Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

 
 

إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط
د. قادير إسماعيل   Monday 15-04 -2019

إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط أدت الثورة التكنولوجية في وسائل الاتصالات الحديثة إلى ظهور أدوات جديدة غير تقليدية، يُمكن للدول والجماعات من استخدامها في إدارة العلاقات الدولية المعولمة، مما أدى إلى إعادة بناء العديد من المفاهيم المُركبة في العلاقات الدولية، وأبرز تلك المفاهيم، مفهوم "قوة الفضاء الالكتروني" Cyber Power، والذي يُعرفه جوزيف ناي بأنه: " القدرة على تحقيق الأهداف المرجوة من خلال استخدام مصادر المعلومات المرتبطة بالفضاء الالكتروني".
حيث انتقلت مثل هذه المفاهيم من المستوى النظري المجرد، إلى المستوى الواقعي الملموس، ويُعد هذا المفهوم جزءا أساسيا في فهم الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط، وقد برز ذلك من الحرب على العراق 2003، وكذلك في تعاملها مع الملف النووي الإيراني، وفي سنة 2011 أعلنت وكالة مشروعات البحوث الدفاعية المتطورة (DARPA) عن برنامج لتحسين فهم وزارة الدفاع لما يجري على مواقع التواصل الاجتماعي، فضلا عن استغلال ذات الوزارة لهده المواقع من أجل بث رسائل إعلامية تخدم مصالحها الإستراتيجية.
ومردُ هذا الواقع هو حدوث ثلاث متغيرات متزامنة هي:
01/ اتساع تطبيق نظام الحكومة الالكترونية (E-government).
02/ زيادة اعتماد مختلف الهيئات الحكومية على نظام التخزين (DATA).
03/ زيادة حجم التكلفة المادية والبشرية لنمط الحروب التقليدية.
ومن هذا المنطلق تبرز العلاقة بين الحروب النفسية وبين الفضاء الالكتروني، الذي يُمكن الدول من إعداد الملايين من البيانات والمعلومات المُراد توصيلها إلى الهدف المحدد بُغية التحكم في أفكاره وتوجيه سلوكياته وإضعاف معنوياته وفق الاتجاه المُحدد.


المبحث الأول: الحروب النفسية والفضاء السيبراني: أيَة علاقة؟
يُشير بُعد الوصف إلى إزالة اللبس والغموض عن المفاهيم وتوضيح العلاقة فيما بينها، وهو ما سنعمل على توضيحه في هدا المبحث من خلال المطلبين التاليين:
المطلب الأول: الفضاء السيبراني: المفهوم، الهندسة والفواعل
أولا: مفهوم الفضاء السيبراني
يُتداول مصطلح "الفضاء الالكتروني" على أكثر من صعيد، ذلك كونه أساسا فضاءا اجتماعيا للتواصل والتبادل، إلَا أنَه أضحى مجالا حيويا وجيواستراتيجا تُخاض فيه العديد من الحروب والهجمات الرقمية.
حيث عرَفته الوكالة الفرنسية لأمن أنظمة الإعلام (ANSSI)، وهي وكالة حكومية مُكلفة بالدفاع السيبراني الفرنسي على أنَه: "فضاء التواصل المشكَل من خلال الربط البيني العالمي لمعدات المعالجة الآلية للمعطيات الرقمية" .
نُلاحظ أن هذا التعريف يركز على الجانب التقني للفضاء السيبراني من خلال إدراج مفهوم الربط التقني، مما يجعله يقتصر على أصحاب الاختصاص من التقنيين فقط، دون عامة الجمهور أو حتى الباحثين من تخصصات أخرى، كما أن هذا التعريف يُغفل العامل البشري، والذي يُعد جزءا أساسيا في فهم الفضاء السيبراني.
وعليه يُمكننا القول بأن: "الفضاء السيبراني هو مجال مركَب مادي وغير مادي يشمل مجموعة من العناصر هي: أجهزة الكمبيوتر، أنظمة الشبكات والبرمجيات، حوسبة المعلومات، نقل وتخزين البيانات، ومستخدمو كل هذه العناصر".
وتجدر الإشارة إلى أن مسألة تحديد مفهوم "الفضاء السيبراني"، هي مسألة نسبية تتوقف على طبيعة إدراك وفهم كل دولة لأمنها القومي، ولذلك نجد مثلا أن هناك من يرى بأن هذا المفهوم يُمثل "الذارع الرابعة للجيوش الحديثة"
كما أن عملية تعزيز الجانب الدلالي لهدا الفضاء تستدعي تحليل البنية التركيبية له، إذ يُمكن اعتبارها بنية ذي ثلاث طبقات هي:
01/ الطبقة المادية: تشمل معدات الحواسيب، والبرمجيات، والمعدات الضرورية لعملية الربط البيني.
02/ الطبقة المنطقية: تشمل مجموع البرامج المترجمة للمعلومة على شكل معطيات رقمية، حيث يتم الانتقال من لغة الإنسان إلى لغة الآلة في شكل خوارزمية، ومنها إلى برامج مطوَرة بلغة البرمجة.
03/ الطبقة الإعلامية: وتتمثل هذه الطبقة في البُعد الاجتماعي الذي يُضاف إلى الطبقتين السابقتين، حيث أنه في الفضاء الرقمي يُمكن أن يكون لكل إنسان عدة هويات رقمية (عنوان بريده الالكتروني، رقم هاتفة النقال، صور رمزية على مواقع التواصل الاجتماعي...).

ثانيا: الفواعل في الفضاء السيبراني
تتكون تركيبة الفواعل في الفضاء السيبراني من مستويين، الأول على المستوى الدولاتي، أمَا الثاني فهو على المستوى اللادولاتي .
01/ الفواعل الدولاتية:
وهنا نُشير أساسا إلى الاحتكار القانوني والمُنظم للدولة للفضاء الافتراضي، من خلال مختلف أجهزتها(وزارات، وحدات الأمن...)، حيث تعتبر الدولة فاعل محوري في تسيير الفضاء الافتراضي انطلاقا من إمكاناتها المادية والبنيوية والبشرية والقانونية.
ولذلك لابد للدولة من التحكم في مجال الفضاء السيبراني، وهو الفضاء الذي يزاحمها فيه العديد من الفواعل الأخرى، التي قد تصل حد تهديد مصالح الدولة نفسها.
02/ الفواعل اللادولاتية:
وهنا يأتي دور الأفراد والجماعات والمنظمات غير الحكومية والشركات اللذين أصبحوا بإمكانهم التحكم في توجهات الدول وإدارتها وفق سياسات معينة من خلال الفضاء السيبراني، وسنتناول أهم هذه الفواعل كالتالي:
أ- الفرد (Individuel): حيث أضحى الفرد فاعلا مهما في الفضاء السيبراني، حتى أنَه له القدرة على إحداث الثورة الرقمية، وتُصبح تلك الثورة مجال استخدام للدولة نفسها، ومثال ذلك ما قام به "مارك زوكربارغ" (Mark Zoukerberg) عام 2004، حين أسَس شبكة (فايس بوك) لتستقطب أكثر من مليار مستخدم عبر العالم.
ب- المنظمات غير الحكومية (Non-governmental Organizations): تعتمد هذه المنظمات بشكل كبير على شبكة الانترنت ووسائل التكنولوجيا الحديثة في تعبئة الرأي العام، والضغط على الحكومات من خلال ترتيب الحملات الاجتماعية وتعبئة المجتمع المدني من أجل الضغط على الحكومات للتغيير في سياسات معينة، مثل ما تقوم به اليوم معظم منظمات البيئة العالمية على اثر قرار الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) التخلي عن اتفاقيات التغير المناخي.
جـ/ المجموعات الافتراضية (Default groups): وهنا يأتي دور القراصنة (Hackers)، وغالبا ما يسعون لتحقيق أهداف مختلفة (ربحية، سياسية، إيديولوجية...)، ومثال دلك نجد المجموعة الافتراضية المشهورة (Anonymous)، والتي تسعى لتسويق خطابات ومطالب سياسية في العالم.

المطلب الثاني: الحروب النفسية الالكترونية: إشكالية التعريف والوسائل
أولا: مفهوم الحرب النفسية الالكترونية
لا تُشير الأدبيات في مجال الإعلام إلى مفهوم "الحرب النفسية الالكترونية" بمعناها الدقيق، بل هناك عدة محاولات جاءت في إطار تحديد مفاهيم تقترب من المفهوم الذي نريد توضيحه في هذا البحث، وهي كالتالي:
01/ الدعاية: حيث عرَفها عالم الاجتماع الفرنسي (جاك أيلوك) بأنها: "مجموعة الوسائل التي يتم توظيفها بواسطة جماعة معينة أو منظمة، بهدف تحقيق مشاركة ايجابية أو سلبية في عمل معين، من خلال التصنيع السيكولوجي"
02- الإرهاب المعلوماتي: تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية أول من استخدم مصطلح "الإرهاب" وحددت قوانينه، وهو من بين المصطلحات غموضا التي ليس هناك تعريف محدد بشأنها، وفي هذا الصدد يقول "دنيس ماكويل": "... من الصعب استخدام مصطلح الإرهاب لأنه مفهوم مُتغير من ثقافة إلى أخرى"
ويُمكن القول بأن مفهوم "الإرهاب المعلوماتي" هو دلك الاعتداء المدفوع سياسيا ضد البنية التحتية للمعلومات والبيانات وأنظمة الحواسيب من طرف مجموعات أو أفراد".
03/ الحرب النفسية: تعرفها وزارة الدفاع الأمريكية بأنها: "العمليات المخططة التي تصاحبها مؤثرات منتقاة موجهة إلى مستمعين أجانب بهدف التأثير على مشاعرهم ودوافعهم وتبريراتهم المنطقية، بأقصى درجة لسلوكيات الحكومة الأجنبية والمنظمات والجماعات والأفراد" .
وإنطلاقا مما سبق، يُمكننا قول ان:
الحرب النفسية الالكترونية هي: "نشاط اتصالي مُنظم يهدف إلى التأثير في توجهات وإدراكات الفاعلين الرسميين وغير الرسميين في دولة ما، باستخدام الفضاء الرقمي وتكنولوجيا الاتصالات الحديثة ".
ويعتمد النسق المفاهيمي للحرب النفسية الالكترونية على نظرية "الموجة الثالثة" التي جاء بها العالم الأمريكي "الفن توفلر"، وتذهب هذه النظرية إلى افتراض مرور العالم بثلاث موجات تقنية، حيث تعتبر تقنية المعلومات هي الموجة الثالثة التي أدت إلى تغيرات جوهرية في الأنساق والمفاهيم السائدة في ميدان الاتصال والإعلام.
وفي سياق هذه النظرية حدد "جون بويد" حلقة تأثيرية تتألف مادتها من أربع عناصر رئيسية تمارس في الذهن البشري يُرمز لها اختصارا بـ (ooDA)، وهي: يُراقب (observz)، يُوجه (orient)، يُقرر (Decide)، ويفعل (Acte).
بحيث تساهم نشاطات الحرب النفسية الالكترونية في إحداث خلل في حلقة (ooDA) لذا الآخرين بهدف إحداث تأخير في نمطها الدوري، وفي نفس الوقت تعمل على تحسين النمط الدوري لذاتية أُخرى، فتضمن بذلك تفوقا ملموسا للجهة التي تُمارس هذا النوع من النشاط.
:
ثانيا: وسائل الحرب النفسية الالكترونية
01/ شبكة الانترنت :
تُعد الانترنت عاملا حاسما في خروج الحروب النفسية التقليدية إلى الفضاء السيبراني.
وذكر آخر تقرير صادر عن لجنة النطاق العريض التابعة للأمم المتحدة أن عدد مستخدمي الإنترنت عالمياً سيصل إلى 3.5 مليار شخص بحلول نهاية عام 2016 الحالي، وهو ما يُمثل 47% من إجمالي سكان العالم،


ويتم استغلال شبكة الانترنت للقيام بالحروب النفسية من خلال الوسائل التالية:
أ/ إرسال الفيروسات والبرامج الخبيثة:
حدث في سنة 2010، أن قامت شركة "فيروس بلوك آدا" (Virus Bloc Ada)، وهي شركة حماية مقرها روسيا البيضاء، باكتشاف (دودة كاسوب) التي تقوم بأعمال تجسس عالية الدقة، وتملك القدرة على التحكم في وحدات البرمجة .

ب/ البريد الالكتروني(E-mail):
في ديسمبر من العام 2006 أجبرت (وكالة الفضاء ناسا) على حجب رسائل البريد الإلكتروني التي تأتي مع مرفقات قبل إطلاق المركبات الفضائية خشية اختراقها، وذكرت مجلة "بيزنس ويك" الأميركية أن خطط إطلاق مركبات الفضاء الأميركية الأخيرة حصل عليها مخترقون أجانب غير معروفين. وفي عام 2007 تعرضت شبكات حاسوب الحكومة الإستونية لهجوم من نوع الحرمان من الخدمة من طرف مجهولين، وذلك بعد جدال مع روسيا بشأن إزالة نصب تذكاري، وتعطلت في الهجوم بعض الخدمات الحكومية الإلكترونية والخدمة المصرفية عبر الإنترنت، وفي ذلك العام اخترق حساب بريد إلكتروني غير سري لوزير الدفاع الأميركي من طرف مجهولين ضمن سلسلة كبيرة من الهجمات للوصول إلى شبكات حاسوب البنتاغون .
وفي أواخر العام 2016، وخلال الحملة الانتخابية للانتخابات الرئاسية الأمريكية تعرضت المرشحة الديمقراطية (هيلاي كلينتون) إلى عملية اختراق لبريدها الالكتروني، وهو الأمر الذي جعل رئيس مجلس الشيوخ الأمريكي (بول ريان) يُصرح في رسالة أوردتها "رويترز" بالقول: "سيتم حرمان كلينتون من الاطلاع على المعلومات السرية خلال حملتها الانتخابية، سيكون ذلك عقابا مناسبا لتعاملها غير اللائق مع رسائل البريد الإلكترونية السرية، عندما كانت وزيرة الخارجية".

02/ تلفزيون الانترنت (IPTV):
خدمات تليفزيون الانترنت هي خدمات متعددة الوسائط تشمل التليفزيون وخدمات الفيديو والخدمات الإذاعية وخدمات النصوص والبيانات التي يتم إرسالها عبر الشبكات التي تستخدم بروتوكولات الانترنت. و يتشابه تليفزيون الانترنت مع التليفزيون العادي وكذلك مع الخصائص التي يستطيع توفيرها، إلا انه توجد بعض اختلافات تتمثل في انه يتم بثه من خلال برتوكولات الانترنت.
واليوم تستثمر أكبر الشبكات الإعلامية العالمية في هذا المجال، مثل: ما قامت به شبكة (CNN) خلال الحرب على العراق2003 ، حتى عُرفت أنداك بأنها حرب CNN على العراق، وكذلك عرفت الحرب في أفغانستان ضد القاعدة وطالبان بأنها حرب قناة الجزيرة .

المبحث الثاني: إستراتيجية الحرب النفسية الالكترونية في الشرق الأوسط
في منتصف العام 1995، أدلى المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية "جون دوتش" بتصريح مفاده: "أن الجماعات الإرهابية الدولية باتت قادرة على تهديد ومهاجمة البُنى التحتية للمعلومات في الولايات المتحدة الأمريكية، حتى وان لم يتوفر لديها سوى أدوات معلوماتية بدائية..."
ومنذ ذلك الحين والعمل جار على تطوير هذه المنظومة في الولايات المتحدة الأمريكية، إلى أن قامت الوكالة المركزية للمخابرات الأمريكية بصياغة الإستراتيجية الأمريكية في مجال الفضاء السيبراني بهدف رسم الملامح الأولية لطبيعة المُستجدات واستنباط الخطوات المستقبلية التي تعتزم الولايات المتحدة الأمريكية القيام بها، خصوصا في منطقة الشرق الأوسط.
المطلب الأول: أبعاد الاستخدامات الأمريكية للفضاء السيبراني
أولا: البُعد الاقتصادي
طبقا لتقرير شركة ماكينزي (McKinsey) للاستشارات الدولية، والصادر أواخر العام 2011، ينقسم اقتصاد الانترنت في الولايات المتحدة الأمريكية إلى مجالين رئيسيين هما:
المجال الأول يتعلق بصناعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (ICT)، ويشمل تطوير أجهزة وبرمجيات وإنتاجها وخدمات أخرى، أمَا المجال الثاني، فهو مجال التجارة الالكترونية (E-business)، من خلال فتح سوق حر على شبكة الانترنت.
وقد ساهم اقتصاد الانترنت الأمريكي في زيادة الناتج المحلي بنحو 50 مليار دولار عام 2012.
ثانيا: البُعد الخاص بأمن المعلومات:
ذكرت شركة (McAfee)، وهي شركة رائدة في مجال أنظمة الأمان، في تقريرها الأخير لسنة 2016، بأن الولايات المتحدة الأمريكية من لأكثر الدول في تعرضها للهجمات السيبرانية(16).
حيث قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتحديث وتطوير أنظمة الأمان لديها بالإضافة إلى نظام الاستجابة المبكر لحالات الطوارئ السيبرانية.

ثالثا: البُعد العسكري الأمني
أقرَ البيت الأبيض في عهد الرئيس السابق (باراك أوباما)، إنشاء وكالة جديدة للاهتمام بالأمن السيبراني، أطلق عليها اسم "مركز تكامل استخبارات التهديد السيبراني"، ويُشار إليها اختصار (CTIIC)، وتعمل هذه الوكالة على التنسيق بين مختلف أجهزة الأمن الأمريكية الأخرى، مثل: مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، وكالة الأمن القومي (NSA).

رابعا: البُعد الإعلامي
تُعتبر قناة (CNN) الذارع الإعلامية الأمريكية في المجال السيبراني، وذلك من خلال قيامها بحملات التوعية ونشرها لتقارير دورية حول الهجمات السيبرانية التي تمس المصالح الأمريكية، وحتى قيامها بتنفيذ خطط الحروب النفسية الالكترونية التي تقوم بها الولايات المتحدة الأمريكية.

المطلب الثاني: نماذج من الحروب النفسية الالكترونية الأمريكية: الحرب على العراق 2003، والملف النووي الإيراني
أولا: العمليات النفسية الالكترونية الأمريكية في الحرب على العراق 2003
وفقا لتقرير كل من "توماس هانكر واريك شميت"، فانه قبل إصدار الرئيس "جورج بوش" أوامره للقوات الأمريكية بتنفيذ الضربة العسكرية على العراق، فقد سبق ذلك هجوما إعلاميا مُركزا، أُستخدم فيه كم هائل من الأسلحة الالكترونية النفسية، تمثلت أساسا في إرسال مجموعة من الرسائل الالكترونية إلى القيادات السياسية والعسكرية العراقيةـ تحُثهم فيها على ضرورة التخلي عن نظام "صدام حسين" .
كما تمَ توظيف قناة (CNN)، من خلال بثها الالكتروني على موقع اليوتيوب، لتعظيم حجم القدرات العسكرية الأمريكية، وذلك من أجل رفع معنويات الجيش الأمريكي، وفي المقابل إضعاف معنويات الجيش العراقي والرأي العام المحلي والعربي.
كما عملت الولايات المتحدة الأمريكية على بث العديد من الأخبار العاجلة على صفحات أبرز المواقع الالكترونية استخداما في العالم، وتُفيد بأن نظام صدام حسين، قد نقل 250 صاروخ من نوع "صمود2" نحو الجنوب، وأنه يعتزم بذلك ضرب قوات التحالف الدولي.
كما قام وزير الخارجية الأمريكي "كولن باول" في خطابه أما مجلس الأمن الدولي في "فيفري 2003"، باستحضار صور وتسجيلات بُثت على الانترنت، تؤكد حيازة العراق على أسلحة الدمار الشامل.
ومُلخص الحرب النفسية الالكترونية الأمريكية على العراق سنة 2003، تمثلت في:
- إرسال مجموعة من الرسائل المشوشة والمهددة عبر البريد الالكتروني للقادة العراقيين.
- استغلال موقع يوتيوب من أجل إبراز القدرات العسكرية الأمريكية، ومواقع لأسلحة الدمار الشامل في العراق.
- اختراق منظومة البيانات الأمنية العراقية، من خلال إرسال الفيروسات المدمرة.
- القيام بعشرات البحوث والتقارير الأكاديمية وتنزيلها بروابط مباشرة على شبكة الانترنت، تفيد بعضها بتضخيم القدرات العسكرية الأمريكية، وبعضها الآخر يُشير إلى دكتاتورية وخطر نظام صدام حسين على دول الجوار الإقليمي.

ثانيا: التعامل السيبراني الأمريكي مع الملف النووي الإيراني
ظهرت أزمة البرنامج النووي الإيراني إلى العلن عام 2009، على اثر الاختراق المعلوماتي الذي قامت به منظمة إيرانية معارضة "المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية" (NCRI)، حيث قامت بتوفير ونشر معلومات حول مواقع نووية إيرانية سرية .
وترى الولايات المتحدة أن الاشتباك العسكري التقليدي ليس مساراً مرغوباً. فالإيرانيون مستعدون لخوض حرب "غير تماثلية" مستفيدين من دروس "حرب ناقلات النفط" (بين إيران، ودول الخليج، والأمم المتحدة والولايات المتحدة في الفترة 1986-1988)، وذلك باستخدام قوارب صغيرة، وألغام، وغواصات، وصواريخ ذوي قاعدة ساحلية مضادة للسفن، وهجمات صواريخ باليستية بعيدة المدى، والقيام بأعمال إرهابية لإلحاق الخسائر بالأعداء وكسب الهيبة، وتخويف حلفاء الولايات المتحدة، ودفع القوات الأمريكية على اتخاذ موقف دفاعي، وإظهار العزيمة، حتى في وجه خسائرهم الفادحة. بل إن بعض الإيرانيين قد يرحبوا بصراع لم يفوزوا به بالمعنى التقليدي. فلا شك أن استخدام إيران للعمليات الإرهابية والصواريخ والنظم الأخرى التي تهدد البنية التحتية لدول الخليج عن طريق مضيق هرمز تمثل قلقاً بالغاً سواء فازت إيران في الحرب أم لم تفز بها.
هذا الواقع جعل الولايات المتحدة الأمريكية تحرك خيارها السيبراني، حيث كشف تقرير صادر عام 2015 لشركة "كاسبرسكاي " الروسية الناشطة في مجال أمن الكومبيوتر، عن تفاصيل حول اختراق شبكات الكمبيوتر المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، حسبما ذكرت وكالة "رويترز" العالمية.
ورفضت كاسبرسكاي تحديد الدولة التي قدم منها الاختراق بشكل مباشر، غير أنها قالت إن "أميركا زرعت برامج للجوسسة والتخريب في شبكات الكومبيوتر في العديد من الدول من بينها إيران".
وأشار التقرير إلى أن "فيروس ستاكس نت "Stuxnet" الذي استخدم لاختراق منشأة "نطنز" لتخصيب اليورانيوم (وسط إيران) في العام 2010 وهو فيروس كان جزءا من برنامج عرف بـ "الألعاب الأولمبية"، وأضافت الشركة الروسية في تقريرها، أن "الألعاب الأولمبية" كانت شبيهة ببرامج أوسع تهدف إلى تخريب كومبيوترات دول أخرى فضلا عن إيران.
واتهمت إيران في حينه واشنطن وتل أبيب، بإنتاج الفيروس الذي أصاب ودمّر حوالي 100 جهاز طرد مركزي في "نطنز"، ما أثار خللا في برنامج إيران لتخصيب اليورانيوم، والذي تشتبه واشنطن بأنه يهدف إلى إنتاج قنبلة نووية. كما تعرض البرنامج النووي الإيراني لهجوم آخر في العام 2012، بواسطة فيروس "فلايم"، معطلاً للكثير من المنظومات


الخاتمــة
يبدو أن الطفرة التكنولوجية والرقمية عجلت من انتقال الولايات المتحدة الأمريكية من نمط الحروب التقليدية، نحو النط الجديد في الفضاء السيبراني، وهو مابرز جليا خلال حربها على العراق عام 2003، وكذا في تعاملها مع مستجدات الملف النووي الإيراني.
وقد بات جليا أن المنظومة القتالية (Weapon System) تعتمد بشكل كبير على الحروب النفسية السيبرانية، إلا أنَه لا يمكن إغفال أن هذه المنظومة تعتمد على نظام التواصل الرقمي، كما أن هناك فجوة في نظامها للاندار السيبراني المبكر، وهي الفجوة التي برزت في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، على اثر الاختراق السيبراني الروسي لها.
وهو ما يجعلنا نتساءل عن مستقبل القوة السيبرانية الأمريكية: فهل يُمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن تتدخل في كل أرجاء العالم إذا ما أصاب العطب (Vulnerability) منظومة التواصل لديها؟.


توصيات:
- على الدول العربية إدراج دراسات الفضاء السيبراني في مناهج ونظم التدريس في الجامعات، وتشجيع طلبة الدراسات العليا على البحث في هذا السياق.
- ضرورة تأسيس النظام العربي للاندار المُبكر للهجمات السيبرانية، وفق مفهوم الجاهزية الالكترونية.
- الاستغلال الأمثل للفضائيات العربية، والمواقع الالكترونية في تنوير الرأي العام العربي بخطورة الحروب النفسية السيبرانية، وهو المجال الذي أُستخدم فيما يُسمى "بالربيع العربي".
- تشجيع القطاع الخاص المتخصص على الاستثمار في مجال البرمجيات وأنظمة الأمان.
- ضرورة متابعة مستجدات مجال الفضاء السيبراني، خصوا النشاطات التي تقوم بها إسرائيل في هذا المجال.

=========
قادير إسماعيل (باحث دكتوراه)
كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية
جامعة الجزائر3
[email protected]

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  قراءة في أزمة الرأسمالية العالمية

 ::

  الوصاية اليهودية على حراس الأقصى وموظفي الحرم

 ::

  الاكتئاب والإرهاب

 ::

  من يجرؤ أن يقول ( لا ) لأمريكا

 ::

  شهيد على صدر سيناء يبكي

 ::

  ياسر عرفات .. اشتقنا لك وللوحدة ..

 ::

  سَمّني ما شئت!

 ::

  الطائفة والطائفية: المواطنة والهوية!!

 ::

  لا تحملوا أدب الأطفال مسؤولية حل مشاكل الأمة العربية

 ::

  ( نص اللاجئ ) .. ذاكرة الإنسان بين طيات هذا الزمن للروائي " محمد الأسعد



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي


 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟


 ::

  مستقبل السودان

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.