Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

 
 

لمحة سريعة
رغداء زيدان   Saturday 28-04 -2007

في جلسة جمعتني مع مجموعة من الفتيات, تتراوح أعمارهن بين 13 و15 سنة, رحن يتحدثن لي عن أحلامهن وآمالهن وطموحاتهن, فقالت إحداهن إنها تحلم بأن تنهي الصف التاسع وتجلس في البيت حتى يأتي ابن الحلال, وقالت أخرى إنها تريد أن تدرس, ولكن إذا جاء ابن الحلال أثناء ذلك فلن ترفضه ولكنها ستتابع دراستها بعد الزواج. وقالت ثالثة ما يشبه ذلك, أما أكثرهن خجلاً فراحت تصف لي خجلها وارتباكها عندما تتحدث مع أي شاب من أقاربها, وكانت عيونها الجميلة ترقص فرحاً وهي تصف تلبكها وحرجها إذا صادف وأن سلم عليها ذاك القريب الخجول مثلها.
كان الحديث برمته يدور حول الحب والحبيب والمشاعر الدفينة.....
وأعتقد أن هذا ليس بالأمر المستغرب في مثل هذه السن, والتي تشهد تنامياً في العواطف الإنفعالية عند المراهقين, ورغبة بإثبات الذات وإعلان الاستقلال الفكري, ورفض التسلط العائلي. ولكن المستغرب في كل هذا هو سيطرة هذه الأفكار على العقول, ولا أقول هذا استنتاجاً من حوار واحد أو جلسة واحدة, ولكن أفكار الجنس والحب وغياب الطموحات عند شبابنا هو أمر عام تقريباً, إلا في حالات نادرة.

وفي مرحلة سابقة للحوار المذكور قدمت لي فتاة صغيرة مازالت من متابعي أفلام كرتون, رغم محاولاتها صبغ وجهها بالألوان المختلفة الخفيفة وتصفيف شعرها بطريقة تعلن فيها أنها صارت شابة ناضجة على الرغم من ضآلة جسدها وصغر سنها, قدمت لي ورقة كتبت فيها عن صديقتها التي تماثلها في العمر, والتي تشعر بالشهوة كلما شاهدت مناظر العشق والغرام في وسائل الإعلام, حتى أنها تلجأ للوسادة تبثها مشاعرها وتتخيلها شاباً يبادلها القبل والغرام, وأن أقصى أملها أن تتزوج.
ومثل هذه الفتاة فتاة أخرى أرادت مناقشة موضوع حب المراهقين أمام زملائها وزميلاتها في الصف, فكتبت عن ذلك موضوعاً وقرأته عليهم طالبة منهم مناقشة ما كتبت. والملفت هو تلك الطريقة الخبيثة, إن جاز التعبير, التي استخدمتها في إيصال رسائل معينة لزملاء معينين في صفها. مما شجع زميلة لها على كتابة موضوع آخر عن تعنت الأهل ومنعهم لهذه المشاعر حتى يضطر الأحباب للتفكير بالهرب والتشرد في بلاد الله الواسعة هرباً بالحب الممنوع.
وهناك من وصفت ظاهرة أخرى منتشرة بين المراهقين وهي التدخين الذي لم يعد مقتصراً على المراهقين الذكور بل إنه منتشر بين الإناث أيضاً, فالفتاة المدخنة, كما تقول, أكثر جاذبية وجمالاً.

كل هذا الذي وصفت قد يجده كثيرون منكم أمراً طبيعياً, ومظهراً من مظاهر مرحلة المراهقة, فالنمو العاطفي أمر طبيعي يكون في ذروته في تلك السن, ولكن أي ملاحظ منكم سيشعر أن الأمر ليس طبيعياً بل هو أمر متضخم جداً عند المراهقين والشباب, بل حتى عند الناضجين أنفسهم, والسبب الأول هو ذلك الترويج الإعلامي للموضوعات الجنسية بصورة زادت عن حدها الطبيعي, بل إنها غدت صناعة هدفها الأول الربح ثم الربح ثم الربح بغض النظر عن أي شيء آخر.

أشبّه عادةً النمو العاطفي عند المراهق عندما يكون في حدوده الطبيعية بالنمو الطبيعي للخضار والفواكه التي نزرعها, فإذا نمت في ظروف بيئية سليمة وامتنعنا عن حقنها بالهرمونات وغذيناها بالسماد الطبيعي نمت نمواً طبيعياً واستغرقت وقتها اللازم حتى تتخذت شكلاً جميلاً تفوح منها رائحة لذيذة مغرية, أما إذا نمت في ظروف بيئية ملوثة وحُقنت بالهرمونات, وسُمّدت بالكيماويات نمت بسرعة وتعملقت وفقدت طعمها ورائحتها.
وهذا ما يجري مع المراهقين والشباب اليوم, إنهم لا ينمون نمواً عاطفياً طبيعياً, فهناك هرمونات جنسية تُقدّم لهم على شكل مثيرات جنسية تُبث عبر وسائل الإعلام المختلفة, فمن أغان وفيديو كليبات تافهة تركز على جسد المرأة والملامسات والقبل بين الجنسين, إلى أعمال أدبية رخيصة تعتمد بالدرجة الأولى على وصف الجنس وطرقه وشذوذ الأبطال, يمجّدها النقاد ليغروا القرّاء بقراءتها, إلى مواقع أنترنت وغرف دردشة تدور أحاديث الشباب فيها على الجنس والمغامرات الخيالية, حتى نصل إلى الإعلانات التجارية بكافة أشكالها والتي صارت تملأ الشوارع والطرقات, فأينما ذهبنا نجد الجنس أمامنا.
وفي مجتمع محافظ كمجتمعاتنا نجد أن كل هذه المثيرات وكل هذا الشحن الغريزي لا يمكن تفريغه بسهولة بسبب موانع كثيرة دينية واجتماعية واقتصادية, فصار مجتمعنا متمدداً من جهة بث الجنس في كل مكان ( حتى وصل الأمر لاستخدام الرضع في أغاني وضيعة وفي ايحاءات جنسية رخيصة وهو ما تمنعه كل قوانين العالم, ولكنه مباح عندنا!), ومنكمشاً من جهة العادات والتقاليد والموانع الأخرى التي تحاسب على كل خطأ مهما كان صغيراً, حتى غدا مجتمعاً مشوهاً يعاني أفراده من مشاكل كثيرة على مستوى العلاقات الأسرية والإنسانية.

لن أدعي أن ما يجري هو مخطط ومقصود (مع أنني صرت مؤمنة بذلك, وإلا كيف نفسر مثلاً كل هذا الترويج لروايات جنسية لا تحمل لمحات فنية تستحق الإلتفات إليها, وتراها حاصلة على جوائز محلية ودولية, وتجد صحفاً رسمية محترمة تتولى نشرها؟), ولكن لو افترضنا حسن النية, أو أن الهدف تجاري بحت, فإن التأثيرات السلبية لكل هذا الإشعال الجنسي كفيلة بأن تجعلنا ندق ناقوس الخطر, في محاولة للالتفات إلى هذه الأمور ودراستها وتحليلها بحثاً عن الحلول المناسبة والطرق الناجعة لوقف هذا الانحدار الأخلاقي والإنساني, والذي تنعكس آثاره السلبية على مجتمعاتنا التي تعاني من فقدان مناعة حضارية تمكنها من مقاومة هذا النخر المميت في جسد الأمة.
وأختم مقالي بما كتبه المفكر عبد الوهاب المسيري في مقاله (الفيديو كليب والجسد والعولمة, والذي نشر في صحيفة الأهرام 8 / 4/ 2004م) , حيث قال " السعار الجنسي يفصل الفرد عن مجتمعه وأسرته‏,‏ وعن أي منظومة قيمية اجتماعية‏,‏ فيحاول تحقيق ذاته من خلال منظومة المتعة الفردية والمنفعة الشخصية‏,‏ والتي تترجم نفسها عادة الى استهلاك السلع والمزيد من السلع ‏(‏ في مجتمع تعيش غالبيته إما تحت خط الفقر أو فوقه ببضعة سنتيمترات وجنيهات خاصة بعد ارتفاع سعر الدولار‏)‏ إن الفيديو كليب يختزل الأنثى ‏(‏ والانسان ككل‏)‏ إلى بعد واحد هو جسده‏,‏ فيصبح الجسد هو المصدر الوحيد لهويته‏,‏ وهي هوية ذات بعد واحد لا أبعاد لها ولا تنوع فيها".اهـ


[email protected]

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  قصة كتاب الغارة على العالم الإسلامي

 ::

  النصابة

 ::

  الطريق...

 ::

  العرب وإسرائيل شقاق أم وفاق -3-؟ محاضرة للشيخ أحمد ديدات

 ::

  العرب وإسرائيل شقاق أم وفاق-2-؟محاضرة للشيخ أحمد ديدات

 ::

  العرب وإسرائيل شقاق أم وفاق -1-؟ محاضرة للشيخ أحمد ديدات

 ::

  سفر الخروج رواية واقعية بثوب النبوءة

 ::

  المواهب العربية في طمس الذات العربية

 ::

  زوج وزوجة و...أدب


 ::

  ما وراء التعديلات الدستورية في اليابان

 ::

  أذكى الطيور

 ::

  فلسطين وعـام 2010.

 ::

  اعادة كتابة التاريخ

 ::

  معادلة السيد والعامي نموذج لثقافة العبودية

 ::

  عيد اضحى حزين في غزة

 ::

  زواج المسيار يرفع حالات الطلاق بالسعودية

 ::

  استراتيجية فقر

 ::

  القتلى الإسرائيليون حقوقٌ وامتيازات

 ::

  عمو ذئب



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي



 ::

  نتنياهو إلى صعود والسلطة إلى هبوط

 ::

  المياه سلاح خطير للتمييز العنصري

 ::

  وصار الحلم كابوسا

 ::

  فعلها كبيرهم هذا

 ::

  اغتيال «جمعة» و«الحساسية ضد الإرهاب»

 ::

  إسرائيل تدوس القرارات الدولية بأقدامها

 ::

  السلم الاجتماعي

 ::

  الجرف الصامد وجدلية الربح والخسارة !!

 ::

  لـيـلـة "عـدم" الـقـبـض على إردوغـان !!

 ::

  القضية أكبر من راشد الغنوشي

 ::

  يوم محافظة ذي قار ... كما أراه

 ::

  نحن والمشهد المضطرب دوليا وإقليميا

 ::

  طريق الاعدام يبدأ بـ"خمسة"






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.