Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: طب  :: علم نفس  :: البيئــة

 
 

تصحيح مسار تشخيص اضطراب قصور الانتباه وفرط الحركة
د فلاح بن محروت العنزي   Tuesday 19-07 -2016

يمكننا أن ندعو كيث كونرز أبو اضطراب قصور الانتباه وفرط الحركة (ADHD)، فقد حضر ولادة هذا التشخيص، ويحتمل أنه يعرف عن هذا الاضطراب أكثر من أي شخص آخر على وجه الأرض.
قبل خمسين عامًا مضت، وقبل أن يوجد تشخيص اضطراب قصور الانتباه وفرط الحركة ADHD، حلل كونرز بيانات أول تجربة لدواء ديكسترو-أمفيتامين المعروف تجاريًا باسم (Dexedrine) لدراسة فعاليته على الأطفال الذين لديهم عدم استقرار حركي واندفاعية. وبعد ذلك مباشرة، أجرى أول تجربة على الدواء الجديد المسمى حينها الميثيفينديت وطور كونرز مقاييس مقننة تستخدم لتقييم الأطفال في البحوث والممارسة العيادية، ولقياس تأثيرات المعالجة. وقدمت نتائجه الإيجابية عن أثر الدواء على الإدراك والاندفاعية والانتباه قاعدة يعتمد عليها مجال العقاقير النفسية للأطفال. وبسبب جهود كونرز، أصبح ما كان يعتبر حالة غامضة (تسمى حينها قصور دماغي خفيف) تشخيصًا رسميًا مقبولاً في الدليل الإحصائي التشخيصي DSM تحت اسم اضطراب قصور الانتباه وفرط الحركة ADHD. «سأشير من هنا فصاعدًا إلى اضطراب قصور الانتباه وفرط الحركة بالأحرف اللاتينية ADHD لطول الاسم ولتسهيل القراءة» (المترجم).

كان كونرز شخص لامع، تخطى المرحلة الثانوية إلى الجامعة (لم يدرس الثانوية)، وتخرج من جامعة تشيكاغو في عمر 16 سنة، وحصل على مرتبة الشرف الأولى في الفلسفة وعلم النفس والفيزيولوجيا كأستاذ لكلية روديس في جامعة أكسفورد، وحصل على شهادة الدكتوراه في علم النفس العيادي من هارفارد، وقد تعلم وزامل ودرس مع قادة علم النفس خلال نصف القرن الماضي. فإن أردت فهم تاريخ ADHD ووضعه الحالي ومساره المتوقع مستقبلاً فإن كونرز هو ضالتك. وقد كتب كونرز قائلاً: «لطالما فتنتي الأشكال المتقلبة التقليدية التي أشتهرت على يد علماء النفس الغشطلتيين، لقد بينوا المعضلة المحيرة المتمثلة في كيفية تفاعل الدماغ أحيانًا مع الإدراك. ألق نظرة طويلة مركزة على الصورة التالية: غالبيتكم ستشهدون نقلة مفاجأة في الوجه، من امرأة جميلة إلى امرأة قبيحة ثم عودة إلى الأولى مرة أخرى، وهكذا، وهذا يعني أن المعلومات البصرية نفسها يمكن أن ينظر إليها بطرق مختلفة تمامًا، أي نفس البيانات ونفس الشخص الملاحظ، لكن تختلف الإدراكات من لحظة إلى أخرى.
فأنا لسنوات عديدة، فسرت كل شيء يتعلق بـADHD بنظرة إيجابية، بما في ذلك التمويل المتزايد والاكتشافات البحثية المتراكمة، والوعي العيادي المتزايد بالاضطراب، وازدياد عدد الأطفال الذي تتم معالجتهم بالمنشطات، واهتمام الأبوين والمعلمين، والقوانين التي تجعل أطفال ADHD مرشحين للتربية الخاصة، وحتى دعم الشركات لبرامج التثقيف الصحي لجماعات الآباء مثل CHADD. كل ذلك بدا لي كحلول إيجابية لمشكلة مهمة تواجهها الأسر وأنظمة المدارس.
ولكن في يوم من الأيام طلب مني أن ألقي كلمة عن درجة انتشار ADHD الحقيقية، أي كما تقررها البيانات أو الإحصاءات الإمبريقية. وكنت على وعي مسبق أن أمريكا كانت محل سخرية في بعض الأوساط بسبب ولعها بفكرة الـADHD. فسجلات المواليد الأوربية الهائلة تبين معدلات أقل بكثير من تلك التي تسجل في الولايات المتحدة الأمريكية. وكانت زوجتي التي تعمل أخصائية نفسية مدرسية تخبرني أن أي طفل يسيء التصرف في المدرسة سيوصم من قبل المعلمين وبسرعة بتشخيص ADHD.

ولقد شككت دائما أن سبب المعدلات العالية «لتشخيص» ADHD ولوصف الدواء له هو أن الباحثين وضعوا أرقامهم بناء على تقارير الآباء، والذين بدورهم أسسوا اعتقاداتهم بناء على أحكام معلمين وأطباء ليس لديهم أدلة موثوقة، فمهما كانت ضخامة المسح البحثي فإن هذا النوع من البيانات لا قيمة له البتة، وذلك لسبب واحد وبسيط: عدم إجراء دراسة مكثفة لتاريخ كل حالة وتوفر التشخيص العيادي دون تمحيص. فالعدد الكبير من عينات المشاركين في أي دراسة يضمن الحصول على تشخيص ضعيف ومائع يتم عبر المقابلات الهاتفية، ويجرى من قبل أشخاص ليسوا ممارسين عياديين، وهذا ببساطة لأن التشخيص المدقق الذي يقوم به الممارسون العياديون مكلف جدًا. ولكل ذلك، فإن المعدلات المعلنة غير دقيقة ومبالغ فيها، فالحدود العليا التي تذكرها هذه الإحصاءات لا تمثل درجة انتشار الاضطراب الحقيقية.
ولكن يوجد استثناء واحد في هذه الأبحاث، ويتمثل في دراسة مسحية ضخمة في المقاطعات الغربية شمال كارولاينا، أجريت من قبل عالمي الوبائيات في جامعة ديوك أدريان أنغولد وجين كوستيلو. قام الباحثان بمقابلة آلاف الآباء وأطفالهم، مستخدمين أحدث طرق دراسة الانتشار. وصمما استمارة مقابلة شاملة، ودربا عشرات المقابلين، واستخدما دليلاً يضمن أن البحث طبق بطريقة متماثلة مع جميع الأسر المشمولة في البحث. ولأول مرة، في هذه الدراسة المعتبرة والحائزة على جوائز بحثية، اجتمع لدينا أعداد كبيرة من المفحوصين وفحص عيادي مفصل لكل حالة.
ولقد كانت نتائج هذا المشروع البحثي الرائع مخيفة، 1-2% فقط يمكن تشخيصهم بـ ADHD. وفوق ذلك، الكثير من الأطفال غير المضطربين وصفت لهم عقاقير منشطة. أيضًا، كان بعض الأطفال الذين تنطبق عليهم معايير تشخيص هذا الاضطراب لم يتم التعرف عليهم إطلاقًَا من قبل المهنيين الصحيين، أي أنه كان هناك إفراط وتفريط في التشخيص، ولقد تكررت هذه النتائج في دراسات تتبعية لاحقة.
لقد بدا لي بوضوح أن الزيادات المطردة بمرور الوقت في درجة انتشار ADHD كانت بسبب ممارسات الأطباء المدفوعة بعلم هزيل وبجاذبية الأرقام الكبيرة، وفي غياب العنصر الجوهري المتمثل في الدراسة العيادية لتاريخ الحالات، فالأطباء الذين في خط المواجهة الأول لديهم 20 دقيقة فقط للحصول على قصة يرويها الأب أو ليتابعوا وصف الأدوية أو العلاجات الأخرى البديلة للدواء، كانوا تحت ضغط يضمن وقوع الأخطاء في التعرف على اضطراب معقد مثل ADHD والتعامل معه.
ولقد قلبت مراجعتي إدراكي ونظرتي «لهذا الاضطراب». لقد شعرت، وعبرت عن ذلك للزملاء المصدومين، أن الإفراط في تشخيص ADHD كان بمثابة «وباء ذي حجم كارثي»، وهو كارثي لأن أطفالاً كثيرين يعطون التشخيص الخطأ، وهم حقيقة لديهم مشكلات مختلفة تحتاج لمعالجة مختلفة، أو أنهم صغار عاديون أعطوا معالجة لا يحتاجون إليها فعلاً، أو أن الأدوية التي توصف لهم تباع أو تعطى لطلاب آخرين يسعون لحلول سريعة للدراسة أو الحفلات، وهذا سبب أن كثيرًا من الطلاب في المدارس والكليات الآن يستخدمون العقاقير المنشطة، وهو سبب تزايد امتلاء غرف الطوارئ بالصغار الذين تعاطوا الجرعات الزائدة من هذه العقاقير.
ولقد كشف آلن شوارتز الصحفي في جريدة النيو يورك تايمز كيف أن الإعلانات الرهيبة المشيعة للمرض وفرت لنظام طبي متلهف بيانات إحصائية كاذبة، واعتمدت أيضًا هذه الإعلانات على تعاون «قادة فكر» غير أخلاقيين في مجال طب نفس الأطفال. وبالطبع، يتحمل الأطباء قدرًا كبيرًا من المسؤولية عن كل ذلك، لأن وصفات العقاقير المنشطة لا تعطى إلا من قبل الأطباء فقط. كما أن أكثر ممارسي الرعاية الأولية أو طب الطفولة العام مجتهدون وحسنو النية، لكن لديهم وقت قصير جدًا لا يكفي لمعرفة مرضاهم بدرجة كافية، ولديهم خبرة قليلة لا تمكنهم من الشك في صحة دعايات الشركات الدوائية المضللة.
ويثير قلقي أن أرى كيف أن أكثر زملائي احترامًا ينكرون الحقائق ويدفنون رؤوسهم في الرمال، لقد تحدثت مؤخرًا إلى أحد الأساتذة الناجحين في النشر والذي لديه «كرسي متميز في الطب النفسي والجينات» ولديه الكثير من الأعمال المنشورة عن ADHD. وسألته عن رأيه في اكتشافات تقارير صحيفة النيويورك تايمز عن دور شركات الأدوية في تشجيع الإفراط في التشخيص. فقال لي: «حقيقة لا أعرف الكثير عن الأرقام، فأنا لست خبيرًا في علم الوبائايات».
حسنًا، ولا أنا أيضًا، لكني أعرف كيف أميز الفرق بين دراسات تعتمد على المقابلات الهاتفية للآباء من جهة ودراسات تجري تقييمًا عياديًا حقيقيًا وذا قيمة. وفي عالم ADHD اليوم حلت التقارير اللفظية من الآباء والمعلمين والمقابلات المتعجلة محل دراسة تاريخ الحالة الأسري والنمائي، وأيضًا من يقوم بذلك غالبًا غير المدربين من ممارسي الرعاية الأولية أو طب الطفولة العام.
وإنني أعتقد الآن أن ADHD هو جزء من متصل طبيعي عادي يمتد من حالات تتسم بعدم استقرار ونقص انتباه خفيفين جدًا إلى حالات شديدة تتطلب المعالجة والتقييم التشخيصي الماهر من قبل ممارسين عياديين مدربين تدريبا عاليا «انتهى حديث كيث كونرز».
شكرا د. كونرز. إنه مما يؤلم القلب أن ترى التشخيص الذي قد يكون مفيدًا لقليل من الأطفال يصبح ضارًا عندما يطبق بشكل خطأ على الكثير من الأطفال. ADHD مثال جيد على ذلك، لكن يوجد غيره كثير: التوحد والاكتئاب واضطراب ثنائي القطب واضطراب ضغوط ما بعد الصدمة واضطراب القلق المعمم واضطراب الأكل الشرهي وغير ذلك.
ولطالما كان تاريخ الطب النفسي تاريخ تقليعات «أو موضات عابرة». وكما أشرت أنت بواسطة صورة الغشتلت، يمكن أن يفسر الكرب الإنساني بطرق كثيرة مختلفة، تأتي الواحدة منها وتسود لفترة ثم سرعان ما تزول كموضة.
والجديد الآن هو تسويق وتجارة الاضطرابات النفسية لزيادة ربح صناعة الدواء (بيع المرض من خلال إشاعته المستمرة كي تسوق الحبة)، فالأطباء المضغوطون والمرضى القلقون تقبلوا فكرة الطبابة الدوائية لكل مناحي الحياة اليومية مصورين أشكالاً مختلفة من الكرب والاختلاف على أنها اضطرابات عقلية.
إن تشخيص ADHD يجب أن يكون الخيار الأخير، وليس رد فعل تلقائي (آلي) ولا محاولة لحل سريع، فالأعراض يجب أن تكون تقليدية واضحة وشديدة ومستمرة عبر الوقت، ومنتشرة شاملة عبر المواقف المختلفة، وبدايتها مبكرة، وتسبب كربًا وضررًا أو عجزًا كبيرين. ويجب أن تأتي المعلومات من ملاحظة مباشرة مدققة ومن مخبرين متنوعين يعلمون جيدًا وضع الطفل المفحوص، ويجب أن يمتد التقييم عبر أسابيع أو أشهر، وذلك لأن الأطفال يمكن أن يتغيروا بدرجة كبيرة من زيارة لأخرى. ويجب أن يسبق التشخيص انتظار متأن وفاحص، ونصح وتدريب للأبوين، وتغييرات بيئية وخفض للضغوط وعلاج نفسي (أي لا دوائي).
نصرف حاليًا أكثر من 10 ملايين دولار سنويًا على عقاقير توصف لـADHD، وهذه زيادة تساوي 50 ضعف ما كان يصرف قبل عشرين عامًا، والكثير من هذا مال مهدر، وعلى علاج دوائي يصرف لأطفال وصموا خطأ بهذا التشخيص، فدراسات كثيرة من عدة دول تبين أن احتمال التشخيص بـADHD لأصغر الأطفال في الفصل الدراسي يساوي ضعفي احتمال تشخيص أكبرهم. لقد جعلنا من عدم النضج الطبيعي اضطرابًا عقليًا، وإنه لمن الأحكم أن تصرف غالبية هذه الأموال على إيجاد فصول دراسية أصغر وعلى زيادة حصص التدريب الرياضي.
لقد قدم لنا كيث كونرز خدمة كبيرة، نأمل من أن انتباهه للإفراط في تشخيص ومعالجة ADHD سيمثل نقطة تحول مهمة نحو إنهاء الموضة. وفي ظل الوضع الحالي للتشخيص، يتوقع أن 15% من الأطفال في أمريكا سيوضع عليهم وسم ADHD في عمر 18 سنة. فيجب على الممارسين العياديين والآباء والمعلمين أن يقاوموا الضغوط، وأن يتأكدوا أن يقتصر التشخيص والعلاج على أولئك الأطفال الذين يحتاجون إليهما حقًا ويستفيدون منهما.

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  التوريث إهانة للمصريين

 ::

  قصة خط سكة حديد القدس (الترامواي) والتعاون بين فرنسا والكيان الصهيوني

 ::

  مناوشات بحرانية لعشاق الكشف والشهود في مناهج الحوزة الدينية ج/5

 ::

  الحكومة العميلة في العراق تحرق كتاب الله

 ::

  يافَاتِناً مَاأبْدَعَكْ

 ::

  ظلم الضعيف

 ::

  "فيلم البيت المفقود"

 ::

  ونسأل السيدين مسعود البرازاني وجلال الطالباني

 ::

  العولمة في عهد أوباما

 ::

  حكاية : السّعد . وعد .....من حكايات التراث الشعبي الفلسطيني



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي



 ::

  الغراب ....!

 ::

  انقلاب تركيا.. الغموض سيد الموقف

 ::

  الحماية التأديبية للمال العام

 ::

  جريب فروت: الحل الامثل لإنقاص الوزن

 ::

  من هنا.. وهناك 17

 ::

  “بوكيمون” تحول الكعبة المشرفة لساحة قتال وتجميع نقاط

 ::

  تداعيات الحراك السوري على العلاقات التركية الروسية

 ::

  بالتفاصيل والأرقام.. الاحتلال يسيطر على أكثر من 85% من فلسطين التاريخية بعد النكبة

 ::

  الخطبة فى الإسلام زواج

 ::

  صناعة الذبح

 ::

  حكايةُ طفلٍ .!!

 ::

  سياسات " ليبرمان " .. إلغاء حظر زيارة الأقصى والاستيطان وهدم منازل الفلسطينيين

 ::

  يومٌ في الناقورة على تخوم الوطن

 ::

  أنا أملك الحقيقة المطلقة






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.