Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

الإصلاح في فكر محب الدّين الخطيب
رغداء زيدان   Wednesday 09-05 -2007

تمهيد
يعتبر السّيّد محب الدّين الخطيب(1) من العلماء الّذين قضّوا حياتهم في خدمة الأمّة العربيّة والإسلاميّة, وهو من المفكّرين الّذين أغنوا المكتبة العربيّة والإسلاميّة بكثير من الكتابات والتحقيقات الّتي بعثت تراث العروبة والإسلام. إلا أنّ البعض يأخذ عليه حسّه القوميّ, ومشاركته في الثّورة العربيّة الكبرى الّتي قامت في عام 1916م, والّتي كانت السّبب في القضاء على الخلافة الإسلاميّة, متناسين أنّ هذه الخلافة كانت مسؤولة بشكل كبير عن الوضع المزري الّذي وصلنا إليه, من خلال سياسة سلاطينها التجهيليّة, وضيق أفقهم, وظلمهم وتهاونهم بمصالح البلاد والعباد.
وهناك آخرون لا يرون في محب الدّين غير داعية لمحاربة الشّيعة وكشف عقيدتهم, حتى أنّهم صادروه لمصلحتهم, وحجّموا هذا الكاتب الكبير في نوع واحد من الكتابة, لا يعبّر أبداً عن فكر الرّجل الكلّي, الدّاعي إلى رفعة العرب والمسلمين في كلّ مكان. وصار محب الدّين عند الكثيرين عدّو الشيعة الأوّل, ومن رؤوس السلفيّة الّتي اتخذت من مبدأ الولاء والبراء سلاحها لتكفير كلّ من يخالفها في آرائها, حتّى صنّفه بعضهم بأنّه من رؤوس التشّيّع السّني(2) .

وفي الحقيقة فإنّ في هذا ظلماً كبيراً للرّجل, فمحب الدّين رجل من البشر يخطئ ويصيب, وهو وإن كان أخطأ في بعض مواقفه وأقواله وكتاباته, فهذا يجب أن لا يمنعنا عن إعطائه مكانته الّتي يستحقّها كعالم محبّ لأمّته, مفتخر بدينه. ويجب أن لا يمنعنا عن قراءة مقالاته لفهم أفكاره, فإذا فعلنا ذلك فسوف نعرف أنّ محب الدّين الخطيب هو من أكثر المدافعين عن أمّته وأصالتها, وأنّ دعوته للعروبة لا تتناقض بتاتاً مع التزامه بدينه ودفاعه عنه.
أمّا مهاجمته للشّيعة فناتجة عن رغبته بالدفاع بصورة رئيسية عن حملة رسالة الإسلام, الّذين نشروه في كلّ بقاع الأرض, لذلك فقد وجد في كتابات الشّيعة ما يمسّ ايمانه الراسخ بفضل الصحابة حملة رسالة الإسلام, فهاجم مذهبهم بالطّريقة الّتي نعرفها. وما أحوجنا لفهم أفكار الرّجل, ووضعها في سياقها الظّرفيّ والتّاريخيّ, فأمّتنا أحوج ما تكون إلى رصّ الصّفوف, ومحاربة الطائفيّة البغيضة, الّتي تضعف أمّتنا, وتشتت قواها.
لذلك فقد أردت من هذا البحث أن يكون نافذة تكشف جانباً مهمّاً من فكر السّيّد محب الدّين, وتظهر لنا ذلك الكاتب المفكر, الّذي كان يسعى لخدمة أمّته ودينه.
عاش محب الدّين في فترة هامّة من فترات التّاريخ العربيّ, هذه الفترة الّتي استقلّ فيها العرب عن التّرك, وبدؤوا بتكوين دولتهم الخاصّة البعيدة عن أيّ سيطرة خارجيّة كما كانوا يعتقدون. وكان الأمل كبيراً بعد الإستقلال بأن يعمل العرب للنّهضة, واللّحاق بركب الحضارة, وتعويض ما فاتهم من تقدّم, إلّا أنّ هذا الأمل لم يدم طويلاً, فقد ظهر خداع الأوروبيين وسيطروا على البلاد العربيّة, وزادوا من تخلّفها وجهلها, ومنعوا نهضتها من القيام, بل قتلوا الأمل الّذي شعّ في النّفوس البائسة, ولم يخرجوا إلّا بعد أن جعلوا الوضع أسوأ مما كان عليه أيام التّرك, فالتّخلف واحد, والاستبداد واحد, إلّا أنّ البلاد مجزّأة, والقوى مهدرة, وليس هناك من يستطيع أن يجمع الصّفوف, ويوحّد القلوب. هذه الحالة الّتي استولت على العرب, ردّتهم إلى الجاهليّة الأولى, فماذا يفعل صوت مفكّر ينادي بالوحدة؟ أو صوت مصلح ينادي بالإصلاح؟. وبالرّغم من هذا الوضع المتردّي لم تسكت الأصوات المنادية بالوحدة والإصلاح.

وكان السّيّد محب الدّين من المفكرين الّذين دعوا إلى إصلاح الأمّة. فهي بحاجة إليه في كلّ المجالات الإجتماعيّة والإقتصاديّة والسّياسيّة والتّربويّة. وهو يعرف أنّ الأمّة العربيّة والإسلاميّة هي أمّة متخلّفة ومتأخّرة, وتحتاج إلى الكثير من العمل الجادّ والمخلص لتستطيع أن تنهض وتلحق بركب الحضارة. وكان في كلّ كتاباته يصوّر حال هذه الأمّة, الحا ل المحزنة الّتي وصلت إليها من التّخلّف والتّأخّر, والضّعف وتسلّط الأعداء. هذه الحال المتردّية الّتي وصلت إليها الأمّة, كانت برأيه نتيجة من نتائج السّيطرة التّركيّة عليها, فقد أرسى الأتراك التّخلّف والجهل في البلاد العربيّة, "فكان العلم الدّينيّ الإسلاميّ في دولة السّلطان عبد الحميد(3), [كما وصف السّيّد محب الدّين], يُوزن أهله بموازين الرّتب الرّسميّة.......وكانت قبلة المسلمين في زمن ملك البرّين والبحرين, وخادم الحرمين الشّريفين, المثل الأكمل للفوضى والجوع وسفك الدّماء......وبغداد تحوّلت زمن الحكم الحميدي إلى قريّة خربة لا تساوي عُشر قيمتها اليوم. واليمن كانت دار حرب تُسفك فيها دماء العرب والتّرك جميعاً على توالي السّنين باستمرار حتّى سُميّت بحقّ مقبرة الأناضول. ومقاطعة طرابلس الغرب....صارت مقفرة من العلم والتّعليم, فلا يوجد فيها من أبنائها حامل شهادة عالية إلّا رجل واحد...... ومكّة والمدينة لم تكن توجد فيهما مدرسة واحدة تستحقّ أن تُسمّى ابتدائيّة..., وكانت المدرسة الأميريّة الثّانويّة الّتي تعلّمت أنا فيها بدمشق, عاصمة الأمويين, تُدرّس جميع المواد فيها بالطّمطمانيّة التّركيّة......, وكانت المناصب المهمّة كالقضاء والإدارة لا تشترط لولايتها كفاءة علميّة, حتّى ولا شهادات معيّنة, بل تُمنح لمن يتقرّب بالبذل لمن بيده التّعيين"(4).

فمحب الدّين كان يحمّل العثمانيين ومن بعدهم الإتحاديين مسؤوليّة التّخلف والجهل الّذي عانت منه الأمّة العربيّة, مما أدّى إلى سيطرة من نوع آخر على هذه البلاد, هي سيطرة الأوروبيّين. الّذين استغلّوا "ضعف الأمّة العربيّة القوميّ والإجتماعيّ من ألف سنة أو تزيد, فجريمة ضعفنا هي الّتي جرّت علينا مساوئ الحكم السّابق للإحتلال الفرنسيّ, ومساوئ ذلك الحكم هي الّتي صارت بنا إلى احتلال أوروبّا العسكري"(5). وقام هؤلاء المستعمرون الأوروبيّون بالتخطيط لامتلاك رقاب الشّعوب العربيّة, فجعلوهم يهتمّون بتوافه الأمور وزخارف الدّنيا, ولم يثيروا فيهم الإهتمام بالعلم أو التّقدّم الحقيقي, فالغرب برأيه لمّا أراد أن يملك رقاب الشّعوب .......استهواها بملاهيه وزخارفه وأهوائه وموبقاته, ولا خلاص لهذا الشّرق العربيّ من شراك الغرب إلّا إذا عدل أهله عن تلك الزّخارف والموبقات(6).
ومن خلال قراءتي لكتابات محب الدّين الخطيب أستطيع أن أجمل نظرته للإصلاح, بالنّقاط التّالية:

1 ـ التّربية والتّعليم:

كان محب الدّين يرى أنّ التّعليم في البلاد العربيّة والإسلاميّة هو تعليم متخلّف, ليس له هدف ولا غاية إلّا الحصول على الوظيفة, فمنذ عهد العثمانيين كانت "آمال النّشء العربيّ في كلّ مدرسة للدّولة العثمانيّة في البلاد العربيّة, أن يحذقوا لغة التّرك تكلّماً وإنشاءً وأدباً, ليتولّوا بعد ذلك وظائف الدّولة في بلادهم, والبلاد العثمانيّة الأخرى"(7) وظلّ هذا الهدف في نفوس طلابنا حتّى بعد أ ن استقلّت البلاد العربيّة عن الدّولة العثمانيّة وذلك لأنّ المستعمر الأوروبيّ قد رسّخ هذا الهدف في نفوس طلاّبنا, فأصبح همّهم "الحصول على تلك الورقة الّتي يسمّونها شهادة, ليتسنّى السّعي بواسطتها للوظائف الّتي اشترطت تلك الشّهادة للحصول عليها"(8).

وكان يرى أنّ أكثر العيوب الّتي نجدها في مدارسنا "أنّها معاهد تعليم لا معاهد تربيّة, وأنّ التّعليم فيها نظريّ, قلّما يستفيد منه صاحبه في معترك الحياة وميادين العمل. وأ نّ هذا التّعليم النّظريّ يتناول الذّاكرة والحفظ أكثر مما يتناول الوعي والفقه"(9). فهذه المدارس لا تهتمّ بتربية النّشء بقدر ما تهتمّ بتلقيتهم مجموعة من العلوم لا تفيدهم في مواقعهم, فيبقى الطّالب جاهلا ًبما يجب عليه أ ن يتعلّمه, ويتعلّم أشياء للحفظ دون الإستخدام. وهي لا تميّز بين تعليم علوم الثّقافة وتعليم علوم الطّبيعة والرّياضيات والعلوم العالميّة الأخرى.
وكما نلمس في وقتنا الحاضر, فإنّ هذا الوصف مازال على حاله, ومازالت مدارسنا ومناهجنا تعاني من القصور نفسه ومن التخلّف عينه, ومازال الطلّاب لا يفهمون الرابط بين ما يدرسونه في مدارسهم وما يعيشونه في واقعهم, لأنّ مناهجنا مازالت نظريّة بعيدة عن التطبيق, ومازال هؤلاء الطلّاب يطلبون العلم سعياً وراء غايات وأهداف بعيدة عن رقيّ العلم وهدف الحضارة وبناء المجتمع. وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أننا مازلنا نراوح في مكاننا, ومازلنا نعاني من نفس المشاكل الّتي عشناها منذ سنين طويلة.

ومحب الدّين الخطيب كان يرى أ نّ هذه المدارس كانت بحاجة إلى إصلاح, ويجب أن يبدأ هذا الإصلاح بتغيير مفهوم وهدف التّعليم في نفوس الطّلاب. ويجب أ ن نغيّر من أساليب ومناهج التّعليم عندنا, بما يتناسب مع حاجاتنا العلميّة والعامّة, والّتي تخدم تطلّعنا نحو الحضارة والتّقدّم. فقد كان يرى أ نّ برنامج مدارس النّاشئة يجب أ ن يُقتبس من أحوال مدرسة المجتمع الكبرى فالّذي تصدّى لتنشئة أبنائنا يجب عليه أن يطيل النّظر في مدرستنا الإجتماعيّة الكبرى, ويكتشف ما غمّ فيها من عيوبنا ونقائصنا, فيعمل في مدارس أبنائنا على إصلاحه وتلافي أضراره, وبهذا تخرج مدارسنا من الشّكل التّقليدي البارد, المؤسسة برامجه على أحوال بلاد غير بلادنا, أو أزمان غير زماننا"(10).

وهنا يقدّم السّيّد محب الدّين فكرة مهمّة, وهي ضرورة الإصلاح, وعدم التغافل عنه, وضرورة أن يناسب هذا الإصلاح حياتنا وهويّتنا وديننا, فليس المطلوب التغيير لمجرد التغيير, بل لابدّ أن يكون هذا التغيير مدروساً, ومتلائماً مع حاجة المجتمع, ومتناسباً مع صبغتنا العامّة وهويّتنا الخاصّة.

وكان يرى أن وظيفة المدرسة ليست قاصرة على شحن الذّاكرة بمعلومات لا يعرف النّاشئون كيف يستفيدون منها في معترك الحياة, لكنّ وظيفة المدرسة,برأيه, أن تعدّ للبلاد رجالاً ذوي مطامح بعيدة المرمى شريفة السّمعة, يسعون إليها بأجسام قويّة وعزائم ثابتة وصبر جميل سالكين أقرب طرقها, ومتحلّين بالمعلومات النّافعة لهم, في أعمالهم الخاصّة وواجباتهم العامّة"(11).

وكان يؤمن بتأثير التّربية على كلّ شيء فينا, فبها نكون رجالاً صالحين في المجتمع, أو لصوصاً وقتلةً ومتشرّدين وبها نكون كرام النّفوس محبّين للإحسان, أو لئاماً وبخلاء ومفسدين. وبها نكون صحيحي الأجسام نشيطين مرنين, أو ضعافاً وكسولين ومتقاعسين(12).

وكان يعتبر أنّ المعلّم هو الأساس, وهو الّذي يتحمّل أكبر المسؤوليّة في عمليّة التّعليم ونجاحها, وفي تحسين هذه العمليّة, وفي نقل الطّالب من مرحلة الحفظ دون الفهم, إلى مرحلة الفهم والاستيعاب. وللمعلّم الدّور الأكبر في التّغلّب على النّواقص الّتي توجد في المناهج التّعليميّة, ويجب عليه أن يحاول إصلاحها, ويتدارك الأخطاء الموجودة فيها. ويوجب على علمائنا أن يعدلوا عن أساليبهم الحاضرة في كلّ شيء, ولا يكون ذلك إلّا بأمرين, يتجلّى في أحدهما جمال الجديد, وفي الآخر جلال القديم, فأمّا الأوّل فهو أن تُؤلّف للدّراسة في المعاهد الدّينيّة الإسلاميّة كتب جديدة خالية من الحشو بريئة من التّردد, سهلة المأخذ, حسنة التّأليف والتّبويب والتّقسيم, تُوصل الطّالب إلى فهم القواعد بأقصر وقت, وتضمن تثبيت القواعد في ذهنه بالأمثلة الواضحة .... أمّا الأمر الثّاني الّذي يتجلّى فيه جلال الماضي, فهو تعويد الطّلبة مراجعة كتب الصّدر الأوّل في جميع العلوم الإسلاميّة والآداب العربيّة, لأنّ فيها ينبوع الإسلام الصّافي, وأدب العرب الجزل, وثمرات عقول السّلف أيّام النّضوج(13).
وكان يردد بشكل مستمرّ, بأنّ المعلّم هو المسؤول الأوّل, وبشكل كبير, عن نقل الأمّة من حالة التّخلّف والجمود, إلى حالة الرّقيّ والتّقدّم. وهو مسؤول عن انتقاء المواد الّتي يعلّمها لطلّابه. لذلك يجب عليه أن يعرف ماذا يختار من العلوم الّتي تفيدهم في حياتهم. وكان ينادي: "من لي بمن يخبر معلمي المدارس بما أخذوا على أنفسهم من الواجبات العظمى؟ إنّنا لا نطلب من معلمي المدارس أن يعلّموا أولادنا أشياء كثيرة, يكفي أولادنا من مسائل العلم ما يحتاجون إليه في هذه الحياة, أمّا نحن فقد كان معلمونا يعلّمونا أشياء لم تلزم لنا حتّى الآن, وفاتهم أن يعلّمونا أموراً تلزم كلّ إنسان"(14).

وهذا المعلّم لا يكون معلّماً صالحاً, برأيه, ويستطيع إعداد الرّجال العظماء, ما لم يغطّي على عيوب المنهج, كما يغطّي القاضي الحكيم على جوانب النّقص في القانون. والمعلّم الصّالح أب نصوح, وضع اللّه يده في أيدي رجال الغد ليذهب بهم إلى المهمّة الّتي تنتظرهم في الغد, فيزوّدهم بالمبادئ السّديدة والقواعد الرّشيدة, الّتي يناولون بها الفلاح فيما يضطلعون به من عمل, فيكونوا أعضاء نافعين في المجتمع(15).

ومحب الدّين كان يدعو الجميع إلى المساهمة في تهيئة معسكر التّربية والتّعليم, لإخراج جنود قادرين على مصارعة الجهل والشّرور والرّذائل وإبادة الضّعف والفقر والخمول, والقضاء على اليأس والتّفرّق والإنحلال(16). ويجب علينا, برأيه, أن نعدّ الجيل إعداداً مناسباً, ونبنيه بناء ًمناسباً, من أجل النّهضة المرتقبة, ولا يكون ذلك إلّا بتضافر الجهود مجتمعة, المدرسة من جهة, والمعلّم من جهة أخرى, والمجتمع ككل من جهة ثالثة. فالبناء الجديد الّذي من رسالة الجيل الجديد أن يقوم به يدور حول مهمّتين اثنتين, أمّا أولاهما فبعث تراثنا القوميّ من تاريخ وأخلاق وعلوم وسنن ووصايا. وتعيين أهدافنا إلى أن نعرف كياننا القوميّ كما كان في الماضي, وكما يجب أن يكون في المستقبل........أمّا المهمّة الثّانية, فهي مطاردة آثار الاستعمار في نفوس أبناء الجيل, وفي مرافقهم, وفي بيوتهم, وفي عاداتهم وأنظمتهم, ثمّ مطاردة معاني الضّعف الّتي طرأت على مفهوم الدّين في عقول العامّة وأشباه العامّة ما لم يكن للصّحابة والتّابعين علم به, في نفوس الجيل العربيّ الجديد ..........وبذلك نبعث سنن الإسلام الصّحيحة, في مجتمعنا الإسلاميّ المعاصر(17). ولن يتمّ لنا ذلك إلّا إذا عرفنا أهميّة التّربية والتّعليم, فبهذه التّربية تُبنى الدّولة, وبها نصل إلى الأهداف الّتي نريد, يقول: "إنّ أسلوب التّربية والتّثقيف في المدارس والجامعة هو الّذي يبني الدّولة, وهو الّذي يكوّن الوحدة, وهو الّذي يسير بالأمّة إلى الأهداف"(18).
2 ـ فقدان الهويّة:

عالج محب الدّين الخطيب مسألة أخرى, كان يعتبرها السّبب الرّئيس في تخلّف العرب والمسلمين, وهذه المسألة هي فقدان الهويّة الخاصّة الّتي تلزم للتّقدّم والرّقيّ. والمقصود بهذه المسألة هو الهويّة الإجتماعيّة, الّتي يجب أن تميّز الأمّة العربيّة والإسلاميّة عن غيرها من باقي الأمم, وتميّز تقدّمها وحضارتها, بحيث تُعرف بين أمم الأرض بهذه الهويّة وهذه السّمة. ويجب أن لا تذوب هذه الأمّة في الأمم الأخرى لأنّها أمّة عريقة ذات حضارة وعلم, ولكنّ الظّروف المحيطة لم تساعدها على إظهار هذه الهويّة بالشّكل المطلوب. وكان يرى أنّ هذا الأمر هو مرض أصاب الأمّة العربيّة, "من جملة الأمراض الّتي أصابتها جرّاء التّخلّف الّذي حلّ فيها. وقد جاءنا أيضاً من إهمال أهل الرّأي فينا تنظيم حياتنا الإجتماعيّة, وجعلها ملائمة لديننا من جهة, ولمصلحتنا من جهة أخرى. وهنا نعود فنقول: العيب في القيادة. أي في الّذين بيدهم القيادة الفكريّة أوّلاً, والقيادة الماليّة ثانياً "(19).

وكان يعتبر أنّ البلاد العربيّة والإسلاميّة فقدت قيادتها الفكريّة, وفقدت بالتّالي هويّتها الحقيقيّة, لأنّ أهل الرّأي والفكر تركوا الأمور تسير دون ترشيد أو تصحيح أو تحسين ولم يحاولوا إزاحة ما فيه ضرر على عقيدتنا وهويّتنا, وأصبحت الأمور مختلطة, لا يُعرف الصّحيح من الخاطئ. "فالتّطور الإجتماعي الجديد قد هاجمنا كالسّيل المتدفّق, سواء أردناه أو لم نرده, ومن سوء حظّنا أنّ طلائعه جاءتنا ممزوجة الخير بالشّرّ, مختلطة النّفع بالضّر, فإذا أردنا أن نجعل هذا الوطن وطن علم وقوّة ونظام وغنى, يجب علينا أن نأخذ بما في هذا التّطور الإجتماعيّ الجديد من أسباب الخير, وننصّب أنفسنا دعاة لها, ومحرّضين عليها, فنرفع بلادنا إلى مستوى البلاد الرّاقية. وأن نهذّب أخلاقنا, ونطهّر أعراقنا باجتناب ما جاءنا مع هذا التّطور الإجتماعي من أسباب الشّرّ, وننصّب أنفسنا نهاة عنها, ومحذّرين منها"(20).

ويجب, برأيه, أن نعرف أنّ أمّتنا قد امتازت بميزة أساسيّة, وهي أنّ آخرها متّصل بأوّلها, وأنّ ماضيها من ثروة حاضرها, وأنّ أهداف مستقبلها مرسومة في سنن أسلافها(21). وعلى هذا فإنّ نهوض الأمّة منوط بمعرفة ماضينا والمحافظة على تراثنا وهويّتنا, وسيكون تقدّمنا الإجتماعيّ مرتبط بمدى معرفتنا لهويّتنا ولتراثنا, فلا نأتي بما يخرجنا عن هذه الهويّة. لذلك فإنّ "الخوف علينا ليس من أعدائنا مهما كانوا, وإنّما الخوف علينا من تقصيرنا وغفلتنا"(22). وهذا الّذي كان يحذّر منه ويدعو إليه, هو نفسه الّذي وقع فيه العرب والمسلمون فيما بعد, حيث عانوا من آثاره ونتائجه السّيئة في كلّ مرافق حياتهم. لذلك فإنّ العرب والمسلمين اليوم مطالبون بأن يرسموا الخطط اللّازمة لنهضتهم الإجتماعيّة, لأنّ الزّمن الّذي كان يرتجل فيه المسلمون مخرجاً لكلّ نازلة قد انقضى, وآن لهم أن يرسموا لاتّجاههم العام خططاً, يتّصل آخرهم بأوّلهم, ويتعاون على تحقيقها باديهم وحاضرهم, ويؤمن بضرورة الوصول إلى أهدافها أفرادهم وجماعاتهم (23).

ويجب على العرب والمسلمين أن يعرفوا أنّ هناك عقبات تعترض طريقهم للسّيادة والتّرقّي والحضارة, ويجب عليهم أن يعرفوا هذه العقبات, ليسهل عليهم إزاحتها. وبيّن السّيّد محب الدّين في إحدى مقالاته أنّ هناك عقبتين تعترضان طريق العرب والمسلمين للسّيادة, "أمّا أولاهما, وهي أصعبهما, فانصرافنا عن الإنتفاع بما أنعم اللّه به علينا من هداية ديننا ومزايا قوميّتنا وكنوز أوطاننا, والقوى الّتي أودعها اللّه في نفوسنا. أمّا العقبة الأخرى الّتي تحول في الدّور المنصرم بيننا وبين السّيادة, فتكالب أعدائنا علينا, واستعمارهم لبلادنا بصناعاتهم العليا, ومتاجرهم الواسعة, وأموالهم النّامية بالأنظمة الدّقيقة. وأقبح ألوان استعمارهم لنا استعمارهم لعقولنا وقلوبنا ونفوسنا, بما رسموه لنا من مناهج التّربية والتّعليم, وبما سلّطوه علينا من أذواق وآراء وأفكار واتّجاهات واقتناعات, حتّى انسلخنا عن ماضينا, وتحوّلنا عن أهدافنا, وجهلنا أنفسنا, واستخففنا بها وبأصولها, وسخرنا بكلّ ما لا يدمجنا في كيانهم المعنويّ, وكلّ ما لايصبغنا بلونهم الأدبيّ(24).

ولا أدري ماذا سيقول السّيّد محب الدّين لو أنّه عاش هذا الّذي نحن فيه من ذوبان وتقليد واستلاب وضياع, حتّى صار كلّ صوت يدعو للمحافظة على الهويّة, هو صوت متخلّف, وحتّى غدا كل مدافع عن تراثنا وديننا متحجّراً لا يقبل التغيير والتّطوير, وحتّى صارت كلّ دعوة للمراجعة والاستفادة من الأخطاء والاعتبار هي دعوة للرّجوع إلى ماضٍ عفى عليه الزّمان. فلله الأمر من قبل ومن بعد.

3 ـ الاقتصاد:

ومن المجالات الّتي دعا محب الدّين إلى إصلاحها أيضاً الإقتصاد. لأنّ الاستقلال الحقيقيّ لأيّ دولة لا يتمّ إلّا باستقلالها الإقتصاديّ. فقد كان يقول: "أنا أفهم للاستقلال معنىً واحداً وهو أن تكون الأمّة غير مقيّدة بمصالح دولة أخرى, تحول بينها وبين اكتساب المرونة الصّناعيّة, والاستثمّار الزّراعيّ والمعدنيّ, والتّوسّع الماليّ والتّجاريّ, والاستعانة بالآداب النّاشئة وإعدادها لجليل الأعمال, وحسن استخدام مرافق البلاد وقوى سكانها في سبيل الغايات المشار إليها. فإذا قيّض اللّه لأمّة أن تتخلّص من ربقة الانقياد لإرادة أمّة أخرى كانت ذات مصالح مخالفة لمصالحها, فإنّ هذا التّخلّص يكون حينئذ نعمة سلبيّة لا إيجابيّة, أي أنّ هذه النّعمة تكون مبنيّة على أساس زوال الضّير, لا على أساس تحصيل الخير. ولا يتأتّى تحصيل الخير إلّا بنهوض الأمّة كلّها للسّعي له في طريقي الاستقلال الاقتصاديّ, والأخلاق الفرديّة والاجتماعيّة"(25).

ودعا محب الدّين إلى تأسيس مصرف ماليّ عربيّ, مؤسس على أساس متين, ويكون خطوة من خطوات الإصلاح الاقتصاديّ في بلاد العرب والمسلمين. وكان يرى أنّ المصارف الوطنيّة هي عنوان الاستقلال, فنحن الآن أمام فرصة سانحة لإلقاء أخطاء اقتصاديّة كثيرة بتأسيس مصرف ماليّ عربيّ تشترك الأمّة والحكومة معاً في تأسيسه........., المصارف الوطنيّة عنوان الاستقلال الاقتصادىّ, والاستقلال الاقتصاديّ دعامة الاستقلال السّياسيّ(26).

وعندما تصبح الأمّة قادرة على تربية أبنائها تربية اقتصاديّة صحيحة, ليكونوا تجّاراً وطنين, أو صنّاعاً وطنين أو زرّاعاً وطنين, عند ذلك تملك اقتصادها, وعند ذلك سوف تستطيع أن تكون أمّة ناهضةً راقية. يقول: "إنّ أبناء هذا الوطن سيشعرون في القريب العاجل بالحاجة إلى تجّار وطنين........وإذا لم نسرع لإيجاد العدد الوافر من التّجّار الوطنين للمستقبل القريب, فإنّ دوائر الحكومة ستسدّ أبوابها في وجوه طلاّب الوظائف اكتفاء بمن لديها, ودفّة تجارتنا ستدار بيد غيرنا في عقر دارنا......وإنّ أبناء هذا الوطن سيشعرون في القريب العاجل أيضاً بالحاجة إلى رجال وطنيين يتولّون إدارة أراضيهم الزّراعيّة, فإذا ظلّ أبناء الأراضي الزّراعيّة على رغبتهم المعهودة في الخروج من المدرسة إلى الوظيفة في إحدى دوائر الحكومة, فسيأتي يوم يتوسّل فيه الأغيار بكلّ الوسائل لشراء أراضينا من أيدي أبنائنا الّذين لا يحسنون الاستفادة منها......وما يُقال عن حاجة الوطن إلى المتعلّمين الأكفاء من التّجّار والزّراعين, يُقا ل أيضاً عن حاجته إلى الرّجال الصّالحين لإدارة الصّناعات الرّاقية, حرصاً على بقاء قياد البلاد في أيدي رجالها, وحفظاً لثروتها في جيوب أهلها..., إنّ تمتع البلاد بالاستقلال السّياسي منوط بإستقلالها في أوضاعها التّجاريّة والزّراعيّة والصّناعيّة"(27).

وكان يريد من العرب والمسلمين أن يصلحوا اقتصادهم ويطوّروه, ولكنّ هذا لا يعني أن يستقدموا أنظمة اقتصاديّة تخالف الشّرع الإسلاميّ, لأنّ الإسلام نظام اقتصاديّ, كما أنّه نظام اعتقاديّ, والإسلام نظام حكم(28). لذلك فإنّ محب الدّين حارب الشّيوعيّة, واعتبر أنّها نظام فاسد لا يصلح أن يكون نظاماً للمسلمين في حياتهم الإقتصاديّة. فهي تخالف روح الإسلام الّذي يعطي كلّّ ذي حقٍّ حقّه, ولا يبخس جهود النّاس فرادى أو جماعات. فنظام الإسلام في نظره "يكفل لكلّ جاهد ثمرة جهده, ويبارك لكلّ مالك بما يملك, وبعد اقراره هذا المبدأ يطالب المالك, لأجل أن يبارك اللّه له في ملكه, بأن يُنصف المتعاونين معه على استغلال هذا الملك والإنتفاع به, فينتفع المالك والمستأجر, والعامل في الأرض, على قدر حقوقهم وجهودهم"(29).

إنّ اهتمام السّيّد محب الدّين بالاقتصاد يُظهر بوضوح فهمه الجيّد والعميق لأولويّات التّقدّم الحضاريّ, لذلك فقد استمرّت دعوته إلى الاهتمام باقتصاد العرب والمسلمين, رغبة منه في تقدّمهم ورقيّهم.


4 ـ السّياسة:

وبما أنّ السّياسة هي الّتي تحرّك الاقتصاد, فقد اهتمّ محب الدّين بإصلاح السّياسة كطريق لإصلاح كلّ مجالات الحياة. ودعا إلى إصلاح قيادات الدّولة, واعتبر أن عصور الضّعف الّتي مرّت على البلاد الإسلاميّة قد حرمتها من شيء هامّ جدّاً, وهو وجود طبقة أهل الحلّ والرّبط والعقد, فاضطررنا إلى أخذ نظام الغير في الحكم, بما فيه من عيوب ونقائص كثيرة, وقد آن الآن للأمّة أن تعود إلى نظامها الإسلاميّ الّذي فيه عزّها وسؤددها. وهذا النّظام الإسلاميّ, في نظره, قد ضمن للأمّة الإسلاميّة والعربيّة أنّها إذا عادت إلى تطبيقه التّطبيق الصّحيح فإنّها ستكتشف فيه ما يجعلها في مقدّمة الأمم حضارة ورقيّاً. وكان يقول:"أنا أعترف بأنّ عصور الضّعف والانحطاط, وما ترتّب على الضّعف والانحطاط من تحكّم الاستعمار ببلاد الإسلام, قد حرم المسلمين من طبقة أهل الحلّ والعقد على ما كانت عليه في عصورنا الذّهبيّة, فاضطررنا لأن نُبقي على النّظام النّيابيّ الأجنبيّ عنّا, وأن نتحمّل كلّ ما نراه بعيوننا من عيوبه, الّتي فرّقت بين الأهل والأصدقاء, وأوجدت الإحن والعداوات ... ولن ينقذنا من هذا النّظام الأجنبيّ, إلّا رجوع الأمّة إلى ما دعوت إليه من العناية بالأخلاق الفرديّة ليتكوّن من مجموعها المجتمع الصّالح فتنبع في الأمّة طبقة أهل الحلّ والعقد. وحينئذ يكون لنا نظامنا القوميّ الّذي يغنينا عن النّظام النّيابيّ الأجنبيّ, الّذي لمسنا ولمس الأجانب أيضاً عيوبه, إلّا أنّهم مثلنا راضون به, لأنّه شرٌّ لا بدّ منه. أمّا نحن فإنّ رجوعنا إلى قواعدنا وسنننا, بعد رجوعنا إلى أخلاقنا وسجايانا, سيعيدنا إلى أنظمتنا الّتي كانت لنا في عصورنا الذّهبيّة, ويومئذ نباهي بها أمم الأرض"(30).

وكما يظهر لنا فإنّ كلام السّيّد محب الدّين هو كلام نظري بحت, فهو لم يبيّن ما هي الأنظمة الذهبيّة الّتي تحدّث عنها, فهو لم يكن غافلاً عن حقيقة هامّة, وهي جهل العرب والمسلمين بطرق الحكم. وقد أرجع السّبب في ذلك إلى وقوعهم الطّويل تحت نير الاستعمار. وكان يرى أنّ على العرب والمسلمين أن يعلّموا أولادهم المبادئ الدّيمقراطيّة, وذلك حتّى يتعوّدوا منذ الصّغر طرق الحكم الصّحيحة, دون أن يضطرّوا فيما بعد إلى الاعتماد على غيرهم من الأجانب, الّذين لا يهمّهم سوى الحصول على خيرات البلاد.

أما المبادئ الدّيمقراطيّة في نظره فلها مظهران رسميّان, أحدهما وجود السّلطة العامّة بيد الشّعب, والتّصرف فيها بواسطة نوّاب ينتخبهم لينوبوا عنه في وضع القوانين, ومراقبة تنفيذها. والثّاني أن تكون قوانين البلاد وأنظمتها مبنيّة على قواعد الحريّة والعدل والمساواة.....ليست التّربية الاستقلاليّة والمبادئ الدّيمقراطيّة طريقين مختلفين للحريّة والقوّة والإرتقاء, بل هما في مثل بلادنا مرحلتان في طريق واحد, المرحلة الأولى التّربية, والمرحلة الثّانية الدّيمقراطيّة. وإنّ كلّ المصائب الّتي أُصيبت الدّيمقراطيّة بها في الممالك الأخرى, نشأت عن تشييدها على غير أساس التّربية الاستقلاليّة. إذ ليس معقولاً أن نطلب الوصول إلى المرحلة الثّانية من الطّريق, قبل اجتياز المرحلة الأولى منه"(31).
وكان محب الدّين يريد أيضاً من المسلمين أن يتعلّموا كلّ ما يتعلّق بالحكم, حتّى أنّه طلب منهم أن يتعلّموا كيفيّة المعارضة في الحكم, بحيث لا تخرج هذه المعارضة بهم عن الإسلام, فكان ينتقد طريقة المعارضة والموالاة في الأحزاب المختلفة, فالمعارضة تعارض في كلّ شيءٍ والموالون للحكومة من أعضاء حزبها تذوب شخصيّاتهم وآراؤهم واقتناعاتهم تجاه مواقف حكومتهم في خططها. فلا المعارضة تركّز معارضتها على أساس من المصلحة العامّة, ولا الحزب الموالي يركّز موالاته على أساس من المصلحة العامةّ, أمّا أسلافنا فلم يكونوا هكذا, بل كانت لهم في الموالاة والمعارضة طريقة اقتبسوها من نظام دينهم, ومن هدي نبيّهم(32).

وكان يريد من الأفراد أن يعلموا أنّهم مسؤولون عن اختيارهم لمن ينوبون عنهم في مجالس الحكومة ويريد منهم أن يختاروهم بشكل جيّد ومدروس. لأنّ هؤلاء النّوّاب سيقومون بإصدار القوانين, وبتشريع الأنظمة الّتي تحكم حياة الأمّة ومستقبلها. والّذين كتبوا أعضاء مجلسي النّوّاب والشّيوخ في أوراق الإنتخاب, هم الّذين ناطوا بهذين المجلسين, وبمن يأتي إلى كراسي الحكم عن طريقهما مهمّة تكوين الأمّة, وتكييفها وتوجيهها(33).

5 ـ تنظيم عمليّة الإصلاح:

كتب محب الدّين مقالاً في مجلّته الزّهراء(34)جعل عنوانه "حملة التّجديد والإصلاح وهل لها قادةٌ حكماء؟ رسموا لها الخطط الحكيمة؟", بيّن فيه جوانب الإصلاح الّذي يدعو إليه ومجالاته وأهدافه وخططه. وقد جاء في هذا المقال قوله: "مما صار يستحي النّاس من المجادلة فيه, أنّ العزّة والسّيادة سواء كانتا في بدايتهما, أو في السّنام الأعظم من رفعتهما لا يتحققان إلّا باكتساب معارف واسعة النّطاق, كثيرة الفروع, دقيقة الوضع, في كلّ معنىً من معاني الحياة, وفي كلّ ضرب من ضروب العمل, وفي كلّ وسيلة من وسائل القوّة, وفي كلّ غاية من غاياتها. بل إنّ الشّعب الّذي يلّم أفراده وجماعاته بهذه المعارف الّتي وصل إليها البشر في كلّ باب من أبوابها, لا يأمن على نفسه الوقوع في شبكة التّأخّر, ولا يدفع عن نفسه خطر الرّضوخ للذّلّ إذا لم يكن مراقباً لكلّ ما تبتكره العقول من جديد, في أدنى الأرض أو أقصاها"(35).

واعتبر محب الدّين أنّ العلم والمعرفة أساس في الإصلاح. والأمّة الجاهلة هي أمّة متخلّفة. وإذا قصّرت في تحصيل العلوم اللّازمة الحديثة, فإنّها سوف تتأخّر عن غيرها من الدّول, ولن تستطيع فيما بعد اللّحاق بركب الحضارة, لذلك فقد كان يعتبر الجهل هو السّبب الأساس في التّخلّف والجمود. فالعلم, ضروريّ في كلّ عمل تريد الأمّة القيام به, ولابدّ للشّعب الّذي يريد أن يتجرّد من ثوب الذّلّ, أن يكون له من أبنائه من يحسن صنع المدفع, والمدفع لا يصنع إلّا بعلوم واسعة دقيقة, أُلّفت فيها الكتب, وإذا عرف صانعو المدفع هذه العلوم, فلابدّ لهم من مادة الفولاذ الّتي لا يمكن الحصول عليها إلّا بعلوم واسعة ودقيقة, وإذا عرف صانعو الفولاذ هذه العلوم الواسعة الدّقيقة, فلا سبيل إلى استعمال علومهم إلّا في شعب واسع الثّروة جيّد الأخلاق, يحسن إدارة أعماله الشّخصيّة والصّناعيّة والتّجاريّة والأدبيّة والحكوميّة. وكلّ هذا لا يكون في هذا الشّرق الإسلاميّ, إلّا بالتّجديد القائم على تعليم الشّعب وأبناء الشّعب علوم الإدارة والتّنظيم, وعلوم الاقتصاد, وتثميير الأموال واستثمّارها, وعلوم القوّة والعزّة, الّتي تقي الأمّة والوطن من أن يكونا تحت تصرّف إرادة أمّة أخرى, ووطن آخر(36).

وأكّد محب الدّين في مقاله على ضرورة رسم الخطط اللّازمة للسّير عليها, دون الإنخداع بالتّجديد المدسوس, الّذي لا يقدّم نهضة, ولا يفيد في مستقبل الأمّة ولا في حاضرها, وكان يقول: "حملة التّجديد والإصلاح, لا يجوز لنا قطّ أن نندفع في طريقها بلا خطط مرسومة. ولا يجوز لنا قطّ أن نغفل عن معرفة ما إذا كانت الخطط من شأنها أن تصل ما بين مبادئنا المعلومة وغاياتنا المطلوبة, ولا يجوز لنا قطّ أن نأمن الّذين يسيرون بنا في تلك الخطط, إلّا إذا علمنا أنّهم مؤمنون حقّاً بالمبدأ الّذي نتّفق عليه, وينطبق على حاجتنا من التّجديد والإصلاح. هناك تجديد حقيقيّ, وتجديد مدسوس. وإذاً, فالقياس الّذي يتميّز به التّجديد الحقيقيّ عن التّجديد المدسوس هو تعيين المبادئ والغايات, ورسم الخطط فيما بينهما"(37).

وكان يحثّ العاملين على نقل الحضارة الحقيقيّة, دون نقل القشور الزّائفة. وهذه القشور لا ينقلها إلّا الضّعفاء الّذين لا يملكون حضارة, وليس عندهم تراث غنيّ ساهم في تقدّم البشريّة كلّها. وكان يتسائل: "تُرى متى يوجد فينا العاملون على نقل صناعات أوروبّا إلى الشّرق فيقوى بها الشّرق. ويحلّ هؤلاء العاملون الصّالحون محلّ الدّعاة إلى نشر مصنوعات أوروبّا في الشّرق, فكانوا سبب ضعفه واستعباده ؟. نريد الجوهر لا العرض, نريد اللّباب لا القشور, نريد الصّناعات لا المصنوعات"(38).

وبرغم كلّ شيء فقد كان محب الدّين متفائلاً, وكان يرى أنّ الإصلاح والنّهضة لا بدّ آتيان, إن عاجلاً أو آجلاً. بشرط أن يعمل العاملون على قيام هذه النّهضة, بكلّ جهد وإخلاص ومحبة لهذا الوطن وأهله. وكان يقول: "بدأ الشّرق العربيّ يفتح عينيه, فنرجو أن يكون المثقّفون من رجاله حكماء في معالجة ما يحتاج إلى العلاج من عيوبهم الّتي أقرّها المستعمرون وزخرفوها وخادعوا بزخرفها النّاس وإذا عالجها أبناء الوطن بأساليب التّعاون, وبروح الحكمة والرّحمة المنبعثة من صميم الإسلام, فإنّهم عند نجاحهم في مهمّتهم العظمى وتمتّع أمّتهم بثمراتها ستظهر لهم وللأجيال من بعدهم فداحة مسؤوليّة ما فعل الاستعمار, يوم كان يأخذ بيد الأوطان العربيّة إلى مصلحته هو وحده, لا إلى ما كانت تقتضيه أمانة الحضارة"(39).
وخلاصة القول هو فيما كتبه محب الدّين بعنوان "الأساس الّذي نقيم عليه نهضتنا". هذا المقال الّذي أوضح فيه ما يمكن أن نسمّيه خلاصة بحثه في الإصلاح. وقد قال فيه: "الأمم العربيّة والعالم الإسلاميّ على أبواب نهضةٍ وبعثٍ جديدٍ لا شكّ فيهما, وفي كلّ يومٍ ألقى شباباً من شبابنا المثقّف يسألني الواحد منهم أوّل ما يسأل: ماذا يجب أن نعمل؟ بماذا يجب أن أبدأ ؟. ما هو الطّريق الّذي تشير عليّ بأن أجعله طريقي في الحياة؟............ وجوابي دائماً لأمثال هؤلاء الشّبان الأطهار, إنّ العمل كثير, والمهمّة الّتي تواجه هذا الجيل, وكان يجب عليه أن يضطلع بها كاملة وافية أعظم من أن يكفي لها عددنا لو أنّنا تفرّغنا كلّنا لها. لأنّ من ورائنا تراث أربعة عشر قرناً في الإسلام, يجب علينا دراسته وتحليله ومعرفة جميع عناصر الخير والشّرّ الّتي فيه, وسيرة الّذين عملوا فيه لأخذ المسلمين إلى طريق الإسلام, والآخرين الّذين عملوا لتحويل المسلمين عن أهداف الإسلام باسم الإسلام, وأولئك من الكثرة إلى درجة أنّ الّذين نسمع بأسمائهم, ونعرف شيئاً عنهم, لا يبلغون جزءاً من مليون جزء من رجال العلم والأخلاق والفضائل والجهاد في سبيل الحقّ والخير. والآخرون الّذين أفسدوا في الإسلام, باسم الإسلام, قد أنسى اللّه المسلمين العدد الأعظم من أسمائهم, فماتوا, وماتت أسماؤهم معهم..... هذا بعض تراث الإسلام فينا من أربعة عشر قرناً. وإنّ لنا وراءه تراثاً آخر للعروبة يتوغّل أكثر من أربعين قرناً في أحشاء الماضي, ومنه هذه اللّغة العجيبة, الثّريّة الدّقيقة, الجميلة الوارفة الظّلال, الأبديّة الحياة. هذه اللّغة وما تدلّ عليه من خطرات النّفس, ومدارك عقل, وعواطف قلب, وتسلسل, وتناسل, وتكاثر في المعاني, وفي مشتقّات الألفاظ الدّالة على هذه المعاني. كلّ ذلك يحتاج منّا إلى دراسات لا آخر لها. للجهاد بالسّلاح أهله الّذين وجّههم اللّه إليه ويسّره لهم. وللجهاد بالدّعوة أهله الّذين وجّههم اللّه إليه ويسّره لهم. وللجهاد الاقتصاديّ أهله كذلك. وما من عمل ظاهر ويتّصل بمعايش المثقّفين إلّا وله من أبنائنا المثقّفين كتائب مجنّدة للاضطلاع به"(40).

(1) ـ محب الّدين الخطيب, ( 1303 - 1389 / 1886 - 1969), ولد في دمشق, وتعلم بها وبالاستانة, وشارك في إنشاء جمعية النهضة العربية, عمل في تحرير المؤيد. وعندما أعلنت في مكة الثورة العربية عام 1916م قصدها وحرر جريدة القبلة وحكم عليه الاتراك بالإعدام غيابياً. ولما جلا العثمانيون عن دمشق، عاد إليها 1918م, وتولى إدارة جريدة العاصمة. وفر بعد دخول الفرنسيين فاستقر في القاهرة, وعمل محرراً في الأهرام. وأصدر مجلتيه الزهراء و الفتح وكان من أوائل مؤسسي جمعية الشبان المسلمين. وتولى تحرير مجلة الأزهر ست سنوات, وأنشأ المطبعة السلفية ومكتبتها ، أشرف على نشر عدد كبير من كتب التراث. ونشر من تأليفه "اتجاه الموجات البشرية في جزيرة العرب" و "تاريخ مدينة الزهراء بالأندلس" و "ذكرى موقعة حطين" و "الأزهر، ماضيه وحاضره والحاجة إلى إصلاحه" و "الرعيل الأول في الاسلام" و "الحديقة" وغيرها؛ انظر, محمّد مطيع الحافظ ونزار أباظة, تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر الهجري, دمشق, دار الفكر, 1406 / 1986, 2, 847 وما بعدها.
(2) ـ محمّد بن المختار الشّنقيطي, الخلافات السّياسيّة بين الصّحابة, رسالة في مكانة الأشخاص وقدسيّة المبادئ, تكساس, الولايات المتحدة الأمريكيّة, 1424/ 2003, 70؛ وانظر, مخاض الفكر السّلفي, 2002, www.fiqhsyasi.com/makhad.htm.
(3) ـ عبد الحميد بن عبد المجيد بن محمود الثّاني, ولد سنة 1269 / 1842, وتولّى الحكم سنة 1293 / 1876, وخُلع سنة 1327/1909, نُفي إلىسلانيك, وتوفّي في قصر بكلربكي في استانبول سنة 1337 / 1918. اختلف فيه النّاس فبعضهم وصمه بالإستبداد والتّسلّط, وآخرون اعتبروه حاكماً جيّداً, ولكنّ الظّروف لم تساعده على حفظ ملكه, لأنّ المؤامرات الّتي حيكت ضدّه كانت كبيرة . عُرف عنه الذّكاء والدّهاء, ولم يرضخ لمطالب اليهود في فلسطين. انظر, محمّد حرب, مذكّرات السّلطان عبد الحميد, دمشق, دار القلم, ط3, 1412 / 1991, 17.
(4) ـ محب الدّين الخطيب, "نهضة الأمّة للإضطلاع برسالتهم", في الفتح, 823 (جمادى الآخرة, 1365), 362.
(5) ـ محب الدّين الخطيب, "حادثة الجلاء عن سوريا", في الفتح, 834 (جمادى الأولى, 1365), 532 .
(6) ـ محب الدّين الخطيب, "شعرنا وشاعرتا", في الزّهراء, 3 (ذو الحجة, 1345), 621.
(7) ـ محب الدّين الخطيب, الدّكتور صلاح الدّين القاسمي آثاره, القاهرة, المطبعة السّلفيّة, 1379/ 1959, 3.
(8) ـ محب الدّين الخطيب, "تعليمنا الإبتدائي والثّانوي فاسد, وتعليمنا الجامعي أشدّ فساداً", في الفتح, 849 (ذو القعدة,1366) 857.
(9) ـ المصدر نفسه, 857.
(10) ـ محب الدّين الخطيب,"كيف يجب أن تكون؟ كلمة عن المدارس", في العاصمة, 65(محرّم, 1388/تشرين الأوّل, 1919),1.
(11) ـ المصدر نفسه, 1.
(12) ـ محب الدّين الخطيب, "صحّة التّفكير", في العاصمة, 97 (جمادى الأولى, 1338 / كانون الثّاني, 1920), 1.
(13) ـ محب الدّين الخطيب, "الإصلاح الإسلاميّ", في الزّهراء, 3 (شوّال, 1344), 596 .
(14) ـ محب الدّين الخطيب, "صحّة التّفكير", في العاصمة, 97 (جمادى الأوّلى, 1338 / كانون الثّاني, 1920), 1.
(15) ـ محب الدّين الخطيب, "مستقبل الجيل في يد المعلّم", في الفتح, 849 (ذو القعدة, 1366), 851 .
(16) ـ محب الدّين الخطيب, "التّربية الاستقلاليّة, والمبادئ الدّيمقراطيّة", في العاصمة, 96(جمادى الأولى, 1338/ كانون الثّاني, 1920), 1.
(17) ـ محب الدّين الخطيب, "يا شباب الجيل", في الفتح, 845 (رجب, 1366), 755.
(18) ـ محب الدّين الخطيب, "حادثة الجلاء عن سوريا", في الفتح, 834 (جمادى الأولى, 1365), 533.
(19) ـ محب الدّين الخطيب, "بماذا يكون المسلمون أمّة", في الفتح, 125(محرّم, 1348), 1 .
(20) ـ محب الدّين الخطيب, "الشّباب", في العاصمة, 100(جمادى الأولى, 1338 / شباط, 1920), 1.
(21) ـ محب الدّين الخطيب, "يا شباب الجيل", في الفتح, 845 (رجب, 1366), 755.
(22) ـ محب الدّين الخطيب, "مصيبة العرب باليهود ومصيبة اليهود بالصّهيونيين", في الفتح, 842 (ربيع الآخر, 1366), 685.
(23) ـ محب الدّين الخطيب, "جبهة إسلاميّة موحّدة", في الفتح, 844 (جمادى الأخرى, 1366), 749.
(24) ـ محب الدّين الخطيب, "ميثاق ", في الفتح, 863 (محرّم, 1368), 3.
(25) ـ محب الدّين الخطيب, "دعامتنا الاستقلال", في العاصمة, 54 (ذو الحجة, 1337 / آب, 1919), 1.
(26) ـ محب الدّين الخطيب, "دعوة إلى تأسيس مصرف ماليّ عربيّ", في العاصمة, 118(شعبان, 1338 / نيسان,1920), 1.
(27) ـ محب الدّين الخطيب, "التّربية الاستقلاليّة", في العاصمة, 94 ( ربيع الثّاني, 1338 / كانون الثّاني,1920), 1.
(28) ـ محب الدّين الخطيب, "الخيانة العظمى", في الفتح, 837 (شعبان, 1365), 584.
(29) ـ محب الدّين الخطيب, "لماذا نقاوم الشّيوعيّة ؟", في الفتح, 837 (شعبان, 1365), 582.
(30) ـ محب الدّين الخطيب, "نظام الدّولة والجماعة في التّشريع الإسلاميّ", في الفتح, 847 (رمضان, 1366), 804 .
(31) ـ محب الدّين الخطيب, "التّربية الاستقلاليّة والمبادئ الدّيمقراطيّة", في العاصمة, 96(جمادى الأولى, 1338 / كانون الثّاني, 1920), 1.
(32) ـ محب الدّين الخطيب, "معارضة الحكومة في النّظام الإسلاميّ", في الفتح, 854 (ربيع الآخر , 1367), 1.
(33) ـ محب الدّين الخطيب, "كما تكونوا ي

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         
  على نصر  -  مصر       التاريخ:  21-11 -2007
  بسم الله الرحمن الرحيم
    جزاكم الله خيرا على موقعكم الرائع
   وبعد
    مقالكم الرائع ( الإصلاح في فكر محب الدّين الخطيب)
   وهو فصل من رسالتكم للماجستير
   فأرجو من سيادتكم التكرم بذكر بيانات الرسالة و
    ارساله الي على بريدي الالكتروني
   حيث اعد رسالة ماجستير عن ( الاتجاهات الأدبية و النقدية فى مجلة الزهراء)
   للشيخ محب الدّين الخطيب .
    [email protected]
    وجزاكم الله خيرا
   



 ::

  قصة كتاب الغارة على العالم الإسلامي

 ::

  النصابة

 ::

  الطريق...

 ::

  العرب وإسرائيل شقاق أم وفاق -3-؟ محاضرة للشيخ أحمد ديدات

 ::

  العرب وإسرائيل شقاق أم وفاق-2-؟محاضرة للشيخ أحمد ديدات

 ::

  العرب وإسرائيل شقاق أم وفاق -1-؟ محاضرة للشيخ أحمد ديدات

 ::

  سفر الخروج رواية واقعية بثوب النبوءة

 ::

  المواهب العربية في طمس الذات العربية

 ::

  زوج وزوجة و...أدب


 ::

  الشاكون من التزوير!

 ::

  النغم الإلهي

 ::

  نوبات الغضب.. تؤثر سلبا على وظائف الرئة

 ::

  الهند تنبذ «داعش»

 ::

  اجعل طعامك دواءك واجعل دواءك طعامك..!

 ::

  المرأة عمالة رخيصة في سوق العمل

 ::

  الوصاية اليهودية على حراس الأقصى وموظفي الحرم

 ::

  الاكتئاب والإرهاب

 ::

  لماذا الهروب من الحقيقة؟

 ::

  قراءة في أزمة الرأسمالية العالمية



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي


 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟







Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.