Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

الإسلام والماركسية علاقة الالتقاء والاختلاف 3
محمد الحنفي   Sunday 07-08 -2016

 الإسلام والماركسية علاقة الالتقاء والاختلاف 3  11) ) اكتشاف المنطلقات العلمية الذي يعتبر إبداعا ماركسيا بامتياز لتأسيس فكر اشتراكي علمي حقيقي. فإن الفكر الاشتراكي العلمي ليس مجرد وهم، انه المقولات و القوانين المكونة لمنهج التحليل العلمي التي نرى انه لابد فيها من :
أ- مادية الواقع المتجسدة في الواقع نفسه، و بمختلف مكوناته الروحية و المادية بمظاهر طبيعته و بمجتمعه، و بقوانينه الطبيعة الاجتماعية، بتراثه الحضاري و ما يزخر به من علوم و آداب و ثقافة، و بعاداته و تقاليده و أعرافه، بكل تحولاته التي لا ترى بالعين المجردة.
ب- القوانين الطبيعية التي اكتشفها و يكتشفها العلم الحديث في كل يوم تقريبا، سواء تعلق الأمر بالطبيعة أو بالمجتمع لأن تلك القوانين المكتشفة تساعد على فهم الواقع في أبعاده المختلفة لأجل توظيف ذلك الفهم في إعادة صياغة الواقع.
ج- الأصل هو الوجود أولا ثم بعد ذلك يأتي التفكير الذي يقود إلى عملية الاستدلال على ذلك بكل الوسائل الممكنة بما فيها الجانب الروحي الذي يشترط فيه الوجود الاجتماعي.
د- التطور الذي يحصل باستمرار في الطبيعة و في المجتمع الذي يخرج عن إرادة الإنسان و يكون محكوما بالقوانين الطبيعية و الاجتماعية و هي قوانين موضوعية لازال الإنسان منشغلا بالبحث عنها. و العمل على اكتشافها موظفا في سبيل ذلك كل الإمكانيات العلمية التي اصبح يتوفر عليها.
و الماركسية لا تتوقف عند حدود تفسير الواقع، و لا تعمل على تغييره بل تسعى إلى التعمق في فهم تلك المنطلقات التي تقود إلى ضبط منهج التحليل العلمي الماركسي الهادف إلى اكتشاف ما يجبه من اجل تغيير الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و السياسي، تغييرا يكون في خدمة تحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية التي تعتبر ركائز لتحقيق كرامة الإنسان التي هي قوام وجوده الاجتماعي.
و بذلك السعي الماركسي يصبح الإنسان حاضرا في عمق الوجود و عاملا باستمرار على حماية وجوده الذي لا يقوى و لا يتوطد إلا بحفظ كرامته في أبعادها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية و الحقوقية و المعرفية و العلمية و الروحية، و هي أبعاد ضرورية لوجود الإنسان أولا، و لحفظ كرامته ثانيا.
و هكذا نجد انه في كل تفكير علمي سليم لابد من منطلقات سليمة. و المنطلقات السليمة تحتاج منا إلى التوقف عندها، و هو ما فعلته الماركسية منذ ظهورها، و هو ما تفعله و ستفعله إلى ما لا نهاية. لأن العلم الماركسي هو علم المستقبل، و ليس ما يدعيه علماء المستقبليات الذين تختلف منطلقاتهم، فينتجون فكرا مثاليا لا علاقة له بالعلم. ويساهمون بسبب ذلك في تضليل شرائح عريضة من أفراد المجتمع و هو ما لا يقوى عليه إلا المضللون الذين يسمون أنفسهم مستقبليين.
12) جعل الطبقة العاملة و سائر الكادحين يحملون آمالا في المستقبل بدون حدود، و هو أمر لم يكن قائما قبل ظهور الماركسية. فقد كان السائد هو قبول العمال و الكادحين بما يمارس عليهم من قبل المستغلين من العمال و الكادحين. و الماركسية عندما تقلب الوعي و تعيده إلى طبيعته، إنما تحوله من وعي زائف إلى وعي حقيقي في فكر و وجدان و ممارسة العمال و الكادحين. و لذلك نجد البورجوازيين و الإقطاعيين و كل المستفيدين من الاستغلال يفقدون صوابهم، و يسعون إلى مقاومة الماركسية بكل الوسائل، و يوظفون بالدرجة الأولى الدين الإسلامي و سائر الديانات الأخرى، و يعملون على إنشاء تنظيمات دينية متطرفة للعب هذا الدور، و يخترقون سوق الكتاب و الإعلام السمعي البصري و المكتوب/المقروء، بما يؤدي إلى خلق تيار عام في المجتمعات البشرية يجعل الجماهير الشعبية الكادحة و المقهورة تحارب الماركسية على أنها دعوة إلى الإلحاد، و هو ما يعطي الشرعية للاستغلال و يؤيده، و يعمل على تعميقه باعتباره قدرا، و ليس ممارسة طبقية استغلالية تقود المستفيدين من الاستغلال إلى تعميقه، و اعتبار ذلك أقصى ما وصلت إليه البشرية، أو ما اصبح يعرف بنهاية التاريخ.
و لتحقيق حمولة الآمال في المستقبل في صفوف العمال و باقي الكادحين لابد من :
أ- امتلاك الوعي الطبقي المتمثل بالخصوص في إدراك العلاقة القائمة بين العمال و باقي الكادحين من جهة، و المستغلين من البورجوازيين و الإقطاعيين و سائر المستفيدين من عملية الاستغلال من جهة أخرى، ثم العلاقة القائمة بين العمال و وسائل الإنتاج، و ما يحصل عليه العمال، و ما يذهب إلى جيوب المستغلين.
ب- إدراك أهمية التنظيم على جميع المستويات، و أهمية الانخراط فيه و دوره في تقوية صفوف الكادحين، و فرض احترامهم، و انتزاع مكاسب اقتصادية لصالحهم، لأنه بدون إدراك أهمية التنظيم، لا يحضر في وجدان العمال و في فكرهم، و في ممارستهم الرغبة في التنظيم، و السعي إلى نشأته، و الانخراط فيه.
ج- المساهمة في بناء معرفة مكونات المصلحة الطبقية للعمال و الكادحين عن طريق تكوين ملفات مطلبية و عامة تكون موضوعا للنضال بواسطة الإطارات النقابية و الجمعوية و الحقوقية.
د- وضع برامج للنضال تتناسب مع طبيعة التنظيم الجماهيري الذي ينخرط فيه العمال و الكادحون من اجل انتزاع المزيد من المكاسب لتحسين الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية للعمال و الكادحين.
ه- المساهمة الإيجابية و الفعالة في بناء البرنامج السياسي لحزب الطبقة العاملة، و سائر الكادحين حتى لا يكون ذلك البرنامج مملى من فوق، و حتى يراعى فيه تعبيره عن واقع بعينه. مما يجعل المعنيين به ينخرطون في النضال من اجل تحقيقه في أفق التغيير الشامل للنظام الاستغلالي القائم في مكان ما.
و بالدفع بالعمال في اتجاه امتلاك الوعي الطبقي، و الوعي لا يكون إلا طبقيا، و العمل على اجرأة ذلك الوعي، فإن العمال و سائر الكادحين يحولون اليأس إلى أمل، و الاستسلام إلى مقاومة الاستغلال، و الخضوع للنظام الاستغلالي إلى رفض ذلك النظام، و السعي إلى تغييره بنظام آخر ينتفي فيه الاستغلال.
13) احترام مقومات الشعوب الروحية و الحضارية، لأن تلك المقومات تعتبر شيئا ماديا ملموسا في حياة الشعوب، و لا يمكن أبدا استئصالها و القضاء عليها. و من عملية المنهج العلمي الماركسي الاعتراف بتلك المقومات، و استحضارها في التحليل الملموس للواقع الملموس، و في هذا الإطار لابد أن تستحضر الماركسية معتقدات الشعوب، و دور تلك المعتقدات في تحقيق وحدة كل شعب على حدة. و في العمل على إيجاد علاقات الاحترام بين الشعوب التي تجمعها نفس المعتقدات على اختلاف ألسنتها و ألوانها و انتمائها إلى قارات مختلفة، كالشعوب الإسلامية، و الشعوب المسيحية ... و هكذا.
و الماركسية عندما لا تستحضر المقومات الروحية و الحضارية للشعوب المعنية بالتحليل الماركسي تفتقد كونها علمية. و هي بذلك تفقد مبرر وجودها، لأن المقومات المستهدفة بالاعتبار تقود إلى :
أ- استحضار التاريخ الذي عاشه شعب من الشعوب، و ما حصل فيه من تطور اقتصادي، و اجتماعي، و ثقافي، و مدني، و سياسي و ما ترتب عنه من اكتساب مجموعة من المعتقدات. و ما تكون من عادات و تقاليد و أعراف. و اثر كل ذلك على حياة الأفراد و الجماعات و دوره في عملية التحول على المدى المتوسط و البعيد، أو في الجمود الذي تعرفه الحياة.
ب- استحضار المعتقدات السائدة و دورها في تحقيق وحدة الشعب و العوامل التي ساعدت على ذلك، و ما مدى تأثيرها في حياة الناس و توجيه سلوكهم الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي.
ج- استحضار الإبداعات الحضارية التي تربط الشعوب بتاريخها و جعلها تستحضر التاريخ من اجل الاستقواء به أمام الشعوب الأخرى، و الاستعانة به على الحاضر من اجل مستقبل افضل.
د- استحضار مكتشفات الشعوب العلمية، و إبداعاتها في هذا المجال و دور كل ذلك في تكون تراث روحي لدى شعب من الشعوب برفع مستواه إلى صدارة الشعوب المتحضرة.
و باستحضار هذه المكونات الروحية للشعوب تكتسب الماركسية موضوعيتها التي هي الجوهر فيها. و تعرب في نفس الوقت عن عدم عدائها لما هو روحي و عقائدي لتتجاوز بذلك التحريف الذي لحقها، و لتسترجع مكانتها في أوساط الكادحين لأن التحليل المادي للواقع لا يعني أبدا التركيز على الجانب المادي، بل يعني استحضار كل العناصر المكونة لذلك الواقع حتى و إن لم تكن مادية لدورها في توجيه حركة الواقع باعتبارها حركة مادية صرفة، و الحركة لا تكون إلا مادية.
و إذا سلمنا بالفصل بين المثالي و المادي في المنطلقات، فإن ذلك الفصل لا يمتد أبدا إلى مكونات الواقع التي تجمع بين ما هو روحي أو عقائدي الذي يوجد ملازما للمجتمع البشري، و بين مادية ذلك الواقع و في ذلك المجتمع.
انه إذن التحليل الماركسي الذي لا يلغي أي عنصر من عناصر الواقع، و بالتالي فإن نفي أي عنصر سيؤدي إلى عكس ما يهدف إليه التحليل العلمي الصحيح، و يتوصل إلى نتائج قد لا تكون علمية، و هذا هو الخطأ الذي وقع فيه الماركسيون حينما اعتبروا المكونات الروحية و العقائدية لشعب من الشعوب مكونات مثالية، و لا يعتبرونها في التحليل ليتوصلوا بعد ذلك إلى نتائج تؤدي إلى إعلان العداء للماركسية من قبل حاملي المعتقدات المختلفة، و هو ما تعاني منه الماركسية إلى اليوم.
14) عدم التمييز بين الناس على أساس اللون أو العرق أو الدين أو اللغة، لأن العلم الماركسي يرفض ذلك التمييز لاعتبارات نذكر منها :
أ- أن المستهدف بذلك العلم هو الإنسان أنى كان لونه أو جنسه أو لغته أو دينه أو عرقه، فهو الإنسان بخصائص معينة يجب استحضارها في التحليل دون توظيفها في التفريق بين الناس و العمل على استثمارها في تحقيق الوحدة في إطار التنوع.
ب- أن الغاية هي تحقيق كرامة الإنسان كيفما كان، و أنى كان جنسه أو لونه أو عرقه أو دينه.
ج- أن دعم تحقيق الكرامة لا يتم إلا بتمتيعه بحقوقه الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية لأنه بدون تمتيعه بها تبقى كرامته مهدورة.
د- أن حماية تلك الكرامة لا تحصل إلا بتوفير الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية. فالحرية تمكن الإنسان من التعبير عن آلامه و آماله، و طموحاته و تطلعاته الفردية و الجماعية. و الديمقراطية تمكنه من المساهمة في تقرير مصير وطنه الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي. و العدالة الاجتماعية تتيح له فرصة الاستفادة من الخدمات الاجتماعية و من دخل يتناسب مع حاجياته المادية المعنوية.
و هذه الاعتبارات وغيرها توضح لنا إلى أي حد يصير العلم الماركسي وسيلة لتحقيق الوحدة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية بين البشر على مستوى الدولة الواحدة، أو على مستوى مجموعة من الدول أو على المستوى العالمي. و هذه الوحدة في الرؤيا و في التصور و في الممارسة هي أرقى ما يمكن أن يحققه الإنسان، و قد كان العلم الماركسي سباقا إليه من اجل رفع مكانة الإنسان إلى مستوى تحقيق الكرامة الشاملة التي لا تتقيد لا بالدين و لا بالعرق و لا باللغة و لا باللون. و قد حدا حدو العلم الماركسي ما اصبح يعرف بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي كان وراء صدور مجموعة من المواثيق الدولية المتعلقة بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و مجموعة من المواثيق الدولية المتعقلة بحقوق المرأة و الطفل و العمال و نشطاء حقوق الإنسان. إلا أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و ما تلاه من مواثيق لم يرق إلى التصور الذي أبدعه العلم الماركسي الذي رصد أسباب الانتهاكات الحقوقية الحقيقية، و المتجلية بالخصوص في عدم وضع حد ابدي لاستغلال الإنسان لأخيه الإنسان و بكافة الوسائل الاقتصادية و الاجتماعية و الأيديولوجية و السياسية، و هي وسائل ترتبط أساس بالأنظمة الاستغلالية السائدة.
فالحديث عن حقوق الإنسان في مجتمع يتكرس في إطاره الاستغلال هو مجرد تلميع للنظام الاستغلالي السائد فيه، و إكسابه شرعية الاستمرار في تكريس ذلك الاستغلال.
و لذلك فحقوق الإنسان يجب أن تكون مقرونة بالسعي إلى القضاء على الأنظمة الاستغلالية الهمجية و هو ما يرى العلم الماركسي نجاعته، و سبيلا حقيقيا إلى تحقيق كرامة الإنسان على جميع المستويات.
15) إعطاء مضمون جديد للديمقراطية، قائم على أساس الحرية و العدالة الاجتماعية. فالمضمون الذي كان سائدا عن الديمقراطية هو المضمون الانتخابي وفق قوانين انتخابية قد لا تكون محترمة في معظم الأحيان. و قد يطالها التزوير الذي تشهد به الوقائع في معظم الدول بما فيها الدول التي تدعي أنها قطعت أشواطا بعيدة في هذا الإطار.
أما العلم الماركسي فلا يرى الديمقراطية إلا من المنظور الشمولي الذي يشمل المضامين الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية على مستوى الممارسة اليومية.
فالمضمون الاقتصادي للديمقراطية لا يتحقق إلا بالتوزيع العادل للثروة وفق قاعدة " لكل حسب حاجته و على كل حسب قدرته" و هي قاعدة لا تستثني أي إنسان من الاستفادة الاقتصادية في حالة وجود عائق مانع من العمل بصفة مؤقتة، أو بصفة دائمة. و هذه الرؤية لكيفية توزيع الدخل تقطع الطريق أمام أمرين اثنين :
الأمر الأول : الاستبداد بالثروة دون سائر مستحقي تلك الثروة كما يحصل في النظام الاستغلالي.
الأمر الثاني : التقاعس عن العمل الواجب حتى تتم الاستفادة من الدخل بشرط أن يكون العمل متناسبا مع المؤهلات التي يتمتع بها الإنسان.
و المضمون الاجتماعي لا يتحقق إلا بتعميم الخدمات الاجتماعية على جميع أفراد المجتمع كالتعليم و الصحة و السكن و التشغيل و كل الخدمات الأخرى لأنه بتلك الخدمات تتحقق إنسانية الإنسان على المديين القريب و البعيد، و بانعدامها يحال الإنسان على الحرمان الجزئي أو الكلي من تلك الخدمات، و هو ما يعتبر مسا بكرامة الإنسان و إهدارا لها.
أما المضمون الثقافي فيعني إتاحة الفرصة أمام المكونات الثقافية من اجل المساهمة في الإثراء الثقافي، و منع قمع أي مكون كيفما كان، ذلك أن القمع يتناقض مع الممارسة الديمقراطية.
وبخصوص المضمون المدني للديمقراطية فيتجسد في المساواة بين الناس بقطع النظر عن جنسهم أو لغتهم أو عرقهم أو لونهم أمام القانون كيفما كان مستواهم المادي أو الأدبي، و مهما كانت مسؤولياتهم الإدارية و السياسية.
و على المستوى السياسي فإن مضمون الديمقراطية يستهدف الحريات العامة، و حرية الانتماء الحزبي و النقابي، و المساهمة في إقرار دستور ديمقراطي، و وضع قوانين انتخابية سليمة، و اكتساب حق الترشيح و التصويت لكل الناس على أساس المساواة و حق تحمل المسؤولية السياسية أنى كان مستواها.
و نظرا لأن العلاقة القائمة بين الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية و ما يصطلح على تسميته بالديمقراطية في ظل مجتمع استغلالي تنتفي فيه الحرية و العدالة إنما هو ممارسة تهدف إلى التضليل، و تلميع الأنظمة الاستغلالية الاستبدادية و إكسابها شرعية الاستمرار، و إيهام الناس بصلاحيته. و بذلك تصبح الديمقراطية محرفة عن الهدف من وجودها لتخدم أهدافا لا ديمقراطية في إطار اختيارات لا شعبية، و هو ما يجب التصدي له و تعريته على المستويات القريبة و المتوسطة و البعيدة من اجل إعادة الاعتبار إلى المفهوم الصحيح للديمقراطية الذي لا يتحقق إلا في إطار الربط الجدلي بين الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية التي لا تعني في عمقها إلا تحقيق المجتمع الاشتراكي في نهاية المطاف. و لكن برؤى جديدة، و تصور جديد يعكس حقيقة المنهج الماركسي العلمي، و يأخذ بعين الاعتبار مظاهر التحريف التي لحقت الاشتراكية و المجتمع الاشتراكي الذي لا يكون إلا عادلا و متحررا و ديمقراطيا، و ينبذ الممارسة الدوغمائية التي لا تعني إلا إيجاد مبرر لتكريس استبداد معين، و مصادرة الآراء الأخرى.
16) التعامل مع الواقع باعتباره كيانا متطورا في جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و على مستوى العلوم و الآداب و الفنون، لأن علمية العلم الماركسي تقتضي التعامل مع الأشياء على أنها متحولة باستمرار و هذا التحول يسير في اتجاه التطور :
أ- على المستوى الاقتصادي نجد أن العلم الماركسي أتبث أن المجتمعات البشرية مرت بمراحل اقتصادية رئيسية تتلخص في مراحل المشاعة، و العبودية، و الإقطاع و الرأسمالية ثم الاشتراكية مع اختلاف في المرور من نفس المراحل من منطقة إلى أخرى. نظرا لاختلاف الشروط الموضوعية التي تؤدي إلى إنضاج شروط بروز مراحل معينة أو عدم إنضاجها.
ب- على المستوى الاجتماعي نجد أن المجتمع يرتبط بشكل كبير بالمراحل الاقتصادية المختلفة، فيتطور بتطور الاقتصاد و تتطور تبعا لذلك معارفه، و طرق عيش الناس، و كيفية التفكير و التعامل، مما ينعكس على تطور العادات و التقاليد و الأعراف و القوانين لينتقل الناس من مستوى اجتماعي إلى مستوى آخر مختلف عنه. فالمجتمع المشاعي ليس هو المجتمع العبودي، و ليس هو المجتمع الإقطاعي، و ليس هو المجتمع الرأسمالي، و ليس هو المجتمع الاشتراكي. لأن كل مجتمع يشكل نقلة نوعية عن المرحلة التي سبقته و سيستمر ذلك التطور إلى ما لا نهاية حتى في إطار النظام الواحد فإنه يستمر في التطور حتى يستنفذ مهامه، و يجنح إلى التفسخ لاعطاء نظام آخر.
ج- و على المستوى الثقافي نجد أن الثقافة أيضا تتطور تبعا لتطور أحوال الناس الاقتصادية و الاجتماعية. فالثقافة باعتبارها تعبيرا عن مختلف المقومات التي تحكم سلوك الناس و توجهه، لا يمكن أن تبقى ثابتة، بل تتطور تبعا لتطور المجتمع الذي يعرف تطورا في القيم التي تكون سائدة فيه.
د- و على المستوى المدني، فالنظرة إلى الإنسان تتغير من مرحلة إلى أخرى فهو في مرحلة المشاعة عاش المساواة الطبيعية، و في مرحلة العبودية يفقد جزء مهم المجتمع حريته، و في مرحلة الإقطاع يستعبد الإقطاعيون معظم البشر بواسطة الأرض التي يسيطرون عليها، و في مرحلة الرأسمالية يرغم العمال على بيع قوة عملهم إلى الرأسماليين الذين يملكون وسائل الإنتاج. أما في المرحلة الاشتراكية، فالناس أمام القانون سواء و لا وجود لأي تمييز على أساس جنسي أو عرقي أو لغوي أو ديني لأن أهم ما تقوم به الاشتراكية هو تذويب الفروق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و القومية و الجنسية و اللغوية و الدينية.
ه- و على المستوى السياسي نجد أن الممارسة السياسية في مرحلة المشاعة رهينة بإرادة الطبيعة و في العبودية تصير السلطة المطلقة بيد الأسياد الذين يفعلون ما يشاءون في العبيد دون حسيب أو رقيب و في الإقطاع يكون الأمر بيد الإقطاعيين الذين يتحكمون في كل شيء. و في المرحلة الرأسمالية يكون النظام الرأسمالي ملمعا نفسه بما يسميه بالديمقراطية المنتجة للنظام البرلماني، أما المرحلة الاشتراكية الحقيقية – إذا تحققت- فالذي يسود هو الشعب الذي يستطيع –حينذاك- تقرير مصيره بنفسه.
و تبعا للتطور الذي يحصل في المجال السياسي نجد تطورا آخر يتعلق بالممارسة الأيديولوجية التي تختلف من مرحلة إلى أخرى، كما تختلف حسب تطور و اختلاف الطبقات الاجتماعية.
17) و من أهم ما أنجزه العلم الماركسي اكتشاف أن تاريخ البشرية هو تاريخ الصراع بين الطبقات، و ليس تاريخ الوقائع و الأحداث و السلالات و السلوك و الأنظمة التي حكمت.
و هذا الاكتشاف العلمي في مجال التاريخ يعيد الأمور إلى حقيقتها و يسعى إلى إعادة الاعتبار للطبقات الاجتماعية التي تنسب صراعاتها إلى الأفراد، و هو ما لم يكن واردا في التاريخ حسب المفهوم الماركسي. فالأفراد يمكن أن يلعبوا دورا تاريخيا معينا إلا أن ذلك الدور لا يتجاوز مجرد تجسيد دور الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها ذلك الفرد.
و بناء على هذا الاكتشاف العلمي الماركسي العظيم، فإن تاريخ البشرية ابتدأ بانقسام المجتمع إلى طبقتين رئيسيتين تسيطر فيه إحداهما على الطبقة الأخرى و تسخر الطبقات الوسطى لخدمة تلك السيطرة و دعمها.
و لذلك لا نجد حديثا وافيا عن مرحلة المشاعة، لأن هذه المرحلة لم تعرف صراعا بين البشر الذين كانوا يشكلون جزءا من الطبيعة و يصارعون ضمنها انطلاقا من حاجتهم إلى الغذاء و الكهوف و الأمن من الحيوانات المفترسة. و هي أمور وظف فيها البشر وسائل بدائية للحصول على حاجتهم، و الدفاع عن أنفسهم، و ضمان استمرار الجنس البشري. و هذه الوسائل تطورت مع مرور الوقت لتصبح وسيلة للسيطرة على مكونات الطبيعة بما فيها جزء مهم من البشر الذين يرغمون على خدمة من يملك وسائل التطور لينقسم المجتمع إلى طبقة الأسياد المالكين لوسائل السيطرة الطبقية، و العبيد الذين لا يملكون أي شيء من ذلك. و نظرا للاستغلال البشع الذي مورس على العبيد في هذه المرحلة فإنهم ينتفضون للخلاص من العبودية و يصارعون من اجل ذلك. و قد أدى صراع العبيد إلى انفراز مرحلة أخرى بعد اكتشاف الزراعة و أهمية الأرض و هذه المرحلة هي مرحلة الإقطاع التي يتحول فيها العبيد إلى اقنان (عبيد الأرض) يخدمون الأرض لصالح الإقطاعيين الذين يملكونها. و عملية استغلال الأرض كانت وراء أبحاث عدة اقتضت تطوير المعارف المختلفة المتعلقة بإنتاج البضائع المستعملة في استغلال الأرض، و هو ما يؤدي إلى حصول تطور في العلوم و الآداب و الثقافة، و هو ما أدى إلى اكتشاف الآلة البخارية التي شكلت ثورة في حياة البشرية لمساهمتها في تطوير وسائل إنتاج البضائع التي أفرزت أهمية العمل في المشاغل التي تحولت فيما بعد إلى معامل تجذب إليها عبيد الأرض الذين كانوا يصارعون من اجل التحرر من الارتباط بالأرض لتأتي بعد ذلك المرحلة الرأسمالية التي ينقسم فيها المجتمع إلى طبقتين رئيسيتين : طبقة البورجوازيين الذين يملكون وسائل إنتاج البضائع و الطبقة العاملة. و هذه المرحلة التي قامت على رفع شعارات الحرية و الديمقراطية، و حقوق الإنسان في بدايتها، ثم تحولت إلى مرحلة يعاني فيها العمال من همجية الاستغلال الذي يزداد همجية مع مرور الأيام. و بسبب قدرة الرأسمالية على الاستفادة من تطور العلوم و الآداب و الفنون و الثقافة و بسبب قصور الاشتراكيين عن تطوير الفكر الاشتراكي حتى يستطيع استيعاب التحولات المتسارعة في مختلف المجالات، و يوظفها لصالح الفكر الاشتراكي العلمي و النضال من اجل الاشتراكية.
18) اعتبار الواقع المادي أساسا لذلك الصراع، لأن الواقع المادي بتحوله و تطوره هو موضوع الصراع. فهو في مرحلة المشاعة مجرد ملاذ نلجأ إليه للحصول على حاجتنا الضرورية في الأكل و الشرب و المأوى و تلبية الرغبات... و في مرحلة العبودية يتحول إلى رغبة في السيطرة على بعض مكونات الطبيعة بعد اختراع وسائل معينة مكنت جزءا من الناس من اصطياد الحيوانات و تدجينها، و السيطرة على جزء من البشر كعبيد ليكون في خدمة الإنسان.
و في مرحلة الإقطاع تتحول الحاجة إلى الأرض و إلى من يعمل فيها لانتاج الخيرات لصالح الإقطاعيين . و ما يقتضيه ذلك من تطوير للوسائل المستعملة في مجال الزراعة . و هو ما ولد حاجة أخرى إلى صناعات معينة ترتبت عنها الرغبة في تطوير المعرفة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و هو ما انتج لنا ثورة علمية و تقنية انعكست على الإنتاج الصناعي الذي ظهرت أهميته و نجاعته، و هو ما انعكس على تطور الطبقات الاجتماعية لتحل مرحلة أخرى تتناسب مع الواقع الجديد هي المرحلة الرأسمالية التي تتصارع فيها طبقتان رئيسيتان هما : الطبقة البورجوازية و الطبقة العاملة. فالطبقة البورجوازية تحرص على التراكم الرأسمالي. و توظف في سبيل ذلك كل الإمكانيات، و الطبقة العاملة تحرص على التوزيع العادل للخيرات التي تنتجها.
و بذلك نجد أن الواقع المادي المتطور هو موضوع الصراع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و السياسي من اجل السيطرة عليه و السعي إلى مضاعفة الاستفادة منه لصالح الطبقة التي تملك أدوات السيطرة الطبقية القمعية و الأيديولوجية لتأبيد سيطرتها على جميع المستويات لاجل استدامة استفادتها.
29) تفنيد الأسس العرقية و الدينية و اللغوية للصراع، و اعتبارها مجرد تحريف للصراع الطبقي الحقيقي لأن الصراع القائم على هذه الأسس هو صراع غير حقيقي. و حتى تتجنب الماركسية صراعا من هذا النوع تعترف بتعدد الأعراق و اللغات و القوميات و الديانات. ذلك التعدد الذي يقوم على أسس موضوعية، و الذي يجب أن يتحول إلى ممارسة أيديولوجية معبرة عن مصلحة طبقية مبطنة.
فالتفاعل بين الأعراق و اللغات و القوميات و الديانات يجب أن يحصل في مناخ ديمقراطي لا توجد فيه أية سيطرة لعرق أو لغة أو قومية أو دين على الباقي. و بالتالي فالصراع الواحد الشرعي هو الصراع الطبقي الذي يعرف عدة مستويات نستعرض منها :
أ- المستوى الاقتصادي الذي يقتضي الصراع من اجل تقليص الفوارق الطبقية و تمكين جميع أفراد المجتمع من الاستفادة من الدخل الوطني.
ب- المستوى الاجتماعي الذي يعرف صراعا من اجل التمتع بحق التعليم و التطبيب و السكن و الشغل بما يتناسب مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
ج- المستوى الثقافي الذي يسمح بتفاعل الثقافات التي يجب أن تتاح لها الفرصة في التفاعل و الاستفادة من مختلف الأدوات الثقافية و من وسائل الإعلام المختلفة على أساس المساواة.
د- المستوى المدني حيث يتم الصراع في هذا الإطار من اجل تحقيق المساواة بين الناس أمام القانون مهما كانت الطبقة التي ينتمون إليها و مهما كانت مسؤولياتهم، و كيفما كان عرقهم أو لغتهم أو جنسيتهم أو دينهم أو قوميتهم. و بتحقيق تلك المساواة على المستوى القانوني و على مستوى الممارسة تتحقق دولة القانون.
ه- المستوى السياسي الذي يجري فيه الصراع من اجل اكتساب حق تقرير المصير على المستوى الدستوري من اجل اكتساب حق التصويت و الترشيح، و وضع قوانين نزاهة الانتخابات الحرة و انتخاب مجالس محلية و جهوية و وطنية.
و هذه المستويات من الصراع التي أتينا على ذكرها تدخل في إطار ما يصطلح على تسميته بالنضال الحقوقي أو النضال الديمقراطي الذي يكتسي صفة الديمومة باعتباره صراعا يوميا و لحظيا و هادفا و لا يتم اللجوء إلى الصراع التناحري إلا في مرحلة معينة قد لا تدعو إليها الضرورة إذا تم احترام الممارسة الصحيحة في الصراع.
30) بيان أن الصراع ليس بين السماء و الأرض بقدر ما هو صراع بين البشر على الأرض. و من اجل فرض نمط معين من الإنتاج لأن ما كان سائدا قبل الماركسية هو اعتقاد الناس أن الصراع القائم يجري بين السماء و الأرض و بين الخير و الشر، و بين الإيمان و الإلحاد. و هذا النوع من الصراع هو مجرد تفسير يبثه المستغلون لتضليل الكادحين، و جعلهم يحملون معتقدات خاطئة حول الصراع. و لما ظهرت الماركسية و وظفت منهجها العلمي كشفت عن حقيقة الصراع، و بيان مدلوله و الوقوف على موضوعه.
و الماركسية عندما قامت بذلك إنما أنزلت الصراع من السماء إلى الأرض و جعلته قائما بين البشر باعتبارهم منقسمين إلى طبقات اجتماعية أصبحت تصنف في خانات اليمين و اليسار و الوسط. و هي بذلك تبعد العقائد المختلفة من الإقحام في الصراع، و تعتبرها قيما سامية تدخل في إطار المعتقدات الإنسانية التي يجب احترامها. إلا إذا تحولت إلى ممارسة إيديولوجية تظهر فيها تلك المعتقدات و كأنها متحيزة إلى المستغلين المالكين لوسائل الإنتاج المستفيدين من تراكم فائض القيمة ضد المستغلين الذين يشغلون تلك الوسائل بأجور قد لا ترتفع إلى مستوى تلبية الحاجيات الضرورية. و الماركسية بذلك تكشف عن مكونات عملية الإنتاج، و العلاقات القائمة فيها و درجة الاستغلال الممارس على المنتجين الحقيقيين و مدى معاناتهم و ما يجب عمله للتقليص من الاستغلال، و آفاق عمل القضاء النهائي على الاستغلال، و ما توصلت إليه الماركسية في هذا الإطار، و بمنهجها العلمي يوضح بشكل دقيق أن الصراع لا يمكن أبدا أن يجري بين السماء و الأرض بقدر ما يجري على الأرض و بين البشر. و بذلك يتحول الصراع من صراع مثالي إلى صراع مادي صرف، محكوم بشروط مادية، و يسعى إلى تحقيق أهداف مادية.
31) بيان افتعال الصراعات العرقية و العقائدية و القومية و اللغوية خدمة للطبقات المستغلة. و هذا الافتعال ليس إلا تعبيرا عن الممارسة الإيديولوجية الهادفة إلى تضليل الشعب و تضليل طليعته الطبقة العاملة. فالطبقة التي تستغل مجموع الشعب الكادح تسعى باستمرار إلى صرفه عن التفكير في مصدر الاستغلال و جعله يعتقد :
أ- أن السيطرة العرقية هي التي تقف وراء تجسيد الصراع بين الأعراق المختلفة التي يتكون منها الشعب فتصبح قبيلة ضد قبيلة مثلا ... و هكذا.
ب- أو أن تلك السيطرة تكون لدين على بقية الأديان أو لمذهب على بقية المذاهب في إطار الدين الواحد لتنتشر بذلك الطائفية و يشرع الناس في إذكاء الصراع فيما بينها.
ج- أو أنها تكون لقومية على باقي القوميات الأخرى فيمتد الصراع بين المنتمين إلى قومية معينة ضد قومية أخرى تسود.
د- أو أنها تكون للذين يتكلمون لغة معينة على باقي اللغات الأخرى، فتحتد الصراعات اللغوية بين متكلمي اللغات المختلفة.
و في جميع الأحوال فالصراع هنا غير طبيعي، و غير علمي و غير حقيقي، لأنه ليس صراعا طبقيا، و لأن المستغلين المالكين لوسائل الإنتاج ينتمون إلى مختلف الأعراق، و الأديان، و المذاهب، و القوميات، و اللغات. و لذلك يكون من الضرورة العلمية إتاحة الفرصة لمختلف المكونات من اجل البقاء في المجتمع بشكل طبيعي، و أن يتم تمكينها من وسائل التطوير و التطور على قاعدة احترام وحدة المجتمع و تجنب قيام تنظيمات جماهيرية على أساس عرقي، أو لغوي أو ديني أو قومي نظرا لما يترتب عن ذلك من روح النعرة الطائفية.
و في المقابل فالتنظيمات التي تقوم في المجتمع يجب أن تعبر عن الانتماء الأيديولوجي/الطبقي الذي يوجد في المجتمع ككل، سواء كان ذلك التنظيم مهنيا أو سياسيا. و أن يكون محدد الأهداف في حالة بناء تنظيم جماهيري واضح، و بذلك يحدث تنظيم الصراع بعيدا عن النعرة الطائفية التي تبقى عائقا أمام تطور المجتمعات و الشعوب.
32) بث الوعي العلمي الحقيقي في الفكر و في الممارسة، و الحرص على بث الوعي الحقيقي يعتبر جوهر الممارسة باعتبار ذلك الوعي وسيلة لمناهضة الوعي الزائف الذي يبثه المستغلون في المجتمع، و يعملون على تغلغله بين أفراد المجتمع. و الوعي العلمي لا يكون إلا طبقيا، لأنه يلعب دورا كبيرا في جعل الكادحين، و بالتحليل الملموس للواقع الملموس، يدركون خطورة ما يمارس عليهم من استغلال أيديولوجي و سياسي بالإضافة إلى الاستغلال المادي المترتب عن عدم تمتع الكادحين بمجموعة من الحقوق الاقتصادية التي تسرق لصالح المستغلين.

فالعلم الماركسي لا يكون علما إلا إذا عمل على جعل العلم قائما في وجدان الناس و فكرهم و في ممارستهم. لأنه بالعلم و بالعلم وحده، يتحول المجتمع إلى حامل للوعي الطبقي الذي يؤهل حامليه إلى إدراك أسباب الاستغلال الممارس عليهم. و من يمارسه ؟ و ما الغاية من ممارسة ذلك الاستغلال ؟ و ما طبيعته ؟ و بالبحث المستمر عن الإجابة تتم ممارسة الصراع الفكري و الأيديولوجي و يتعمق الوعي العلمي.
و بذلك يتبين أن دور الماركسية هو دور شمولي لا يدخل في اعتباره الصراع ضد الأديان و القوميات، و الأعراق و اللغات، بقدر ما يسعى إلى إكساب ذلك الصراع بعده الطبقي من اجل جعل الطبقات التي يمارس عليها الاستغلال الاقتصادي و الأيديولوجي و السياسي تقاوم ذلك الاستغلال و تسعى إلى القضاء عليه.
و هكذا نقف على مظاهر دور الإسلام، و دور الماركسية لنصل إلى أن جوهر كل منهما هو حفظ كرامة الإنسان. لكن هل يبقى للإسلام ذلك الدور ؟ و هل يبقى للماركسية دورها ؟ إن ما يمكن أن نسجله هنا هو أن الإسلام استهدف بتحويله إلى أيديولوجية، و الماركسية استهدفت بتحويلها إلى عقيدة.

تحويل الإسلام إلى أيديولوجية ممارسة تحريفية :
إن الشروط التي ظهر فيها الإسلام تقتضي تصحيح المعتقدات الخاطئة التي كانت سائدة بين الناس من قبل و خاصة بين العرب و التي أدت إلى حدوث تمزق في المجتمع يقود إلى حروب طاحنة بين البشر و الغاية من تصحيح المعتقدات الخاطئة هي توحيد العقيدة التي لا تكون إلا صحيحة كمدخل لتوحيد الناس. فتصيبهم الحروب المختلفة و المدمرة و لجعلهم يتفرغون لعملية التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية.
فتوحيد عبادة الله بظهور الإسلام يعتبر تحولا عظيما في تاريخ البشرية، لأنه ككل نقلة نوعية في اتجاه إخضاع الأمور إلى التحكيم العقلي الذي دعا إليه القرآن الكريم في غير ما آية بما في ذلك العبادات التي جاء فيها قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام "فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لا احب الآفلين. فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا اكبر، فلما أفلت قال يا قوم إني بريء بما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات و الأرض حنيفا و ما أنا من المشركين" فإبراهيم عليه السلام أدرك وحدانية الله و تجرده " لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار" باستخدام عقله في هذا الكون، و انطلاقا من الشروط التي أحاطت به و وصولا إلى النتيجة المتوخاة.
و في آية أخرى نجد قوله تعالى "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا" في إشارة إلى تعدد آلهة المشركين قبل الإسلام مما افسد المجتمع العربي في ذلك الوقت و ادخله في حروب مدمرة.
و قد أدى هذا التحول إلى توحيد العرب في نظام عربي واحد و الشروع في توحيد الأقوام المختلفة في ظل الدولة الواحدة التي أنشأها المسلمون و التي حكمت من المحيط الأطلسي إلى حدود الصين، و هو ما ترتب عنه تطور نوعي في الحياة البشرية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و انتج تراكما معرفيا و علميا و حضاريا لازال يعتبر مرجعا إلى يومنا هذا.
و لذلك فتوحيد عبادة الله لا يكون إلا بغاية تمرس البش على التوحد لا على التنمذج و التقولب.فالتوحد يعني مد الجسور بين البشر على اختلاف ألسنتهم و ألوانهم. فقد جاء في القرآن الكريم " إنا خلقناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا" و التعارف لا يكون إلا بإجراء الحوار بين طرفين مختلفين حول قضية من القضايا وصولا إلى ما يوحد لتجنب الحروب المدمرة.
غير أن ما نراه اليوم تبعا لما حدث في تاريخ الإسلام الذي يسجل تفرق المسلمين إلى فرق متعددة تدعي كل واحدة منها تمثيلها للإسلام و المسلمين. و ما ذلك إلا لاعتبار الإسلام و تأويل نصوصه تعبيرا عن مصلحة كل فرقة تتحول إلى حزب سياسي. فشيعة بني أمية و شيعة علي، و شيعة آل الزبير، و الخوارج كلها فرق/أحزاب يسعى كل منها إلى ربط الإسلام بالسياسة و جعله تعبيرا عن الموقف السياسي لحزب من الأحزاب. لتستمر الفرق/الأحزاب بعد ذلك موظفة الإسلام في مجال السياسة، و هو توظيف يهدف إلى النمذجة و القولبة كما يجري الآن في العديد من البلدان الإسلامية حيث يمكننا بكل سهولة التمييز بين المنتمين إلى الأحزاب المؤدلجة للإسلام من خلال طريقة تعامل الناس و شكل اللحية و نوع ما يوضع على الرأس تماما كما يتميز المنتمون إلى التيارات و الأحزاب الدينية الصهيونية و هذه النمذجة و القولبة لا علاقة لها بما جاء به الإسلام الذي يرى " أن الله لا ينظر إلى صوركم بقدر ما ينظر إلى قلوبكم و أعمالكم".
و لذلك فتحويل الإسلام إلى ممارسة أيديولوجية ينفي عنه كونه صالحا لكل زمان و مكان، كما ينفي عنه كونه دين الحرية على مستوى المعتقدات المختلفة "لا إكراه في الدين" و دين المساواة " لا فرق بين عربي و لا عجمي و لا بين ابيض و اسود إلا بالتقوى" و دين الإخاء و التسامح و المحبة " المومنون و المومنات بعضهم أولياء بعض" –قرآن كريم- و "المومن للمومن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا" –حديث شريف- و دين الحوار " و لا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي احسن" – قرآن كريم- لأن الأيديولوجيا تقتضي رفع شعارات نقيضة لما أوردناه من آيات و أحاديث مثل شعار "الإسلام دين و دولة" و شعار "الجهاد" و شعار "الدولة الإسلامية". لأن هذه الشعارات تقتضي الإقصاء و نفي الآخر، و السعي إلى السيطرة على جهاز الدولة باسم الإسلام، و إدخال الناس في قالب مسلكي معين ينفي التفاعل و التطور و يحرص على النمذجة في المظهر و في المصطلحات المستعملة و في الفكر و في المعاملة و يحول المسلمين إلى جواسيس على بعضهم البعض.
و هذه الممارسة الأيديولوجية التي أنبتتها الفرق الإسلامية منذ مقتل عثمان بن عفان، و لازالت تنبتها إلى يومنا هذا هي ممارسة تحريفية لا علاقة لها بالإسلام و لا بفهمه الصحيح الذي لا يلغي الاختلاف و حق الاختيار و التفاعل مع المستجدات التي تحدث و التي يجب استيعابها من قبل المسلمين.
فماذا نفعل من اجل إسلام غير مؤدلج ؟ إن الجواب على هذا السؤال يقتضي :
1) تكريس الفهم الصحيح للإسلام باعتماد المرجعية الصحيحة : الكتاب و السنة، وكل الكتب التي تثبت نزاهتها العلمية و المعرفية، و تجنبها لادلجة الدين الإسلامي.
2) تصنيف الكتب المؤدلجة للدين الإسلامي ضمن الكتب المحرفة له، العاملة على استغلالها للدين الإسلامي لصالح السياسة أو لصالح ممارسة تحريفية محددة، و التشهير بها، و إنجاز دراسات نقدية لمضامينها من اجل الكشف عن التأويلات التي تروج لها.
3) الحفاظ على المساجد من استغلال مؤدلجي الدين الإسلامي، و الحرص على أن يكون أئمة المساجد على بينة من حقيقة الإسلام، و الحصول على الحد الأدنى من المعرفة الدينية الصحيحة. و العمل على إخضاعهم للمحاسبة القانونية في حالة توظيف المساجد لأغراض مشبوهة.
4) أن تكون مصادر المعرفة الدينية خاضعة لمراقبة هيأة علمية متخصصة ذات وجود مركزي، و جهوي و محلي تراقب ما يمارس في المساجد و المدارس و المعاهد و الكليات التابعة للدولة. و ما يدرس في المدارس المختلفة مما يمس تحريف جوهر الإسلام.
5) منع تكوين جمعيات و أحزاب و نقابات على أساس الانتماء الديني حتى لا تتخذ تلك الإطارات وسيلة لتضليل الناس و استقطابهم لجعلهم يعتقدون بادلجة الدين الإسلامي.
6) منع التمظهر اللصيق بالترهبن المخالف للعادات و التقاليد و الأعراف، و الهادف إلى التأثير على سلوك الناس، و الساعي إلى تكريس شكل معين من ادلجة الدين الإسلامي.
و بذلك نحافظ على العقيدة الإسلامية من التحريف، و نحصنها من الادلجة، و نمكنها من إنجاز دورها في التربية الروحية، و بث القيم النبيلة في صفوف المسلمين.
و للوصول إلى ذلك لابد من تنوير عقول المسلمين و بث أشكال الوعي الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي. لأن إرجاع الأمور إلى أصولها يعتبر وسيلة لتصحيح العقيدة.
فإرجاع حدوث الأفعال إلى الإحساس المادي و إلى العلاقات الاجتماعية بين الناس يزيل التفسير المثالي من أذهان الناس، و يجنبها القول بمرجعية الأحداث و الأقوال إلى قوى غيبية لا نعلمها. و بالتالي تزول الحاجة إلى مدعي معرفة الغيب بإثبات أن التفاعلات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية المصحوبة بتردي أشكال الوعي التي يحل محلها الوعي الزائف.

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 7

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 6

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 3

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 2

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 5

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 4

 ::

  وأسام منك...


 ::

  العرب والمسلين في بلاد الصين

 ::

  السادة الأفاضل / صحيفة الركن الأخضر

 ::

  : من نحن؟؟ من نكون؟؟

 ::

  ثورات بلدان الربيع العربي وفاعِليّة التدخّل الخارجي

 ::

  وليد الحلي : يناشد مؤتمر القمة العربية بشجب ومحاصرة الفكر المتطرف الداعم للارهاب

 ::

  ما بعد الصفقة قراءة في محددات العلاقة ما بين السلطة والكيان..

 ::

  المقاومة والقانون الدولي

 ::

  بكتيريا الأيدي تكشف عن المجرمين!

 ::

  إذا عم الظلام ! كتاب ( الباب المغلق بين الأقباط والمسلمين )

 ::

  مع الحق بالفطرة ..ومع إرادة الشعب كما تربينا.. وشوكة في أعين المتآمرين كما نحن.!!



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي



 ::

  عظم الله أجورنا في شهيداتنا السعوديات

 ::

  الاستفتاء تم

 ::

  بعد الهزيمة في ليبيا هل يجد «داعش» ملجأً في تونس؟

 ::

  لماذا نرفض الانقلابات العسكرية؟

 ::

  حقوق البائعات السعوديات المهضومات

 ::

  القمة العربية والسلوك المفترض!!

 ::

  أسماء المدن العراقية.. التَّغييب

 ::

  خارطة الطريق الروسية في سوريا ورهانات فلاديمير بوتين

 ::

  سدِّدْ رصاصَك.. سدِّدْ جحيمَك... لن ننحني

 ::

  خفايا صفقة جهاز كشف المتفجرات المزيف

 ::

  مخيم حندرات .. مخيم الشهيد عبد الله عيسى

 ::

  الخوارج والحسن الصباح

 ::

  من يحاسب حزب الله

 ::

  إيران والأكراد ..وذكرى اغتيال قاسملو






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.