Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

ملاك الخبز
خالد ساحلي   Monday 12-02 -2007

قرعت أبواب الشقق ، فُتحت لها الأبواب و أغلقت ، رسمت على محياها ابتسامة برغم الحزن المستوطن على شفتيها ، حزن غائر عميق لا ينجلي ، مختبئ بين شقوق أيامها ، تجاعيد الشيخوخة نبت فوقها جرح قديم متقيح ، جمعت يديها و شابكت أصابعها حين هامت بالسؤال ، منعها حياءها من التسول ، مد اليد ليس كالتقاط الرغيف ، خجلها حال بينها و بين طـــلب الصدقة و الشفقة ، حليب كبرياء شربته من صغرها ، أكياس الكتــــــان
و البلاستيك لا تفارقها ، جمعت و طوت ، تأبطت جوعا ، ملاية سوداء ، لحاف ، شال صوفي لا يبرح كتفيها ، قطعة من عذاب تضاف للـجســد الهش، عيناها غائصتين ممتلئتين أسرارا ووجعا ، عميقتين كقاع بحر ، موغلتين في القدم ، ترفضان الإفصاح ، عينان مالكتان قصصا و حكايات ،
لو يباح المكنون وتمثـّـل المشاهدة لتوقف العالم هنيهة لسماع نغم الشجن الحزين، لو قدر للنمل و حكى بلغة البشر لقال: هي آية يأخذ منها درس الحياة... شقاء، لا تكل، حفـّت بالعمارات و الأبنية و الأقبية، بالأحيـــاء
و الأزقة ، بحثت في القمامة عن الرغيف ، حاويات الأوساخ تعرفها عنوانها هناك ، أخرجت منه خبز القمح و الشعير، لم تسأل يوما نفسها : لو كانت ترمي الخبز و غيرها يجمعه ، تبادل الأدوار ، عرفت العالم لم يخلق لغيرها و لا هي طرفا مسلوخ عنه ، تيقنت بسذاجتها أن العالم بها يكون في جمعها بقايا الخبز و الرغيف ففيه حياة دجاجاتها و إوزاتها ، كلبها الذي يحرسها هو أمينها و أنيسها ، ليت الخلق كما الكلاب تهدي مواطنها ، باعت ما تبقى من الخبز لتلملم مطالب ملبسها و مغسلها ، كابدت عناء المسافات ، لا تحاصرها المسافة و لا تطوّقها ، رأفة بالسن ، غالبت دق الأبواب ، نُهرت، طُردت ، شٌتمت ، انصرفت في هدوء و سكينة ، لها صمت المُوكلين أمرهم لله،هداها الله السبيل ، تصبر على الأذية ، لا تأبه ، عرفت حكمة سؤالها عن خبز يرمى ، عن جوع في بلاد القمح ، تنهر لكنها تملك قلبا يسع الناهرين و الشاتمين و العابثين بالإحساس ، أدركت أنها تسبح في بحر غير مرئي ، تلتقي بفضاء بصيرتها مع المجهول ليلتـحم الدعـاء بالشـكوى ، قـنــعـت بمصيرها ، قدر خلقه الله ، تكون فيه جامعة الرغيف و الخـبز المرمـى ، خشيت صعود السلالم فدق الأبواب يجلب خدش الضمير ، توقعت دائما فاتح الباب المطل ، إن كان بهي طلعة أو مثله مثل السوء ، للشقق أسرارها كما البيوت ، أدركت حقيقتها مد امتهنت الحرفة ، للبيوت حاكياها ، شطحاتها ، ألغامها ، خياناتها وراء الساعات الهاربة من أصحابها ، مواعيد غرام ، فجور وميوعة ، شقق للقاءات حميمية ، يسكنها أيضا عبّاد وزهاد ، لصوص و صعاليك ، شقق تشبه الوطن ، فسيفساء ، تزاوج لألوان القسوة و الرحمة لقلب ابن آدم ، تحرّجت أن تفسد خلوة الساكنين ، أن تكسر زجاج صمت رهيب ، خافت فساد فرجة و استمتاع لذة مبهجة بين يدي أصحابها ، صوتها جرس جهوري ، جواز مرور ، تعويذة تطرد شبح التأويل عن كينونة ماهـيتها ، بـندائها لن تكون إلا هـي : العجوز اللاقطة للرغيف والكسيرة اليابسة ، رميت لها أكياس بلاستيكية من الشرفات ، ألفت هي وجوها ، وغابت عنها وجوه ، سارقي المواعيد تعرفهم ، تتذكر كلما طرقت بابا أو دخلت عمارة كيف فر بعضها من كلها ، تفرقت أشجانها ، تشتت عواطفها ، أنكسر خاطرها ، حملت على كتفيها حكاية ، نعـش حياتـها ، أثقلتها الغصة التي أنشفت الريق من حلقومها ، أين صخرة زيف منها ، تذكرت من باعت لأجله شبابها ، نغـّص الكلاب عيشها ، من طلبوا جني ثمار جسدها ، لكنها دفعت العمر حطبا لنار التضحية في كبرياء ، لم يضع معروفها عند الله ، هل يستحي الوطن من ذكر اسمها ؟ لم تكن لتضحي أكثر من أن تقدم زهرة العمر قربانا لوطن حرمها حق الحياة و العيش الكريم ، لم ينتبه لها أحد ، يوم سألت عنها البيوت لأن الخبز لم يعد يطلبه أحد ، كانت قد دفنت بقرب قبر ابنها ، صار الأطفال يسألون أمهاتهم عنها : لما لم تعد عجوز الخبز تأتي ، خجل الوطن كما الناس أن يحكوا للأبناء أنها أم الشهيد .

[email protected]

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  حواء عالم آخر

 ::

  الفضاء الخانق للجميع

 ::

  ذاكرة المكان

 ::

  الرجل الذي ألف البحر

 ::

  تراتيل على أبواب الغواية

 ::

  من يقوى على وضع الجرس؟


 ::

  إدارة الصراع التنظيمي

 ::

  كلكم مجانين ..وحدي العاقل2-2

 ::

  ورد الانفس الحيرى

 ::

  الرياضة والتشريع

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 5

 ::

  دكتور شوقي شعث لازلت تسكُنني حتى رمقي الأخير

 ::

  الليل يضع نظارة سوداء

 ::

  الانترنت سبب رئيسي في ارتفاع نسبة الطلاق بين الشباب في المملكة!

 ::

  كشف اللثام عن مؤامرات اللئام في الإيقاع بالإسلام ج/2

 ::

  المسألة هي في أسباب تأسيس المحكمة الدولية ..



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي



 ::

  من المهد إلى هذا الحد

 ::

  صخب داخل الكيان الصهيوني .. انعاسات وأبعاد!!

 ::

  التنظيمات النقابية والحياة السياسية فى مصر

 ::

  قصة ثلاثة شهداء والتهمة حب فلسطين

 ::

  زمن التحولات الكبيرة

 ::

  الفساد في لبنان أقصر الطرق إلى السلطة

 ::

  ظاهرة «بوكيمون غو»

 ::

  الاستفتاء تم

 ::

  «سايكس- بيكو».. التاريخ والمستقبل؟

 ::

  فلسطينيو سوريا وتراجع المرجعية

 ::

  مرجعية الفساد والإفساد في الوطن العربي... !

 ::

  أزمة الصحافة والإعلام فى مصر

 ::

  العالم... والمشكلة الأخلاقية المعاصرة

 ::

  أصنامنا التي نعجب بها






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.