Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

نحن أعمى من العميان
جوسلين إيليا   Tuesday 28-05 -2019

نحن أعمى من العميان عندما تشرق الشمس في لندن، وترتفع درجات الحرارة قليلاً، تدعوك مساءات هذه المدينة إلى المشي في شوارعها الجميلة. وإذا كنت تسكن عند تخومها، تكون الطرقات أهدأ والخضرة أوفر، فتجد نفسك تائهاً في السكينة، ومنجرفاً في المشي عند مغيب الشمس، الذي يعد من أكثر المصطلحات المتداولة في بريطانيا، لأنها بخيلة بظهورها، تماماً مثل إطلالات «سفيرتنا إلى النجوم» السيدة فيروز.
تلك الأمسية، حدث معي شيء لم أختبره من قبل؛ كنت أمشي بخطى سريعة، بعد دقائق من اختفاء الشمس وراء الأفق من دون إعلامنا بموعد زيارتها من جديد، فجأة سمعت صوتاً إلكترونياً شدني، توقفت فرأيت رجلاً في منتصف الثلاثينات، طويل القامة، يرتدي بدلة رسمية أنيقة، تعجبت من الصوت المنبعث منه، وبلحظة استوعبت الحاصل، وتنبهت إلى أن هذا الرجل الوسيم كفيف، بعدما رأيت العصا في يده اليمنى، وهاتفه الجوال بتطبيق ذكي جداً في يده اليسرى، وفهمت بسرعة أن الصوت الذي سمعته ليس سوى الدليل الذي يرافق هذا الشاب في رحلاته أينما حل، ويدله على أرقام البيوت وعناوينها... لأول مرة في حياتي أتوقف مكتوفة اليدين، وحائرة ماحية سرعة البديهة في التصرف؛ سألت نفسي: «ماذا أفعل؟ أسأله إذا كان بحاجة لمساعدة؟ هل سأجرح شعوره؟ هل تدخلي سيسبب القلق له؟». أسئلة كثيرة دارت في ذهني في أقل من دقيقة شعر فيها الرجل بوجودي قربه، فقررت أن أتدخل، فسألته قائلة: «هل أنت بحاجة لمساعدة؟»، فأجاب: «أبحث عن المنزل رقم 78» (في لندن، أرقام البيوت تكون غالباً مزدوجة، وتتوزع على جهتي الطريق). وفي هذه الحالة، كان من الضروري التوقف للحظة لمعرفة ما إذا كان يمشي في الجهة الصحيحة من الطريق، فرحت أمشي بخطى صغيرة جداً بالقرب منه. وهنا، شعرت بشيء غريب، ولمت نفسي لأنني لم أحضر نفسي من قبل لموقف مماثل، فقرأت له الرقم الذي أراه على الجهة التي نمشي بمحاذاتها، وقلت له: هل تمانع أن أمشي معك، فأنا أسكن في هذا الشارع، وهذه هي طريقي في جميع الأحوال، فأجاب مع ضحكة في طياتها الجدية: «لا أمانع، ما دامت لن تسرقي متعلقاتي»، ضحت وقلت: لا تقلق، لن أسرق أي شيء منك، فقط أريد المشي معك، وإيجاد المنزل الذي تنوي زيارته.
قاطعني وأنا أسرد أرقام البيوت، قائلاً: «الرقم الذي أريده يقع في الجهة المقابلة، وليس في هذه الجهة»، بالفعل كان الأمر كذلك، نظرت ووجدت الرقم المطلوب. وفي هذه اللحظة، واجهت موقفاً آخر لم أعتده من قبل: هل أمسك بيده؟ هل أتركه بسبيله؟ تلبكت فعلاً وقلت: «هيا بنا نقطع الطريق»، ووصفت له الوضع، خصوصاً أن هذا الشارع عريض جداً، ونحن نقطعه بطريقة غير آمنة مائة في المائة، نسبة لموقع المنزل.
وأخيراً، وصل إلى منزل أصدقائه. انتظرت إلى أن قرع جرس الباب، وشكرني قائلاً: «شكراً لك سيدتي، أتمنى لك ليلة سعيدة».
تابعت سيري إلى منزلي الذي يبعد أقل من دقيقة من منزل أصدقائه، وخجلت من نفسي كثيراً لأني لم أعرف كيف أتصرف مع أعمى جعلني أشعر بالعمى، فأنا أسكن في هذا الشارع منذ ست سنوات، ولم أبذل أي جهد في النظر إلى أرقام البيوت، وعشت أكثر من نصف عمري في لندن، ولم أثقف نفسي لأكون حاضرة للتعامل مع موقف مماثل. واليوم، وقبل كتابة هذه السطور، اكتشفت أن العم «غوغل» لديه دليل كامل يعلمك كيف تتعامل مع المكفوفين، وينصح بالأشياء التي يجب فعلها، والأشياء التي يستحسن تفاديها، وأنصح الجميع بقراءتها.
المكفوفون لا يرون، ولكنهم يبصرون، ونحن في بعض الأحيان نرى ولا نبصر.


جوسلين إيليا
إعلامية وصحافية لبنانية عملت مقدمة تلفزيونية لعدة سنوات في لندن وبيروت، متخصصة في مجال السياحة.

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  "المقربون إلينا"... أهلا بكم

 ::

  للشيوخ والمتقاعدين

 ::

  نستعجل الموت......ونتمنى العيش للأبد !!

 ::

  الجيش يد الشعب

 ::

  عد يا صديقي

 ::

  مصر نزيد عظمة بحب أبنائها مسيحين ومسلمين

 ::

  الدول العربية غير مهتمة بأمنها الغذائي

 ::

  هل يقرأ العرب والمسلمون؟/تصريحات عاموس يادلين

 ::

  سرطنة سياسية

 ::

  لا تحملوا عربة التظاهرات اكثر من طاقتها



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.