Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

وطن من وهم و خيال، قراءة في رواية "في عشق امرأة عاقر"
أ.د.محمد تحريشي   Wednesday 01-06 -2016

"في عشق امرأة عاقر "نص سردي للروائي سمير قسيمي ، نص عن الجزائر ، نص من أجل الجزائر و نص يحتفل بالجزائر على طريقته فرحا و ودا و محبة و غضبا و كرها و يأسا . ماذا لو كانت الجزائر امرأة أو كانت كل النساء؟ و ماذا لو كانت امرأة هي الجزائر أو كانت كل النساء هي الجزائر؟ فهل هي جديرة بأن تعشق و أن نموت في عشقها هياما و تيها ؟ و متى تسترجع خصوبتها و قدرتها على الولادة من جديد؟ من يخطبها؟ من يتزوجها؟ من يحمي عرضها؟ من يكون ولي أمرها؟ هل يمكن رؤية الوطن من خلال نفق ؟ ما دلالة وجود الشخصيات في نفق محجوزين في قطار، لم يحضّروا للأحداث و لم يشاركوا فيها و لم يتفرجوا عليها؟يقول فريد هدى:". رواية “العاقر” موزّعة على 13 فصلا و هو أيضا رقم تشاؤمي في الثقافة الغربية! في النص مشاهد سوداوية تستحضر العنف الجسدي (الاغتصاب)، بؤس العيش (المهمّشين، أطفال الانتشاء)، و الأفق المنغلق (الجامعيّ المشرف على المرحاض العمومي، عبد العزيز… ). لا أحد من شخصيات الرواية المغتصَبة، البائسة أو اليائسة حاول تغيير الوضع القائم. كلّ الشخصيات المتخيّلة خاضعة بما جُبرت عليه رغم توقها ( السلبيّ ) للخلاص ".
لماذا تغيير الأوضاع؟
إن الوطن في هذا النص السردي صورة ذهنية تعكس موقفا من الأحداث و الوقائع و من الشخصيات أيضا؛ جاء في الصفحة 19 :" كان الوطن بالنسبة إليه أكبر من مجرد وثيقة تبلى في أي حين. كان أكبر حتى من النسب.و الأكيد ، أكبر من كل ذلك الكذب المنمق الذي اعتاد أن يسمعه في نشرة الأخبار، تلك التي سيفوتها الليلة". إن الوطن هو الانتماء و هو الهوية و هو حال وجدانية، و من هاهنا تبدأ الرواية في نسج خيطها الدرامي انطلاقا من هذا التصور للوطن و للهوية و للانتماء ، لما تحوم من حوله مجموعة من الغربان لتنشر الظلمة و العتمة بفكر يراه النص ظلاميا ؛ليحاول النص أن يجلعنا ندرك" أن العتمة كأي شيء آخر في هذا الوطن المظلم، يمكن أن تدجّن. يكفي فقط أن تترك عينيك لتألفاها و تصبح قابلة للاختراق و للترويض أيضا" ص:30 ، من المفارقة أن تحمل العتمة نورا ، و أن يحمل النور ظلاما و تعمية ، و لا يملك قدرة اختراق الظلمة إلا من يحمل في ذاته طاقة كبيرة نورانية متجددة .
إن الوطن كنز و هو معرض للسرقة و الاختطاف و للسلب ، و قد يكون الوطن ، إضافة لكونه هوية و انتماء، وطنا إجباريا من دون اختيار أو إرادة أو حتى رغبة لما تنهار الذات أمام خيبات الأمل و انطواء الذات إلى درجة لا تثير دهشة أو إعجابا، فكيف:" يفكر الشعب المسلوب من كل شيء، شعب الوطن الإجباري .يفكر دوما في آخر شيء سلب منه و ليس في كل ما فقده. و حين يسترده يتناسى برضاه أو رغما عنه، بقية الأشياء. و كأنه اتفاق غير معلن بين السالب و المسلوب: لن نستغفلكم، و لكن لا تكونوا أذكياء ".ص:35،34 ، و لعل من المحير و المثير للحيرة ، مَنْ له القدرة على أن يسلبنا وطنا نسكن إليه و يسكننا ؟ و هل يصبح للوطن وجود إن نحن غادرناه أو غادرنا طوعا أو كراهية ؟ ما قيمة وطن من دون ساكنيه ؟ و ما قيمة سكان من دون وطن؟ لعل الأغنية العراقية المعروفة صورت هذا الضياع و التيه :
" اللي مضيع ذهب بسوق الذهب يلقاه
و اللي مفارق مُحِبّ يمكن سنة أو سنتين ينساه
بس اللي مضيع وطن وين الوطن يلقاه !!"
إن الوطن قد يكون حلما جميلا و قد يتحول إلى كابوس ، أو مرصدا فلكيا نترقب منه الأحداث و ما يجدّ فيه لاختيار اللحظة المناسبة للتماهي فيه. إن الترقب و الانتظار و الفرجة حال مضمونة كل متفرج على الغالب و المغلوب لما يتحول الوطن إلى حلبة صراع و كأنّ الأمر لا يعني بعض المواطنين الذين " يمكثون كما فعل آباؤهم قبل عقود على الحدود، الشرقية أو الغربية ( ( لا يهم)) ينتظرون من يغلب و من يُغلب، ثم يزحفون بلا رحمة و يمسكون الغالب من خناقه".ص:37 فهل الوطن و الوطنية بحاجة شهود لحظة فرح أو لحظة اغتيال أو حتى لحظة خيانة أو تآمر؟ و متى يرتسم الوطن بحدود و نهايات أو بخطوط حمراء ، و هل هو بحاجة لخريطة و هل تحدّه حدود ؟ الوطن الذي يضيع منا أو نضيعه في لحظة انفلات ، أو نغيب عنه أو يُغيّب فينا ، و طن ليس كالأوطان نرغب في الهجرة منه و الابتعاد عنه إلى درجة قد نرمي بأنفسنا إلى البحر في سفر إرادي إلى الموت بتذكرة سفر من دون رجعة عبر شريط أحلام و ردية للبحث عن وطن بديل متناسين أن لا وطن من دون كرامة و لا كرامة من دون وطن ." و لكنهم منذ سنة أو سنتين أصبحوا يتجرؤن على الخروج في وضح النهار، حاملين أوعيتهم المليئة بالغراء، يسمونه اللصقة، يستنشقونها على مرأى الجميع.رائحتها تجلعهم يغيبون عن الوعي و ربما تجلعهم يسرحون في وطن آخر غير ((الوطن الاجباري))، هذا الذي لم يضمن لهم غير الولادة و الموت. و حين يصيبون بعض الرزق يشترون بعض الكيف أو يضعون((الزنمبريطو)) بمزج القليل من الكحول الطبي و الكثير من المياه الغازية السوداء، فيحتسونه رافعين نخب ((الوطن الإجباري))".ص:59. أي وطن هذا لغير الأسوياء حتى أن الروائي كان حريصا على تقديم شخصياته في صورة محيرة قد يمثلون الشذوذ و الخروج عن القاعدة خَلقا و خُلقا ، و كأنّ هذا المبدع كان معنيا بالكشف عن طبقة من المجتمع هي ضحية هذا الوطن الجريح ، و التي جعلها سجينة في نفق القطار لا تتابع ما يحدث من تغيرات في المجتمع الجزائري ، و كأنهم خارج التاريخ فهم يعجبون و يندهشون مما وقع من أحداث و ما يقع من تغيرات و تحولات ، متى كان الشاذ يمثل قاعدة ؟ و متى كان المنحرف يمثل اختيارا؟ و متى كان الاستثنائي خيارا محتما ، و هل الوطن هو وطن الأسوياء فقط ؟ ما مصير المهمشين طوعا أو كرها في صرح هذا الوطن ؟ و هل الوطن هو حكر لمواطنين دون غيرهم؟ قال أحمد شوقي :
وطني لو شُغِلتُ بالخُلدِ عنّه * * * نازعتني إليه في الخُلدِ نَفسي
إن حب الوطن قد يصنع مواطنا صالحا كما أن حب المواطن قد يصنع حب الوطن و متى يكون حب الوطن مجرد شعارات؟. إن قيمة الوطن ترتبط بالقائمين على شؤون ساكنيه و من ثم يجب أن تكون العلاقة بينهم قائمة على أساس الشفافية "قال بلطف جاف: كان عليك أن تحترم الناس و تخبرهم بالحقيقة ".ص:64. عن أية حقيقة يتحدث ؟ و هل للوطن حقيقة واحدة أو حقائق ؟ و من يقول هذه الحقيقة؟ و من تقال له أو لمنْ تقال؟ فهل تنفع الديمغوجية أو حتى الإيديولوجية و الشعارات و الدعاية المغرضة في تلبية رغبة مواطنين لوطن يشبع الرغبات و تفي بالمطلوب ، و متى كانت السياسة سوى جرعات تغذية و تقوية ؟" أخيرا وجد المخرج المتذاكي عظمة يلقيها للشعب ليتلهَّى بها . حقنة مورفين أخرى تحلّق به في سماء الوهم، فقد كان ظاهرا أن حُقن الثورة و الاشتراكية و المساواة و العدل الاجتماعي و الحقوق الجماعية و عدالة البوليتاريا و الأرض لمن يفلحها و الثورة الصناعية و غيرها من ترهات، لم تعد قادرة على التحليق به مثلما كانت". و مع ذلك فهل هذه قراءة للذات أو جلد لها ، أو هي نوع من الاستمناء السياسي و الإيديولوجي ؟ فهل نعيش في زمن الانتصارات أو راهن الانكسارات ؟ و قديما قال الشاعر العربي:
فأصبحتُ من ليلى الغداةِ كقابضٍ على الماء خانته فروجُ الأصابعِ
إن رواية : في عشق امرأة عاقر، جاءت لتفتح الجرح في علاقة المواطنين بوطنهم ؛" ففي البداية تحب وطنك و تجاهد من أجله. تنزف و تفخر بدمك النازف. لكن الوطن الغالي يلفظك على مزبلة غريبة، نازفا ، مثخنا بالجراح و الدموع... تقول: يا وطني الوحيدن لا تسمح لهم أن يبصقوا ابنك، لكنهم يطردونك من فوق المزبلة. مشفوعا بنباح الكلاب و أبشع النعوت.. ثم تتبع أناسا يستحيل عليك حبهم ، و تغدو نازحا، تائها، لا تعرف شرقك من غربك.."ص:97 هكذا يضيع الوطن منا ، هكذا نشعر بالغربة و التيه و الضياع ، هكذا يتحول وطننا وطنا للأخرين، و نتوهم نحن وطنا بديلا لوطننا .هكذا تعسر الولادة من جديد بل تغدو مستحلية ، و هكذا تتحول الخصوبة إلى عقم و الولادة إلى موات و القدرة على الانجاب إلى قدرة على القتل و الاغتيال، و يتحول عقد النكاح إلى فعل اغتصاب أو تبرير اغتصاب. "كان لكل شيء طابور خاص به، إلاّ الذلة و الموت، فهذان كانا يمنحان على الرحب و السعة....كانت تأمل أن ترى أية خضرة تنزل إليها، أن تشم أية رائحة تعيد إليها حاسة شمها التي لم تعد تحفظ إلا رائحتين: رائحة الخيبة و رائحة الأسر، تلك التي حفظتها بمجرد أن فتحت فمها و أخبرت والدها بما حدث..- اغتصبني عبد العزيز". ص:104،105. إن هذه الخيبة تعكس انكسار الوطن لما يصير وطن خيبات الأمل و الأسر، و ما أصعب أن يتحول الوطن إلى سجن كبير يضيق الأفق فيه و تعتصر الكلمات و ترفض أن تعبّر عن الحرية و التحرر من القيد، و ما أصعب أن ينكسر الإنسان في وطنه و تتحول آماله إلى خيبات أمل متكررة و متواصلة و من ثم هل يملك هذا المواطن خيارا آخر؟
جعل الروائي هذا الوطن (الجزائر) وطن المفارقة و بلد المتناقضات موظفا تشاكل الألفاظ و تقابلها ليركز على السلبي و المنحرف و الشاذ ؛" كنت وقتئد قد بلغت موقف الحافلات و قد دخلته من جهة باب عزون، لعلي أجد محل مأكولات خفيفة في الجوار، و لكنني لم أعثر على أي محل مفتوح. أنت تعرف هذه البلاد الزبل، تموت فجأة بمجرد أن يسقط القليل من المطر ."ص:107، و لعل هذا ما يدفع إلى تأزم الحال ؛ فالرغبة في الأكل يقابلها غلق المحلات ، و سقوط المطر يرتبط بالموت و عدم الحركة و عوض أن يأتي بالخير فهو يحضر الزبل و يكشف عن عورات الطريق، عورات الوطن في العيش الكريم و الحياة الرغيدة. و يضيف قائلا:" المهم سرت حتى بلغت ساحة الشهداء، و في نيتي أن أبلغ محل الكبد المشرملة وراء موقف الحافلات، و لكنني ما أن بلغته حتى وجدتني وسط ساحة حرب.الشرطة بعصيهم و دروعهم في جهة و الشباب بحجارتهم في جهة أخرى.كان كل شيء يحترق، لم يترك الشباب سيارة أو عجلة إلا و أضرموا النار فيها، و في كل ذلك لم يتوقفوا قط عن رمي الشرطة بالحجارة.."ص:107. يستمر في توظيف التقابل و التشاكل هاهنا فساحة الشهداء محل الكبد المشرملة و التي تحولت بفعل فاعل إلى ساحة حرب حيث يتقابل الشباب مع الشرطة في منظر قد يعرف ضحايا لينضموا إلى قائمة الضحايا؛ فهذه الساحة هي ساحة الشهداء و من قتل فيها أو اغتيل ينال شرف الشهادة، فأي وطن هذا الذي تتحول فيه ساحته الرمز للانتصارات إلى ساحة للمواجهة بين مواطنيه؟ و أي وطن هذا الذي تتغير فيه المواقف و الآراء بكل هذه السرعة ؟
" - عن أي طقس تتحدث، البلاد تغلي و أنت تتحدث عن الطقس؟
- تغلي؟ !
- ألم يبلغك الأمر بعد.. البلاد تحترق منذ ساعة.
- يا إلهي..
- الناس كرهوا، خرجوا إلى الشارع .كانت مسألة وقت فحسب.
- ماذا حدث؟
- كنت بساحة الشهداء منذ دقائق، خرجت لأشتري العشاء، ما دام أنهم أكدوا لي أنني سأداوم ليلا بسبب القطارات المتوقفة.لم أصدق ما رأيت : المتاريس منصوبة في كل مكان، عجلات تحترق..."ص:106،107. إن هذا التحول و التغير المفاجئ نوعا ما كان مسألة وقت فقط و كأنه كان متوقعا أو منتظرا حدوثه، و قد عوّل الروائي كثيرا على سيميائية اأالفاظ و دلالتها لما أعطى لبعضها دلالات حملها عبر سياق الجمل و نسقها ، فساحة الشهداء تحولت إلى ساحة اقتتال و كأنها ستعرف سقوط شهداء جدد، و أما الحياة ستتوقف بتوقف قطاراتها و لتشهد ربما ميلاد جديد عن بغضاء و شحناء و كراهية بعد حب و ود و تعايش؛ ساحة الشهداء ساحة التغيير و التدبير و تقرير المصير، مصير وطن على كف عفريت و لهذا فالبلاد تغلي و الطقس سيتغير و ينقلب رأسا على عقب ، و سيسقط المطر العاجز عن إطفاء هذه النار الملتهبة . و على الرغم من هذا الطموح و الاعتقاد إلا أن الأمر سرعان ما يتغير و يتحول الشعور بالنصر و الانتصار إلى ما يشبه الانكسار و خيبة الأمل لعدم إدراك هول الأمر و صعوبته و تداخله و عدم الوعي التام بكل الأطراف و بكل المعطيات و بكل الأدوات الكفيلة لنجاح أي تحرك، ما أصعب أن يكون الوعي قاصرا عن إدراك الحقيقة و حجمها؛"...كل ما أريد قوله إن هؤلاء المساكين خرجوا لمخاطبة سلطة رسمية يرونها على الورق و شاشات التلفزيون. كان يجدر بهم مخاطبة من يصنعون القرار فعلا. هم من يقررون في النهاية، على الأقل يقررون في حياة هؤلاء البؤساء."ص:135.و يبدو أن المبدع أراد أن يخاطب لا وعي القارئ و يشير إلى بعض الطروحات التي تذهب إلى أن السلطة في الجزائر هي بيد الوجه الخفي لهذه السلطة، و ليس بالضرورة أن يتبنى المؤلف هذا الطرح و يدافع عنه و لكن الإشارة إليه تجعل نصه يكتسب بعض المصداقية عند من يعتقد أن سبب أزمة الجزائر في وجود سلطة خفية و أن الشعب لم يعد قاصرا ." لا أحد صار يقبل بالقتل باسم الدين أو الإيديولوجية و لا حتى باسم الديمقراطية.كل ما يرغب فيه الناس أن يعيشوا بسلام و كرامة"ص:135، فالوطن للجميع و كل يحلم بعمل و بيت و العيش بسلام و آمان.
إن نص (في عشق امرأة عاقر) نص يقوم على المفارقة ليؤسس قيّما جمالية تجمع بين المتباين و المختلف و المتضاد و المتعاكس و النوعي و تجعل من المتشابه مختلفا و المختلف متشابها إلى حد قد تثير استغراب القارئ و دهشته "...لا خطر عليّ حتى من الصوت، لم يعد يخيفني.. لا، ما زال يخيفني و لكنه مثلي متعب.. مني، سينام أيضا لبعض الوقت.. لبعض الوقت فقط. أطبقت جفني.."صباح الخير يا عتمة" ماذا حل بالصوت الغائر فيّ؟.. لا أعلم. و الحقيقة لا رغبة لي في معرفة مصيره."ص: 178. فكيف جمع بين الصباح و النور و العتمة؟ لما يتحول الظلام إلى نور و النور إلى ظلام تختلط القضايا و المواقف و متى تصبح بداية النور ظلاما و عتمة و نهاية الظلام نورا و متى تتوقف عجلة الحياة عن الدوران." ليس هنا أحد غير رجال الشرطة و الدرك و بعض عمال سكة الحديد. الأضواء فاترة و الشبابيك مغلقة، و على باب المحطة يقف حشد عظيم من رجال الأمن"ص:178 . صباح النور يا عتمة. هل التغيير مفضل دوما؟ و متى يكون الاستقرار منبوذا؟ و هل يمكن العود على بدء؟ ما أصعب أن يشعر الأمر بالمرارة و الأسف و الندم و يعود إلى البداية كافرا بكل ما كان يعتقده إنجازا قد تحقق." و مع أنني لا أحب أن آسف على ما حدث، إلا أنه من الجيد أن أتعلم من الأمور السيئة في حياتي. أقصد تلك الأمور التي كنت أملك خيار ألا تحدث و اخترت العكس.فمثلا تعلمت اليوم درسا سأحفظه بقية حياتي، و هو أن على الإنسان أن يتشبت بما اعتاده و لا يأبه بالتغيير، حتى و إن كان في تغيره أكثر إنسانية و أقل توحشا..."ص:180 .إن مبدأ مراجعة الذات ضروري لكل عملية تقويمية و تقييمية و لكن لا يجب أن تقود هذه العملية إلى نظرة رجعية سلبية للحياة و للموقف منها ." لو لم أغير من عاداتي و لم أهتم بنظرات تلك الشحاذة و ضيعت كل ذلك الوقت الثمين في تخمين سبب نظراتها، ثم التوقف عندها و سؤالها و التصدق عليها.." ص:180، ماذا لو كانت الجزائر امرأة أو كانت كل النساء كما قلنا من قبلُ فهل ستشحذ و هل نتصدق عليها؟
إن ا لاستخذاء السياسي و جلد الذات مرحلة من مراحل الانهزام و خيبات الأمل لما يصبح المواطن انعكاسا لفعل أو ردة فعل ، و لا يستطيع أن يعي الواقع الذي يعيشه ، و يتوهم أنه كان يمتلك الحقيقة أو جزءا منها ثم يتبين له في الأخير أنه رقم من أرقام هذه الحقيقة و أن ما كان يعدّه استشرافا أو نظرة مستقبلية هو في حقيقة الواقع ما تم التخطيط له سلفا و أن ممن ساهم في إنجازه و تحققه:" هذا درس كان عليك أن تحفظه منذ سنين. في ذلك لن يكون مخطئا، فحين كنت في الثامنة عشر من عمري و ثار الشارع كما يثور اليوم، خرجت مع الذين خرجوا، و أخذت أردد كالببغاء تلك الشعارات التي تتحدث عن الحرية و الديمقراطية و تحث على نبذ الاشتراكية و الحزب الواحد. أقول كالببغاء، لأنني لم أكن أفهم شيئا في تلك الشعارات المسجوعة بعناية كأغنية كتبت قبل أدائها بأشهر، و حتى أكون صادقا، فأنا اليوم، رغم ما قرأته من كتب و ما أراه على النيت و التلفزيون، و رغم مئات الخطب التي استمعت إليها، ما زلت أجد صعوبة في فهمها، فما بالي و أنا في الثامنة عشرة من عمري. المهم أنني خرجت كالجميع أردد ما يردد في الشارع، و لم أشعر إلا و أنا أقتاد إلى حيث لم أعلم حتى اليوم. و هناك حيث اقتدت كان علي أن أتعلم الدرس الذي تعلمته اليوم، على الأقل هذا ما كان يتوجب علي بعد أيام من الصفع و الركل والضرب على القفا." ص:180،181 هكذا تردد هذه الشخصية في ما يشبه اللغة التقريرية المباشرة هذا الدرس و هذه الوقائع ، يوميات مواطن مغفل اعتقد أنه مواطن صالح، مواطن متوهم أو توهم المبدع أن ينظر إلى واقعه من خلال ماضيه، و ينظر إلى ماضيه من خلال واقعه و كأنه يريد أن يبرأ ساحته من كل مسؤولية و يظهر أنه أصبح متنورا واعيا مدركا للحقائق، و لكن ماذا لو أن هذا المواطن ما يزال يردد الشعارات و أن ما يعتقد أنه استشراف ما هو في حقيقة الأمر إلا واقع لم يستطع تصوره و ليس له القدرة على التكيف معه أو حتى القدرة على استيعابه، إن الشعور بالبطل و البطولة إحساس قد يراود من يتطلع نحو غد أفضل إن هو لم يدرك موضعه من حركة النظام و عجلة تحركه و سيره. يقول خالد بن صالح في أخبار الأدب :"علي مدار صفحات الرواية تتجلَّي جرأة الكاتب في تعرية الواقع، بلغة صريحة، جارحة وتمنحُ شخوص الرواية الحرية المطلقة للتعبير عن مشاعرهم الحقيقية تجاه وطنٍ وأدَ فيهم كل شيء جميل منذ لحظة الميلاد ونقلَ لهم عقمه عبر محطات العمر المظلمة، و الخيبات والهزائم والانكسارات المتكررة حتي لم يعد أحد من هؤلاء يملك وصفاً لملامحه بعيداً عن اليأس والألم والاغتراب الذي كان الحجرَ الأساس للبناء الروائي، بداية بحدوث خللٍ في البرنامج اليومي لحسان ربيعي بسبب تلك المرأة المتسولة بمحطة القطار إلي تعطل هذا الأخير وغرقه في العتمة نتيجة انقطاع الكهرباء وتساقط الأمطار التي رافقتها أخبار عن اشتعال العاصمة بمظاهرات وأحداث شغب


إن من السهل على المواطن أن يرفع شعارات جديدة على سبيل التجوال السياسي و المشاركة في تنمية هذا الوطن و لكن منْ ذا الذي يملك الحق في الحكم على هذا المواطن بالصلاح أو الفساد؟ و كيف يقابل حب الوطن بمثل هذا الصدود و الجفاء و العقاب بالعزل أو الضرب على القفا و ما فيه من دلالات الاحتقار و الغبن "ما حدث قد حدث و لا سبيل لتغييره"ص:181. و حتى لو رجعت عجلة التاريخ ما كان لهذا المواطن الصالح و المتوهم إلا أن يقوم بالأعمال نفسها و يرفع الشعارات نفسها ؛ فمن أمثال العرب قولهم:" يا شاة أين تذهبين؟، قالت أجزُّ مع المجزوزين " يضرب للأحمق ينطلق مع القوم وهو لا يدري ما هم فيه وإلى ما يصير أمرهم. و مع ذلك متى كانت المشاركة السياسية ضربا من الحمق؟ و لما يصل الأمر بالمواطن إلى أن يصرح قائلا:" شخصيان أنا لا أعارض و لا أساند أحدا، ببساطة لأنني لا أهتم بتبني مبادئ أساوم حولها. هذا أيضا درس تعلمته في شبابي.."ص:181.لقد ارتقى المبدع بالراوي و جعل وعيه ينسج أكثر في خط متنامٍ لما جعله يعرف الدرس أولا ثم يحفظه ثانيا، و لكن هل على كل مواطن صالح أن يرتقي بوعيه إلى الدرجة التي بلغها الراوي؟ أعتقد أن المحرك الأساس لرواية "في عشق امرأة عاقر" هو اليأس و القنوط لما يبلغ الفشل مبلغه و يتمكن من المواطن أيما تمكن و يتحول المواطنون إلى ناسِ غير اسوياء خَلقا و خُلقا،أو هكذا أرادت هذه الرواية أن ترسم حال المواطنين في حال من البؤس و التعاسة لتعكس موقفا من كل شيء؛ من السياسة و الحكم و من الحكّام و من المحكومين و من الحب و من الحياة ، فتوقفت الحركة و يستقر المواطن في كهف بعيد عن الأحداث و كأنه أُبعد قصرا حتى لا يشارك في التغيير. إن المواطن هاهنا عازف عن الحياة و كأنه قدّم استقالته منها و أعلن موقفه الرافض لكل شيء؛ فلن يعارض و لن يساند قمة السلبية التي قد تتحول إلى إيجابية في نظره لما تصبح موقفا سياسيا و يتبرأ من المكاسب و المناصب و من الصفات و الذوات ؛".. لو أحصى تلك المسافة الزمنية التي تفصلهما لقال دون تردد ثمانية و عشرين عاما، و لو أحصاها بكل ما تغير في البلاد لأكد دون تردد أيضا، ألا مسافة تفصلهما غير الوهم، ذلك الذي هو و غيره من مواطني الوطن الإجباري، وهم الحب الذي يشعرون به نحو امرأة لا تعبأ بهم، و لا تعطيهم بقدر ما تسلبهم، حتى غدوا دون أن يدركوا وطأة الزمن شعبا مسلوبا من كل شيء، و مع ذلك يختبرون صبرهم على ذلهم كل عام، على أمل أن تحبل المرأة ذات مرة، و تنجب كلك نساء العالم العشق الذي وضعوه فيها، و لكنها في كل مرة يقربونها تخذلهم و لا تنجب."ص:212 .إن الخصوبة و القدرة على الإنجاب ترتبط لدى النساء بما يعرف بسن اليأس لما تتوقف كرها عن الولادة ، و لذا اختار الروائي سمة عاقر لهذه المرأة لما توقفت عن الإنجاب ، و لعل المفارقة كيف يستمر في عشقها و هل تبادله هي العشق نفسه و تعطيه ما ينتظر منها ."الأكيد أنه كان يحتاج لكل الوقت ليلاحظ حقيبتها ذات الحلقات المعدنية بجوارها و قد تقيأت جلبابا أسود و نقابا أكثر سوادا من ليلته تلك.. ليلة السابع عشر من نوفمبر" ص:214 إن هذا المشهد يعلن نهاية هذه الرواية و في الوقت ذاته يردنا إلى بدايتها و كأن أحداث الرواية تقع بشكل دائري حيث يزول اللبس و الغموض و الحيرة. جاء في أول ارواية:"الخامسة و 27 دقيقة.. في مثل تلك الساعة من مساء كل يوم، ينتهي عمل امرأة عادة ما تقف عند نهاية الرصيف المحاذي لمحطة القطار(آغا)، تماما حيث يلتقي جميع الراجلين قاصدي المحطة مهما كانت وجهاتهم. لتنصرف إلى حيث لا يدري أحد."ص:9.إن هذه البداية تدفع القارئ إلى الحيرة في أمر هذه المرأة و في العجيب من وقوفها هاهنا عند محطة(آغا) ، و ما المثير في هذا العشق و الودّ من جهة و في هذا الصدّ و الممانعة و التوقف عن الانجاب من جهة أخرى ؟

تقاطع مع رواية سقوط سرداب من العراق، بناء الرواية بشكل دائري يبدأ بأحداث ترتبط بأحداث نهاية الرواية





أ.د.محمد تحريشي
مخبر الدراسات الصحراوية
جامعة محمد طاهري ،بشار، الجزائر

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  محاكمة محمد بن عبد الله

 ::

  سقوط الفرعون

 ::

  حد 'الحرابة' يطارد هالة سرحان

 ::

  لنا ما لنا في عام الرمادة

 ::

  عساكم من عوّاده

 ::

  أتفق لصوص لبنان ولا بواكي لفلسطيني نهر البارد

 ::

  ملاك الخبز

 ::

  من يحكم من في وسائد الليل

 ::

  المدارس اليهودية في العراق

 ::

  مؤتمر شرم شيخ و الضحك على الذقون



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي



 ::

  قراءة للدور التركي في المنطقة!!

 ::

  ما جاء في 'سيلفي': الحكاية التي فهمها الجميع

 ::

  بإسم الجهاد الإسلامى ظهرت جماعة الحشاشون .. Assassin

 ::

  ملوك الطوائف والصراع الأخير !

 ::

  الوهّابية تريد أن تستعمر الإنسان والصّهيونية تريد أن تستعمر الأوطان

 ::

  وهم المعرفة والإنتكاسة الدينية

 ::

  رسائل وارسو

 ::

  أردوغان وأحلام السّلطنة العثمانية البائدة

 ::

  تداعيات إنتخاب اسرائيل لرئاسة اللجنة الدولية لمكافحة الإرهاب

 ::

  في الطريق إلى جيبوتي: المُعاناة مُكتمِلة

 ::

  هل أوشكت مصر على الإفلاس؟

 ::

  من المهد إلى هذا الحد

 ::

  صخب داخل الكيان الصهيوني .. انعاسات وأبعاد!!

 ::

  التنظيمات النقابية والحياة السياسية فى مصر






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.