Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: مقالات سياسية  :: صحافة واعلام  :: حوارات  :: العالم الإسلامي  :: العالم المتقدم

 
 

الشعوب المقهورة والانقلابات العسكرية
حمزة ذيب مصطفى   Sunday 07-08 -2016

قبل فترة وجيزة كانت هناك محاولة انقلاب عسكري في بلدنا المسلم تركيا علماً أن بلادنا قد نسيت الانقلابات العسكرية فترة غير قصيرة من عقود السنين, وتناست شعوبنا العربية هذه الانقلابات ردحاً من الزمن. وبالتالي فقد تنفست هذه الشعوب الصعداء بعض الشيء. حيث الانقلابات العسكرية- سيما ما كان نمطاً في وطننا العربي كسوريا والعراق ومصر واليمن بشقيه قبل التوحيد وغيرها من أقطارنا العربية- سيئة وتورث القتل والملاحقات الأمنية والإعدامات والسجون وتوقيف أو تبطيء عملية التقدم والتطور وتضعف دورة التنمية المستدامة في القطر كله لسنين بعد الانقلاب, وما تلبث البلد أن تهدأ بعض الشيء حتى تبتلى بانقلاب عسكري أو بفلسفة أخرى وقناعات ثانية للثلة الحاكمة الجديدة, ورؤية سياسية مختلفة وبرنامج حياتي مغاير للسابق وشخوص جديدة وحكومات مفروضة, وبرلمانات تحل وتستبدل بغيرها- ولا نقول: تنتخب- وتبدأ تنخر في المجتمع الوساوس الجديدة والمرافقة للانقلاب الجديد فلا يثق أحد في أحد ولا يحلم أحد لأحد بخير ولا يأمن طرف طرفاً ولا يطمئن شخص لآخر. فتحكم البلد بقانون الطوارئ الظالم المسلط على رقاب الشعوب زوراً وبهتاناً وظلماً وعدواناً فتصادر الحريات وتكمم الأفواه ويقصى الناصح الأمين ويهجر الشجاع والجريء, ويودع السجن من كان لديه حرقة على أمته ووطنه وشعبه, ويحكم بالأحكام الجبرية على مفكر وأريب, ويعذب كل من لم يذعن بالطاعة العمياء للفئة الظالمة الحاكمة قائدة الانقلاب, ويتهم في ذمته وشخصه كل من لم يؤد يمين الولاء للظلم والظالم, ويمين البراء من العدل والعادل. ويبحث عن الصادق والنزيه والنظيف فلا يرى بالعين المجردة. فيكذب الصادق ويصدق الكاذب ويخون الأمين ويؤمن الخائن ويجرح العادل ويعدل المجرم ويتهم البريء ويبرأ الجاني والمتهم.

في الانقلابات العسكرية الغاشمة تنقلب كل الموازين وينشأ الظلم والخلل وتتخلف الأمة وتتعطل عجلة التقدم والتطور وينقلب الأمن إلى خوف والسكينة إلى اضطراب والطمأنينة إلى أرق وقلق والنور ينقلب إلى ظلمة والظلمة تتراءا نوراً كترائي السراب فيظنه الظمآن ماء. هو انقلاب عسكري وهو أيضاً انقلاب على كل خير وفضل وتطور وحق وصدق ونزاهة وأمانة ونشاط وجد وعمل وإخلاص من هنا ترفض الشعوب المستنيرة والشعوب الواعية والتي تفكر في الاتجاه الصحيح وتدرك ظلمة وظلامة هذه الانقلابات العسكرية الغاشمة ترفض هذا النوع من التغيير الذي هو في حقيقته سلب لإرادة الشعوب وانقلاب على المفاهيم الصحيحة والوسائل الحقة، وانقلاب على مخلصي هذه الشعوب ومن يسهر على راحتها وأمنها وأمانها، انقلاب على كل الشرفاء والأحرار والوطنيين في هذه الشعوب المظلومة والمقهورة.

من هنا يأتي رفض كل الشرفاء والأحرار والمخلصين في الشعوب هذا اللون الحربائي في التغيير. من هنا يرفض كل المفكرين والتربويين والراشدين والعقلاء هذا النوع من التغيير، التغيير بالقوة وبالحراب وبالدبابات وبالقتل والتدمير وتخريب البيوت وإهلاك الحرث والنسل.

الشعوب الواعية والشعوب المدركة والشعوب التي تعرف سيئات وسلبيات بل وجرائم الانقلابات العسكرية ترفض هذا الشكل من التغيير بكل قوة وإباء. من هنا انفجر الشارع التركي عن بكرة أبيه في وجه هذا الظلم. من هنا خرج الشارع التركي برمته إلى الشوارع معلناً الرفض كل الرفض لهذا اللون الفاشي من التغيير.

الشعوب اليوم وفي كل يوم واعية وتدرك جيداً من لها ومن عليها, تعرف تمام المعرفة من هو المخلص وغير المخلص، من هو الصادق ومن هو الكاذب، من الذي يسهر على مصلحتها ويعمل لأجلها ويسخر كل طاقاته في سبيلها ومن يسهر على مصالحه ويعمل لأجل ذاته ويسخر كل طاقات الشعب لأجل نفسه وحاشيته والمطبلين معه والمتسلقين والمنافقين من عصابته الشريرة. فالشعوب هي التي تأتي بالمخلصين لها وهي التي تعرف كل من في إرادته فت وفي نيته خدش وفي نوازعه دخل، الشعوب وحدها هي التي تقول للمخلصين نعم ولغيرهم لا. الشعوب هي وحدها التي تقول للأمين تقدم وللخائن تأخر, الشعوب هي وحدها التي تقول: نعم لمن أحسن إليها وناضل في سبيلها وهي وحدها التي تقول: لا لمن أساء إليها ولم يناضل من أجلها. الشعوب اليقظة هي التي ترفض كل التغيير عن طريق الحديد والنار لأنها تعلم أنها ستحكم بذلك. الشعوب النابهة هي التي لا تكون في لحظة من اللحظات مع العسكر والسلاح والدبابة والاستيلاء بالقوة على مرافق الشعب لأنها تعلم علم اليقين أنها ستحكم بالأدوات ذاتها في اليوم الآتي.

كل الاحترام والتقدير للشعوب التي تعرف مصلحة نفسها وتعمل لذاتها وتناضل بكل قوة لأجل إحقاق حقوقها.

كل الثناء العطر على الشعوب التي تقاوم الباطل كي لا تحكم به، وتقاوم المجرم كي لا يقودها، وتعطل الدبابة كي لا تدوسها بجنازيرها، وتكسر البندقية كي لا تقتل بها. كل الفخار للشعوب التي لا تجعل من الانقلابات العسكرية سبباً في تخلفها وتوقيف أو إضعاف عجلة النمو المطردة مع الأمن والأمان والاستقرار الذهني والمجتمعي والأمني، وهذا مما لا يتأتى مع حالات الانقلابات العسكرية وتجدد الوجوه وتجدد القناعات والفلسفات الحياتية وكلما جاءت فئة لعنت أختها وغيرت ما كان من قبل وبدأت مسيرة جديدة فهدمت ما بُني ودمَّرت ما عُمِّر وأوقفت العملية المتحركة وصدق الشاعر الحكيم حيث قال:

لعمرك متى يبلغ البنيان تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم؟!

وها هي سوريا والعراق على- ما كان فيهما من نظم- حينما انتهى فيهما عصر الانقلابات وهدأت العواصف بعض الشيء واستقرت الحكومات وتنفست الناس الصعداء بعض الشيء وإلى حد ما، ولا نقول: تنفست الصعداء على خير ما يكون التنفس, حينما انتهى هذا العصر شهدت البلاد تطوراً ملحوظاً وبناء واضحاً في مجالات الحياة المتعددة من علمية وتقنية وطبابة حتى ساد المثل السائر" سوريا صين العرب" وشاهدنا ما غدا عليه العراق من قوة ومنعة واقتدار فما كادت أن تكون أو تصير حتى عدت عليها العوادي فدمر كل شيء وتأخر هذا البلد العربي الأبي ودمرت بناه التحتية وقتل وشرد العلماء منه, ووقفت عجلة التقدم والتطور وافتقر البلد إلى الاستقرار السياسي والأمني وقسم العراق إلى ولايات ومحافظات على طريق تقسيمه إلى دويلات وأقاليم. وكذا الشأن مع سوريا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. كل ذلك ليقضي الله أمراً كان مفعولا. ولو قدر لهذه الأقطار أن تكون واحة الديمقراطية فيها متسع، ومساحتها كبيرة، وانتفى فيها الظلم والجبروت وسارت سير العدل في الناس والمجتمع وتنسم الناس في أجوائها الحرية والكرامة الإنسانية لاستطاعت هي ومثيلاتها أن تذود عن نفسها عواصف الخراب ولاستطاعت أن تحمي ذاتها من معاول الهدم ولتترست خلف جدر العدالة فذادت عن حياضها كل سياسات التدمير والهلاك.

نحن نخط ونكتب عن عصر الانقلابات التي عشناها صغاراً وعاشها الآباء كباراً ولا تعرف عن سيئاتها الأجيال المعاصرة شيئاً ومن لا يعرف شيئاً لا يستطيع إدراكه ومعرفة خيره من شره. أعاذ الله هذه الأجيال الشابة والمعاصرة من هذه الانقلابات وشرورها والتي كانت السبب الرئيس في تخلف وطننا العربي لأن الشعوب إذا سيست بسياسات العنف والبطش وانعدمت لديها أجواء الحرية أو ضعفت فلن يكتب لها تطور وتقدم ونجاح وهذا هو السم الزعاف الذي تحمله مثل هذه الانقلابات العسكرية فتأتي بالحديد والنار وعلى ظهر الدبابة ومن خلال فوهة البندقية القاتلة وتقضي على كل مسمى للديمقراطية وتفرغ الديمقراطية من جوهرها ومحتواها ولبها وتبقي للشعوب قشورها وما لا نفع فيه منها فتضحي شعارات الديمقراطية بلا مضمون ولا جوهر وتبدأ سياسات الدجل والكذب على الشعوب وأن هناك ديمقراطية. والناس في معظمها أو جلها تدرك أن ذلك ضحك على الذقون وهو كذب على شعوبها وواضح لديها وضوح الشمس في رابعة النهار.

وعلى هذا تتنزل الآيات الكريمة والتي هي منهاج للبشرية والمجتمعات فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. هي آيات تنزلت في مجتمعات وعلى شعوب بشرية وتصدق على كل حالة مشابهة ومماثلة فقال سبحانه مخبراً عن آل فرعون وملئه وقومه وناعياً عليهم وذاماً لسلوكهم ومنهجيتهم في حياتهم مع فرعون الظالم والذي علا في الأرض وكان من المفسدين فقال سبحانه{ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ}[الزخرف: 54] وقال سبحانه في معرض تقصير الناس في حق أنفسهم وأنهم السبب فيما يصيبهم من محن وأزمات ومشكلات ومصائب وويلات فقال جل شأنه:{ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}[الشورى: 30] وقال جل وعلا:{ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [النحل: 33].

فالشاهد من هذا أن الشعوب التي ترتضي لنفسها الذل والهوان ستذل وستهون على كل مستبد وطاغية وظالم وغاشم. وفي هذا السياق يقول نبي الهدى صلوات الله عليه حاثاً للهمم على التغيير نحو الأفضل والأحسن وداعياً إلى قول الحق وناهياً أن تتهيب الناس أو الأمة الظالم فقال:" إذا رأيتم أمتي تهابالظالم فقد تودع منهم" وقال صلوات الله عليه حاثاً على إنكار المنكر وعلى ضرورة الأمر بالمعروف مشجعاً على ذلك مرغباً فيه" إن من أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر". فحذار أن تستكين الشعوب أو ترضى لنفسها بالظلم والتعدي والتجاوز لحدودها وعليها ألا تمالئ الظالم وتعينه وتدافع عنه وتقف إلى جانبه وتسكت أيضاً عن الحق وقول الحق.

رحم الله المفكر الكبير والمناضل العظيم الأستاذ عبد الرحمن الكواكبي صاحب كتاب" طبائع الاستبداد" والذي يتوجب أن يكون هذا الكتاب أصلاً في التربية ومناهج التدريس في المدارس والجامعات وأن يكون نبراساً للشعوب التي تتطلع إلى الحرية والتقدم والتنمية المستدامة, وأن يكون منارة للشعوب التي لا ترضى لنفسهاإلا الحرية والكرامة الإنسانية وألا يستبد بها مستبد لا باسم الدين ولا باسم الدنيا.

وفي الختام فإنني أوجه عظيم شكري وكبيرتقديري إلى الشعب التركي العظيم الذي أبى إلا أن يكون مدافعاً عن ذاته ومصالحه وحامياً للمشروع الوطني الكبير الذي أخرجه من الظلمات إلى النور ومن الحضيض إلى القمة، ومن الفقر والمديونية إلى الغنى والقوة الاقتصادية. وكم أتمنى أن تحذو شعوبنا العربية حذو هذا الشعب الأبي الواعي الناضج والشجاع.

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  أنا القدس وأنت

 ::

  الطلاب الفلسطينيون في لبنان يريدون جامعة

 ::

  السعوديات يتجمّلن بـ480 مليون دولار في العام

 ::

  امرأة من هذا العصر...رواية مكامن النفس البشرية

 ::

  عالم السيارات

 ::

  الأمراض المنقولة جنسياً

 ::

  الدولة والانتصار

 ::

  في كل يوم لنا حكاية مع شعب مصمم على مواصة المسيرة

 ::

  رد فنزويلي على فيصل القاسم

 ::

  الضمير الصحفي والرأي العام



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي



 ::

  جرائم أمريكا المتوحشة

 ::

  رمضان في السياسة في الاقتصاد ... لماذا نتوقف؟

 ::

  الانقلاب التركي بين التشكيك والحقيقة

 ::

  لماذا نكره إيران؟

 ::

  إسرائيل تطوق غزة بجدار تحت الأرض

 ::

  خطايا مشروع قانون الصحافة والإعلام

 ::

  تدويل الإرهاب من احتلال العراق إلى جرافة نيس

 ::

  رمضان في السياسة في الاقتصاد.. 2- دعونا نفكر في الاقتصاد

 ::

  الرهان على انهيارٍ أوروبي!

 ::

  العملية السياسية في العراق .. الباطل الذي يجب إسقاطه

 ::

  عن زيارة عشقي للعشقناز

 ::

  الشتات الإسلامي.. رصيد سلبي أم إيجابي؟

 ::

  هل اعد العالم نفسه لما بعد هزيمة داعش وعودة مقاتليها الى بلدانهم

 ::

  وصار الحلم كابوسا






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.