مع ما كان وراءها من دعم خارجي بكل المستويات، من قبل دول عظمى تمتلك آلة اعلامية ضخمة قادرة على شرعنة الباطل، وتشويه الحق، وإيصال تأثيرها لأبعد منزل في هذه الدول. وهو ما لم يتوفر للمقاومة العراقية التي تنّكر لها وتبرأ منها القريب والبعيد.


عكست المقاومة العراقية، بشدة وسرعة انطلاقها، سمات مميزة وفريدة للشخصية العراقية، وما تتحلى به من وعي وطني وقومي وانساني، متبلور ومتكامل بشكل حرم المحتل من التمتع بانتصاراته أو منحه الفرصة الكافية لممارسة النهب والسلب والتخريب الأخلاقي والاقتصادي والسياسي.


لم يكن هذا الوعي غريباً على الانسان العربي العراقي، الذي أسهم عبر التاريخ في تشكيل وتكوين وبلورة العقل العربي الاسلامي، والشخصية العربية الاسلامية، على ما هما عليه الآن. صحيح ان الاسلام انبعث من مكة، واكتمل في المدينة، إلا انه لم يتخذ اشكاله ومدارسه الفكرية، ويتبلور بتياراته ومذاهبه الحالية إلا في العراق وبإسهامات الانسان العربي  الاسلامي والعراقي.


انطلق التشيع من الكوفة، والتسنن في أغلب مذاهبه من بغداد، والمعتزلة والمرجئة من الكوفة والبصرة، والخوارج من الكوفة، حتى الشيوعي كان له ان يفخر ان أول حركة اشتراكية (القرامطة) ظهرت في الكوفة والبصرة لا في موسكو أو بكين، وحتى التصوف والدروشة، وحركات العيارين والشطار كانت من نتاجات العقل العراقي العربي  الاسلامي.


كما لم يكن مجرد مصادفة تاريخية ان تكون هناك في العراق ثلاث عواصم لامبراطوريات عربية  اسلامية، الكوفة وبغداد وسامراء. وأربع عواصم لدول كبرى تحسب بحسابات تاريخ ما قبل الميلاد، آور (الناصرية)، الوركاء (الخضر)، بابل (الحلة)، ونينوى (الموصل)، في وقت لم يكن هناك من يعرف ان هناك أرضاً تسمى أمريكا، ولم يكن قد شيد ولا حتى كوخ خشبي واحد في واشنطن أو لندن أو باريس.


لا عجب إذاً، ان يقدم العراقيون للعالم درساً جديداً في موضوعات الثورة والمقاومة. وهذا يبطل العجب، أيضاً. لماذا اختار تحالف اليمين المسيحي المتطرف والحركة الصهيونية البدء بتدمير العراق، كخطوة أولى لتنفيذ مخططهم الرامي لتفكيك الهوية العربية  الاسلامية.


أربكت المقاومة العراقية، بسرعة انطلاقها، حكومة بوش التي بدأت تغير من تكتيكاتها، فاستبدلت الجنرال المتقاعد جارنر، بالخبير بشؤون مكافحة الثورة (يسمونها مكافحة الإرهاب)، بول بريمر، كما انها عجلت في تنفيذ بعض من ألعابها، فشكلت دائرة جديدة تابعة لسلطة الاحتلال وسمتها مجلس الحكم، لتكون غطاء محلياً للاحتلال، وأصبعاً خبيثاً للتلاعب بمقدرات البلد، والامعان في تخريبه، وفرض القوانين والدساتير التي تخدم أغراض الاحتلال واهدافه، بحجة انها خيارات موظفي مجلس الحكم. ونعتقد ان موظفي مجلس الحكم لا يملكون إلا ان يشكروا المقاومة التي أجبرت سلطة الاحتلال على توظيفهم وحصولهم على كل هذه الامتيازات. وإذا كانت هناك أية ميزة ايجابية لتشكيل الدائرة المعروفة بمجلس الحكم، فإنها يجب ان تحسب لمصلحة المقاومة، رغم ما يعنيه هذا التشكيل من نوايا خبيثة للالتفاف على أهداف المقاومة لتحقيق التحرير الكامل، وإعادة بناء الدولة العراقية المستقلة.


ان هذا يتنافى، أيضاً، مع القوانين الدولية، ولائحة الحرب البرية وملحقاتها، التي تحرم على قوة الاحتلال تعيين حاكم أو حكومة مدنية مرتبطة برئيس دولة الاحتلال، كما تمنعها من تشريع أي قوانين أو دساتير مدنية، وتؤكد على اناطة الادارة، بالقائد العسكري للقوات التي نفذت الاحتلال، والذي تقتصر واجباته بالحفاظ على أمن مواطني، وأملاك الدولة الخاضعة للاحتلال، وأن تترك للشعب الفرصة في تشكيل حكومته الوطنية التي تتولى التفاوض مع الدولة المحتلة.


كشفت مثل هذه التكتيكات الأهداف الحقيقية للاحتلال، واصراره على المضي في مخططاته الإرهابية والتخريبية لتفتيت وانهاك الدولة العراقية، والامعان في قتل المزيد من العراقيين رغبة في تحقيق اساطير وتخريصات تحالف اليمين المسيحي المتطرف والحركة الصهيونية، حول امكانية ظهور المسيح بعد مذبحة كبرى يقتل فيها الملايين من العرب (يوصفون بسكان المنطقة).


ان ممارسات سلطة الاحتلال هذه، وانكشاف نواياها الحقيقية، استفزت المشاعر الانسانية والأخلاقية والدينية والوطنية لأغلبية العراقيين. وشكلت بذلك دفعة معنوية لقوات المقاومة، التي زادتها مثل هذه الممارسات إيماناً بعدالة قضيتها، وشرعية ممارساتها، فصعدت من عملياتها، رغم تمادي خبير الثورة المضادة في ترتيب وتنفيذ المجازر الإرهابية التي تحصد أرواح عشرات العراقيين يومياً وفي مختلف المدن العراقية.


* ثانياً: تؤكد جميع الدراسات الغربية التي تناولت بالبحث حروب التحرير الشعبية على ضرورة وجود دولة أو مجموعة دول أجنبية لدعم حركة المقاومة، ومدها بالسلاح والعون المادي، وضمان قواعد خلفية، وأماكن ملاذ آمن، كشرط أساسي من شروط ظهور واستمرار المقاومة.


تعزز جميع التجارب الثورية في العالم صحة هذا الرأي، وللابتعاد عن الاغراق في السرد، نذكر بالتجارب العربية في حروب التحرير الشعبية، كانت مصر عبدالناصر أولاً، هي قوة الدعم المادية والمعنوية للثورة الجزائرية إلى الحد الذي أغاظ مولييه رئيس الوزراء الفرنسي ليقود عدوان 1956 (حرب السويس) ضد عبدالناصر بأمل التخلص منه، لوقف هذا الدعم.


كذلك الثورة اليمنية في عدن، والثورة الفلسطينية، والشيء نفسه  يمكن ان يقال أيضاً عن التجربة الفيتنامية، والتجربة الفرنسية وتجارب دول أوروبا الشرقية ضد الاحتلال الألماني ابان الحرب العالمية الثانية. لعل التجربة الكوبية تشكل استثناء، لكنها كانت موجهة ضد نظام فاسد، ونفوذ أمريكي وليس حالة احتلال.


يقدم العراقيون اليوم بمقاومتهم، مدرسة ونظرية جديدة لحركات التحرير، والمسار التاريخي لحروب التحرير الشعبية. كما سبق ان علموا العالم والناس (ومنهم بوش وبريمر) أصول الكتابة والقراءة، وقدموا للعرب والمسلمين التشيع والتسنن، والتصوف، والخروج (من الخوارج) والاعتزال، والارجاء، وعلموا ماركس وانجلز معنى القرمطة ومشاعية المال والسلاح. يعلمون الناس والعالم اليوم كيف يمكن لجماعات صغيرة، معتمدة على قدراتها الذاتية، ان تغلب بأسلحة بدائية، أقوى وأحدث آلة حربية في التاريخ العسكري في العالم، تأكيداً لإرادة الخالق “كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله”.


إن ظهور مقاومة بهذه القوة، وبقدرات ذاتية، في عالم غاب فيه الاتحاد السوفييتي، وعبدالناصر، وماوتسي تونج، هز بشدة، وجرح خيلاء قادة اليمين المسيحي والصهيونية العالمية، وأفقدهم توازنهم، وانعكس ذلك في سلوكيات مرتبكة، هي أقرب لهلوسات مصاب بصدمة نفسية حادة وشديدة، يعيش حالة من الاسقاطات المرضية وخداع الذات لتحقيق التوازن النفسي المطلوب للتعايش مع أوضاع جديدة غير متوقعة. فراحوا يروجون لفكرة الأجانب الذين يتسللون ليسددوا الصفعة تلو الأخرى لقوة الاحتلال. ان الحديث عن الاجانب هذا يثير هزء وسخرية الناس في العراق عندما ينبري بوش ورجال ادارته للحديث عن الأجانب الكارهين لأن ينعم العراق برفاهية “جزمات” اليمين المسيحي المتطرف وهي تدوس على رقاب العراقيين بأمل ان تحقق لهم الحرية والديمقراطية التي سيحسدهم عليها كل جيرانهم واخوتهم من العرب والمسلمين.


سنناقش موضوع الأجانب والغاية السياسية من استخدام هذا المصطلح لتوصيف المقاومة بدقة وتفصيل أكثر عند الحديث عن الأساليب الإرهابية التي تمارسها قوى الاحتلال لمواجهة المقاومة الوطنية العراقية. رغم ان وجود العرب أو المسلمين  ان وجدوا فعلاً  لا يدنس الهوية الوطنية للمقاومة العراقية. فالخطر واحد والمصير واحد، وإذا جاء عربي ليقاتل في صفوف المقاومة فإنه يأتي للدفاع عن نفسه وعن الامتدادات التاريخية لما يحمله من قيم روحية واعتقادات فكرية نشأ وتربى عليها فهو يدافع عن ذاته وهويته.


* ثالثاً: هناك من يعتبر ان غياب الغطاء أو التمثيل السياسي للمقاومة نقيصة كبرى، في حين انها تمثل بالحقيقة ميزة ايجابية لمصلحة المقاومة، على الأقل في هذه المرحلة. قد يكون منطلق هذا النقد هو الرغبة في رؤية المقاومة العراقية في أفضل صورها، إلا انه قد يكون صادراً عن نوايا خبيثة تهدف إلى كشف المقاومة أو النفاذ إليها لتدميرها وتخريبها، كما يمكن ان يكون مصدر هذا النقد ضيق صدر تجار المقاومات الذين يستعجلون الاستفادة الشخصية منها، بالتظاهر بالعلاقة مع المقاومة أو القدرة على التأثير فيها لمن يريد ان يؤثر أو يستأثر أو يستفيد من المقاومة بشكل أو آخر، كما حصل في تجارب السماسرة الذين حاولوا أو استفادوا فعلياً من تجربة المعارضة العراقية للنظام السابق، وكذلك الحال مع تجربة المقاومة الفلسطينية.


المقاومة العراقية غير مضطرة أو محتاجة لأن تعيش التجربة نفسها وإلا ما كان لها ان تبدأ. أهدافها واضحة، والعالم اجمع يدرك عدل وحق قضيتها، وبطلان وزيف كل المبررات التي اتخذتها أمريكا لتغطية عدوانها. فإذا كانت الحركة الصهيونية نجحت بشكل أو آخر في تضليل العالم حول الأحقية العربية في فلسطين، فالقضية العراقية تمثل حالة نقية وواضحة من حالات استهتار القوة بشكل لا يقبل أي تفسير آخر.


ان وضوح الأهداف هذه لم يترك عذراً لأي فرد أو جماعة سياسية عراقية أو عربية للبقاء على الحياد أو الوقوف بعيداً عن تدعيم نشاطات المقاومة، وتبني أهدافها، دون ان تكون المقاومة مضطرة لتبني هذا الموقف الايديولوجي أو ذاك لهذه القوة السياسية أو تلك، فلا هدف يمكن ان يرتقي فوق هدف التحرير وتحقيق الاستقلال الكامل، وأي خلافات أخرى ستصبح ثانوية جداً أمام التحرير وهي متروكة للغد الحر الكفيل بحلها ضمن أطر سياسية وطنية مستقلة. أما الخوض فيها الآن فسيشكل جزءاً من المؤامرة لجر المقاومة لمعارك جانبية بعيداً عن أهدافها الحقيقية.


هناك ظرف سياسي عربي ودولي آخر لا يسمح للمقاومة العراقية في ان تبرز ممثليها السياسيين، ففي حالة الجزائر كانت هناك قاهرة القائد العظيم عبدالناصر، وهناك حد من الاستقلالية والشجاعة والاعتداد بالذات عند بقية الحكام العرب مما هيأ الفرصة لحركات التحرر العربية لتفتح لها ممثليات في بعض العواصم العربية، الأمر الذي لا يتوافر في حالة الحكومات الحالية المرعوبة والمرتعدة الفرائص أمام أية كلمة نقد ولو بالتلميح من قبل أي موظف من موظفي الادارة الأمريكية مهما صغرت درجته الوظيفية.


ان غياب التمثيل السياسي يعكس أيضاً عمق الوعي والإيمان بالمصلحة الوطنية والنكران الحقيقي للذات، يبدو فيها المقاوم شمعة محترقة من أجل الآخرين غير محكومة بدوافع تأكيد الذات المريضة والمحكومة بأنا مضخمة تسيّد مصالحها على كل عمل خير لمصلحة المجتمع، وتتطلع للاستعراض والتمتع بامتيازات التمثيل وعلى حساب دماء الشهداء من المقاومين الأبطال.


 


* عسكري وسياسي عراقي مقيم في لندن


 


 

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  "المقربون إلينا"... أهلا بكم

 ::

  للشيوخ والمتقاعدين

 ::

  الجيش يد الشعب

 ::

  عد يا صديقي

 ::

  مصر نزيد عظمة بحب أبنائها مسيحين ومسلمين

 ::

  الدول العربية غير مهتمة بأمنها الغذائي

 ::

  هل يقرأ العرب والمسلمون؟/تصريحات عاموس يادلين

 ::

  سرطنة سياسية

 ::

  لا تحملوا عربة التظاهرات اكثر من طاقتها

 ::

  الأردن لمن بناها وليس لمن نعاها



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.