Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: مقالات سياسية  :: صحافة واعلام  :: حوارات  :: العالم الإسلامي  :: العالم المتقدم

 
 

يومٌ في الناقورة على تخوم الوطن
د. مصطفى يوسف اللداوي   Sunday 10-07 -2016

يومٌ في الناقورة على تخوم الوطن تراءت من بعيدٍ كقلادة جيدٍ من ماسٍ وأسورةٍ من ذهبٍ، جميلةً زاهيةً مشرقةً ولو بليلٍ، وكأن الضياء منها ينبعث والنور من بين فجاجها ينبلج، جبالٌ ممتدةٌ قيل لنا عنها أن فلسطين من خلفها تظهر، وأنها تخفي خلفها أرضاً خضراء وغاباتٍ غناء، وقرىً كانت يوماً عامرةً بأهلها، عربيةً بانتمائها، وأصيلةً بعاداتها، وأنها تحتضن ساحلاً جميلاً ممتداً، رماله بيضاء منبسطةٌ سهلةٌ، وشواطئه طويلة نظيفة، لا صخور فيها ولا ما يمنع من السباحة في مياهها، وعلى مد البصر مياه البحر الزرقاء الصافية، في تعرجاتٍ جميلةٍ، وانحناءاتٍ ساحرةٍ، تحتضن هنا قريةً عربيةً كانت، وتلف هناك حول أرضٍ يابسةٍ بدت لكثرة ما حولها من المياه وكأنها جزيرة، تنطق بالجمال معالمها، وتتحدث بسحر الطبيعة ألوانها.

إنها الناقورة العروس العربية الأصيلة التي تتقاسمها وتزدان بها لبنان وفلسطين، فتمنحهما الجمال وتكسبهما السحر، وهي التي كانت يوماً للعرب منارة، ولفلسطين ولبنان علامة، تأتيها الوفود من كل مكان، ويتجه إليها المصطافون في كل الأوقات، من جنوب فلسطين يأتونها، ومن شمال لبنان يقصدونها، وإليها يأتي أهل سوريا ومن سكن الأردن من العرب، وكانوا فيها يستجمون ويرتاحون، وعلى شواطئها يستحمون ويسبحون، وعلى جبالها يصعدون ويتسلقون، وفي شوارعها يتجولون ومن أسواقها يشترون وفيها يبيعون، إذ كانت مدينةً واحدة، وأرضاً موحدة، يحكمها العرب، ويسكنها العرب، ويملكها وخيراتها العرب.
رأس الناقورة من الجانب الفلسطيني وإن كانت حزينةً فإنها رغم الجراح كانت باسمة، ورغم الاحتلال الجاثم على صدرها من سنين طويلة فقد بدت ثائرة، تنتفض بكبرياء، وتتبختر بخيلاء، فهي عربية كخيولهم الأصيلة، لا يمتطي صهوتها غير الأحرار، ولا يركب ظهرها غير فرسانها الأشراف، وإلا فهي شموسٌ ترمي راكبها أرضاً، وتسقطه من على ظهرها صريعاً، وتدوسه بحوافرها ولا تتردد، وتسوخ في أجسادهم أقدامها ولا تجزع، وقد رأيت شقها اللبناني الحر يتوق لشقه الفلسطيني الأسير، ليعودا معاً مدينةً عربيةً زاهرةً أبيةً، تشرق عليها شمسٌ واحدة، ويجمع بينهما بحرٌ واحد، ويتحدث ساكنوها معاً لغة الضاد العربية الأصيلة.
أدرك العدو الإسرائيلي القيمة الجمالية لهذه البقعة الجغرافية الجميلة، التي تجمع بين البحر والجبل، وترتفع بضعة عشرات من الأمتار عن سطح البحر، الذي يتميز بكثرة تعاريجه الجميلة والتواءاته الساحرة، والتي في سمائها تسطع الشمس وتزهو، وترسل من عليائها أشعتها الذهبية على رمالها وتلالها، فأقام المرافق السياحية الكثيرة، مستفيداً من الجمال الطبيعي الخلاق للمنطقة، والارتفاع النسبي الذي يبدو فيه الجبل محتضناً للبحر، فبنى المنتجعات، وفتح المطاعم والاستراحات، وصمم المركبات الهوائية والقطارات السياحية، واعتدى على السيادة اللبنانية إذ منع لبنان من الاستفادة مما أنعم الله عليه من الطبيعة الجميلة.
عادت بي الذكريات إلى سني الدراسة الجميلة في فلسطين المحتلة، يوم أن كانت مدارسنا تنظم رحلاتٍ مدرسيةٍ لتلاميذها إلى مختلف المدن والقرى الفلسطينية، فأذكر أنني زرت يوماً في رحلةٍ مدرسيةٍ رأس الناقورة شمال فلسطين، ولي فيها صورٌ كثيرة، وقد وقفت يومها على الحدود اللبنانية الفلسطينية، ورأيت الأسلاك الشائكة التي تفصل بين البلدين العربيين المتداخلين سكاناً وأرضاً، وشاهدت العلم اللبناني يرفرف في سماء وطنه، وقد كان ذلك قبل العام 1978، ورأيت الأشجار اللبنانية الواقفة، الباسقة العالية، الغنية بالثمار الناضجة، والشهية اللذيذة، التي يتميز بها لبنان عن غيره.
اليوم أزور الناقورة بصحبة أهلي وبعض معارفنا من الجانب اللبناني العزيز، فيعتريني إلى جانب الفرح والسعادة، حزنٌ كبير وألمٌ شديدٌ، أن الجانب الآخر من هذه الآية الفنية الرائعة يخضع للاحتلال، ويغيب بعيداً عن دفء العرب وحضن الأمة، وقد تغرب في شكله، واختلف في طبعه، وتبدل في هيأته، وغيَّر لغته، وأصبح محرمٌ على أهله زيارته، وممنوعٌ على أصحابه الاستفادة منه والانتفاع فيه، بينما يستمتع فيه الإسرائيليون، ويستفيد منه الاحتلال، ويستغل خيراته المغتصبون من اليهود، والمستوطنون من الصهاينة.
القوات الدولية بقبعات جنودها الزرقاء كانت منتشرة على طول الطريق، وعرباتها العسكرية الأممية كانت تقف على الجانبين، يبتسمون للمارة، ويردون التحية للعابرين، ويبشون في وجوه الأطفال والزائرين، وكأنهم كانوا يحرسون الناس، ويقولون لهم مرحى بأصحاب الحق وملاك الأرض، الذين كان منهم إلى جانب اللبنانيين الكثير من الفلسطينيين المقيمين في لبنان، وغيرهم الكثير من المغتربين القادمين لقضاء إجازة العيد بين أهلهم في لبنان، وغيرهم عربٌ كثير وفدوا للسياحة ولقضاء إجازة العيد.
رأيتهم جميعاً ينظرون إلى ما خلف الجبال، وكأنهم يريدون أن يخترقوها بأجسادهم قبل عيونهم ليصلوا بأرواحهم إلى فلسطين، فقد قيل لهم إن فلسطين خلف هذه الجبال تربض، وتحت أقدامها الراسخة تسكن، فران الصمت المهيب عليهم، وحل الخشوع على وجوههم، فكأنهم في صلاةٍ إذ إلى فلسطين ينظرون، وإلى جبالها الشاهقة يتطلعون، فاشرأبت الأعناق إلى هناك، ووقف القادرون على التلال والمرتفعات يرنون بعيونهم، ويضعون أكفهم على جباههم ليغطوا به وجه الشمس، عليهم يرون شيئاً من فلسطين الحبيبة، فتحل عليهم البركة، وينالهم من قدسها قبسٌ ومن فيضها خيرٌ.
ظننت أن المصطافين إلى الناقورة قد يمموا وجوههم ليستمتعوا بشمسها، وينعموا بجمالها، ويأكلوا من خيراتها، ويرتادوا أفضل مطاعمها، ويثروا ذاكرتهم بمعالمها ومناظرها، ويسعدوا عيونهم بالنظر إلى بحرها ومشاهدة زرقة مياهه وعمقها، والتأمل في هدوء أمواجه وسكون حركاته، والاستمتاع بلحظات الغروب الساحرة، ووقت الغسق الجلي الأخاذ، حيث ترتفع الأعناق لتشاهد قرص الشمس قبل أن يغطس ويغيب، فتسجله عدسات الهواتف المحمولة، التي حرص أصحابها على تسجيل لحظات الغسق الجميلة، ولكني أدركت يقيناً أن حبهم لفلسطين كان أكبر، ونظراتهم خلف الجبال إليها كانت أعمق، وأمانيهم لاجتياز أسوار الاحتلال العالية كانت أكثر، إذ كان شوقهم إليها شديداً، كما كان حبهم لها كبيراً، وتوقهم لاستعادتها أليماً.

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  الوصاية اليهودية على حراس الأقصى وموظفي الحرم

 ::

  الإسرائيليون يعطشون الفلسطينيين ويجففون أرضهم

 ::

  جيشٌ في مواجهة مقاومٍ ومقاومةٌ تصارع دولةً

 ::

  جيشٌ في مواجهة مقاومٍ ومقاومةٌ تصارع دولةً

 ::

  نور الدين زنكي القائد المفترى عليه

 ::

  القتلى الإسرائيليون حقوقٌ وامتيازات

 ::

  حرب البسطات ومعارك الباعة الجوالة

 ::

  خنساوات فلسطين سلام الله عليكن

 ::

  عملاءٌ فلسطينيون مذنبون أبرياء


 ::

  جيمس زغبي يتحدّى «خرافات» النظرة الأمريكية تجاه العرب .. ويضعها أمام الحقيقة

 ::

  الرئيس اليمني علي عبد الله صالح يأمر بإنزال صوره من المباني العامة

 ::

  السيف البَتَّار المُتحَوِّل الى الطرطور الرعديد المنهار جيش الدمج الميليشياوي الرسالي

 ::

  غداً تأتي

 ::

  العالم يتجه إلى عصر جليدي مدمّر

 ::

  براءة مبارك واتهام الجزيرة والأجانب

 ::

  هل من جديد أميركي بشأن مشاريع التسوية؟

 ::

  رفيقُ الذِّكريات

 ::

  ديمقراطية الصحافة في العراق المحتل

 ::

  الهجوم المضاد ، أي ثمن ؟



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي



 ::

  تلمسان وحوض قصر المشور الجديد

 ::

  وليد الحلي : يناشد مؤتمر القمة العربية بشجب ومحاصرة الفكر المتطرف الداعم للارهاب

 ::

  العلاقات الجزائرية الإيرانية

 ::

  اليابان.. أسباب ندرة العنف

 ::

  حرب البسطات ومعارك الباعة الجوالة

 ::

  مع الاحداث ... أن موعدهم السبت !

 ::

  ياهو تبيع خدماتها الاساسية لمجموعة فيريزون لقاء 4,8 مليار دولار

 ::

  الربيع العربي وبرلمانات العشائر!

 ::

  توضيحات للاخوة السائرين خلف ما يسمى مشروع جمال الضاري

 ::

  دروس الفساد الأولى

 ::

  هؤلاء أضاعوا فلسطين ( لائحة العار: بعض من الدروز )

 ::

  وحي الصدور

 ::

  الرشوة اقتصاد خفي في مصر (3-3)

 ::

  داء الفيل ماهو؟ انواع تشوه الاوعية اللمفاوية






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.