Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: مقالات سياسية  :: صحافة واعلام  :: حوارات  :: العالم الإسلامي  :: العالم المتقدم

 
 

الخوارج والحسن الصباح
أحمد عدنان   Sunday 26-06 -2016

تعرض الفضائيات العربية هذه الأيام مسلسلا راقيا حمل اسم “سمرقند” كتبه محمد البطوش وأخرجه إياد الخزوز، ولا علاقة للمسلسل بسمرقند أمين معلوف باستثناء التزامن التاريخي والجغرافي. وتطرّق المسلسل إلى شخصية جدلية عبرت في تاريخ المسلمين، هي الداعية الإسماعيلي الحسن الصبّاح.
وقد قرأت تغريدات عدة تعجبت مما ظنوه تلميعا للصبّاح، والموقف السلبي من الصبّاح مرده طائفي أو قيمي، فالصبّاح في نظر البعض ليس أكثر من زعيم ميليشيا مارست النهب والاغتيال والغدر وقطع الطريق، ومن غض الطرف عن هذه الزاوية، لم ينس أن الداعية الإسماعيلي كان موضع مواقف سلبية من السنة ومن الشيعة معا امتدادا لموقف الطائفتين من الفرق الباطنية، وحتى داخل الإسماعيليين حمل الصبّاح عنوان الانقسام بين النزاريين والمستعليين.

الحقيقة، أن المسلسل لم يروّج للصبّاح ولا لولاية الفقيه كما تجنّى المغرضون، فقد أظهره كقاطع طريق وزعيم ميليشيا، وقد أدى الممثل السوري عابد فهد شخصية الصبّاح بتميز عجيب، وما أجاده فهد هو ما أثار نقمة بعض المتابعين العوام، إذ تمكن فهد من إظهار البعد الكاريزماتي للصبّاح بدقة وعمق، وتلك عين الحقيقة، فالصبّاح -شئنا أم أبينا- هو من أبرز مثقفي عصره بشهادة خصومه وأنداده، ولا شك في تمتعه بقوة جذب مكنته من استقطاب الأتباع ومن إقامة دويلته أو دويلاته، وكل الشخصيات المفصلية والإشكالية في التاريخ، سواء أخذت عنها تصورا إيجابيا أو سلبيا، ما تمكنت من ترسيخ موقعها التأريخي لولا صفات مميزة ومتميزة سخرتها في سبيل الخير أو في سبيل الشر، والأدق أنها سخرتها في هذا وذاك بحكم الطبيعة البشريـــة التي تتنازعهــا الفضائــل والغرائز.


ولإعادة قراءة الصبّاح، أستند إلى كتاب مهم عنوانه “أدب الخوارج” لأكاديمي سوري لا يحضرني اسمه للأسف، استطاع الكتاب من زاوية الشعر الخارجي أن يعيد قراءة التاريخ الذي كتبه المنتصر، فالخوارج الذين شاع إسقاط الإرهاب المعاصر كامتداد لهم، ليس منطقيا أن نقرأ ظهورهم بضعف الوازع الديني أو بالانحراف العقدي، فما وجدناه في أدب الخوارج نزعة واضحة باتجاه التّقوى والزهد، وفي ذلك الزمن إن لم يكن على يمينك صحابي فعلى يسارك تابعي، ولم يمرّ على دفن جثمان الرسول الأعظم أكثر من ربع قرن.

الجانب الآخر في تفسير ظهور الخوارج، هو فشل المشروع الاجتماعي للإسلام، أو فلنقل فشل تطبيقه، جاء الدين الحنيف واعدا بالمساواة وبالعدالة الاجتماعية، كانت البداية في سياسة تقسيم الغنائم في عهد الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- التي أسّست نوعا من الإقطاع الديني، ثم بعض الممارسات في عهد الخليفة الراشدي الثالث، عثمان بن عفان -رضي الله عنه- التي شكلت أسسا نقيضة لقيم الإسلام نفسه، فتعنصر بعض الولاة ضد العرب بتفضيل قريش على العرب، ثم تعنصروا بتفضيلها أو بتفضيل العرب على البشرية جمعاء، وقد أثارت ممارسة هؤلاء الولاة غضب العوام والخواص من العرب، ثم أثارت الضغينة بين العرب وبين الشعوب المتعددة التي انضوت تحت راية الإسلام بحكم الفتوحات.

ثم رأت بعض الشعوب بعد تلك العنصرية، أن صراعا يدور بين فخذين رفيعين من قريش على الحكم، هما بنو هاشم ممثلين في علي بن أبي طالب -عليه السلام- وبنو أمية ممثلين في معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- ولم يشبع خطاب الخصمين طموحات البعض في إدارة الشأن العام وتصوّرهم لشكل الدولة والمجتمع الذي يفترض أن يعبّر عن قيم الإسلام الجديدة، المساواة والعدالة الاجتماعية، فكان هذا الفشل تراكما على تلك العنصرية سببا لظهور الخوارج الذين جاؤوا من هوامش صراعات قريش والعرب والموالي ونظرية الإسلام وتطبيقه.

وبالعودة إلى الحسن الصبّاح، أطلب من القارئ أن يستحضر في ذهنه صدام حسين وأسامة بن لادن وحسن نصرالله وأبو بكر البغدادي وقاسم سليماني وعلي خامنئي وغيرهم، فمن وجهة نظري أنها شخصيات رسّخت موقعها في قائمة الشر، وأعرف أن غيري يراهم من الأبرار العليين، لكن القاسم المشترك بين كل هؤلاء هو الشخصية الكاريزماتية ومسببات موضوعية تضمنت ظروفا اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية شرّعت وجودهم التاريخي، وقد تمكنت كل هذه الشخصيات من اقتناص فرصتها التاريخية لتحقق وجودها المعنوي الذي تجاوز حضورها المادي، ثم امتد أثر بعضها وتأثيرها عقودا وقرونا وربما إلى يوم يبعثون.

من أجمل الأعمال الأدبية التي تناولت الحسن الصباح، تلك الرواية التي حملت اسم قلعته الشهيرة “آلموت”، للأديب السلوفيني فلاديمير بارتول، وقد لفتتني في هذا العمل قدرته على تشريح الحسن الصبّاح، إننا أمام رجل سبر الطبيعة البشرية من جذورها مدركا أثر عاطفة الدين أو غريزته فضلا عن تعلق المسلمين بالرسول الأعظم وآل بيته البررة.

شاهد الحسن الصباح كلّ من حوله يتاجرون بالإسلام لإقامة سلطانهم وثرواتهم، فلماذا يقع عليه الاستثناء؟ حكم الصبّاح باسم الإمام من دون أن يتساءل البعض أين الإمام أو هل هذا حكمه، والبعض لم يعرف من هو الإمام أصلا، وحال الصبّاح تماما كحال من هم اليوم يحكمون باسم الله أو باسم النبي.

على المدى الطويل خسر الصبّاح ومن ورائه الإسماعيلية معركتهم السياسية، فأصبح الداعية، أو ممثل الإمام، الحسن الصبّاح، مجرما منبوذا في صفحات المؤرخين، أما لو انتصروا لسمينا الصبّاح الإمام المجدد أو شيخ الإسلام كغيره من أغلب أصحاب المذاهب والطوائف الذين لا تختلف سيرتهم وجريمتهم عن سيرة الصبّاح وجرائمه، لكن الآخرين انتصروا وكتبوا التاريخ.

لم تكن العلة في رؤساء الطوائف أو في الصبّاح، إنما في الجموع التي لا تتعلم ولا تتعظ، والدليل أننا نرى أمثال الصبّاح يتكاثرون بأسماء مختلفة وتحت رايات إسلامية متنوعة وفي أزمان متعددة لم تستثن يومنا هذا، والضحية هو الإسلام والمسلمون، والإنسانية أيضا.

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  أنا القدس وأنت

 ::

  الطلاب الفلسطينيون في لبنان يريدون جامعة

 ::

  السعوديات يتجمّلن بـ480 مليون دولار في العام

 ::

  امرأة من هذا العصر...رواية مكامن النفس البشرية

 ::

  عالم السيارات

 ::

  الأمراض المنقولة جنسياً

 ::

  الدولة والانتصار

 ::

  في كل يوم لنا حكاية مع شعب مصمم على مواصة المسيرة

 ::

  رد فنزويلي على فيصل القاسم

 ::

  الضمير الصحفي والرأي العام



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي



 ::

  جرائم أمريكا المتوحشة

 ::

  رمضان في السياسة في الاقتصاد ... لماذا نتوقف؟

 ::

  الانقلاب التركي بين التشكيك والحقيقة

 ::

  لماذا نكره إيران؟

 ::

  إسرائيل تطوق غزة بجدار تحت الأرض

 ::

  خطايا مشروع قانون الصحافة والإعلام

 ::

  تدويل الإرهاب من احتلال العراق إلى جرافة نيس

 ::

  رمضان في السياسة في الاقتصاد.. 2- دعونا نفكر في الاقتصاد

 ::

  الرهان على انهيارٍ أوروبي!

 ::

  العملية السياسية في العراق .. الباطل الذي يجب إسقاطه

 ::

  عن زيارة عشقي للعشقناز

 ::

  الشتات الإسلامي.. رصيد سلبي أم إيجابي؟

 ::

  هل اعد العالم نفسه لما بعد هزيمة داعش وعودة مقاتليها الى بلدانهم

 ::

  وصار الحلم كابوسا






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.