حول هموم الترجمة وطموحات المستقبل عبد العزيز بن سعود البابطين : * اهتمامنا بصناعة المعرفة لم ترق بعد إلى مستوى العصر ! * أكثر الاحصاءات استبشارا تفيد أن عدد المبيعات " > فؤاد نصرالله يحاور عبد العزيز البابطين :: الركن الأخضر
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

فؤاد نصرالله يحاور عبد العزيز البابطين
الاستاذ فؤاد نصر الله   Sunday 29-01 -2006

فؤاد نصرالله يحاور عبد العزيز البابطين حول هموم الترجمة وطموحات المستقبل
عبد العزيز بن سعود البابطين :
* اهتمامنا بصناعة المعرفة لم ترق بعد إلى مستوى العصر !
* أكثر الاحصاءات استبشارا تفيد أن عدد المبيعات من أي كتاب عربي لا تتجاوز خمسة آلاف نسخة .
* كل الدول المزدهرة اقتصاديا قرنت تقدمها بازدهار حركة الترجمة .
* لا توجد خطط عربية مشتركة أو نوع من التنسيق بين المبادرات الموجودة للترجمة من اللغات الأجنبية إلى العربية.
* نريد تحويل الجهود الفردية في الترجمة إلى جهود مؤسسية منتظمة ، ومستمرة.
* على المترجم أن يتوخى روح النص لا حرفيته ، وأن يتقصد المرامي البعيدة والقريبة للغة التي يترجم منها.
* أسهمت الحضارة العربية إسهاما بالغا في دفع عجلة الحضارة الإنسانية بهذا التفاعل الحي ، والجدل البناء ، والتواصل المذهل .
* لا يمكن أن تزدهر ثقافة ما بوراثة ثقافات أخرى دون إضافة ومساهمة فعالة في المنتج الحضاري .


مما لاشك فيه أن الإعلان عن قيام مركز البابطين للترجمة يعد من الخطوات العلمية والعملية للتسريع بالنهوض الحضاري للعرب ، خاصة في ظل ما يتنازعهم من تغيرات حاسمة منها رياح العولمة لتتضاد مع رغبة متباينة للارتباط القوي بالجذور ، وبين هذين التوجهين تكمن أهمية أن يضطلع مثل هذا المشروع وأمثاله بدور بناء في التواصل والتفاعل الثقافي البناء مع ثقافات العالم ، لذا كان تأسيس مثل هذا المشروع بمثابة حجر الزاوية في وضع الترجمة في مكانها الصحيح كجسر حي للتواصل بين الذات والآخر .
هذا يعني ضرورة وضع مشروع حقيقي وفعال لتطوير الترجمة ووضعها فى نطاق علمي صحيح في مختلف التخصصات لبلورة استراتيجية جامعة تراعى احتياجات الأمة وتساهم فى نشر الآداب والثقافات والعلوم العالمية 0
إن واقع الترجمة فى العالم العربى وما يتسم به من ركود وفوضى يوضح العقبات التى تعترض قيام حركة ترجمة عربية فاعلة تساهم فى تأمين التطور الفكرى والحضارى للدول العربية .
كانت هذه النقاط وغيرها مثار هذا الحوار مع حضرة الأستاذ عبد العزيز بن سعود البابطين رئيس مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري ، وقد جاء حديثه واضحا وناصعا بالبراهين والأدلة .


الأستاذ عبد العزيز البابطين في بداية حوارنا نود أن تحدثنا عن الدوافع التي تقف وراء مشروع سلسلة الكتب المترجمة . ماذا عن الأسباب الموضوعية التي دفعتكم لهذا التوجه؟
** هذه بداية موفقة ، حيث علينا بالفعل أن نحدد الدوافع وراء مشروع طموح كهذا ، فنقول أنه قد لفت انتباهي وانتباه الكثير من المهتمين بالثقافة العربية أن اهتمامنا بصناعة المعرفة لم ترق بعد إلى مستوى العصر ؛ فالأرقام التي عالجت هذا الموضوع ـ أقصد موضوع الترجمة ـ ليست طيبة ، فهي أقل من طموحاتنا كثيرا ، سواء الترجمة من اللغات الحية إلى العربية أو العكس ، وأنت تعرف أن عصرنا هو عصر المعرفة إنتاجا وتوظيفا ، ودون الكتاب والوسائط المعرفية المستحدثة لن تكون هناك معرفة .
إن العناية بالكتاب تأليفا وترجمة ، لا تسمح لنا بان نباهي بوضعنا الثقافي بين الأمم بل أن الثقافة العربية يمكن أن تكون في مأزق.
فعلى الرغم من أن تعدادنا اليوم يبلغ حوالي ثلاثمائة مليون نسمة ، تتوزع على اثنتين وعشرين دولة ، إلا أن الكتاب العربي لا يوزع كثيرا ، وأكثر الاحصاءات استبشارا تفيد أن عدد المبيعات ربما لا تتجاوز خمسة آلاف نسخة لا أكثر ولو نحن قسنا الأمر مع دول أوربا وأمريكا لوجدنا المقارنة ظالمة ، فالتوزيع هناك قد يبلغ الملايين ، وهو رقم فلكي بالنسبة لنا .
وهناك إحصائية أخرى بالنسبة لنشر الكتاب إجمالا ، فالدول العربية قد أنتجت مجتمعة في بداية التسعينات من القرن الماضي خمسة آلاف وستمائة عنوان تأليفا وترجمة ، بينما الولايات المتحدة الأمريكية طبعت مليون ومائة عنوانا . أما الترجمة وهي التي تسألني عنها الآن فعلينا أن نراجع إحصاءات منظمة اليونسكو حول الترجمة في الخمس سنوات الأولى من الثمانينات ، حيث نجد أن الوطن العربي كله كان ينتج أقل من كتاب واحد مترجم في السنة لكل مليون من السكان ، بينما تنتج أسبانيا وحدها ما يقارب من تسعمائة وعشرين كتابا لكل مليون من السكان .
* وهل ظلت هذه الفجوة قائمة؟
** بالطبع ، بل أخذت في الاتساع نتيجة اتساع المسافة بيننا وبين الأمم المتقدمة في هذا المجال ، فكل الدول المزدهرة اقتصاديا قد قرنت تقدمها بازدهار حركة الترجمة فهي النافذة المطلة على المجتمعات الأخرى ، وبقدر فهمها لتلك المجتمعات وقراءة السوق بقدر ما ينطلق اقتصادها ، وتروج ثقافتها . وصدقني أنه مهما تخيلنا عدد الصفحات التي يمكن للمترجم العربي أن يضطلع بها حاليا وفي ظل تلك الظروف الخانقة فإنها ستظل أقل من المأمول مما يتطلب تكاتف الجهود ورعاية كل المشروعات الأهلية والمؤسسية الرسمية ، ومساندتها بشكل موضوعي علمي .
* هل تعتقدون بوجود استراتيجية عربية للترجمة أم ان الأمر متروك للمصادفة؟
** بكل موضوعية يمكننا القول بضمير مستريح أنه لا توجد مثل هذه الإستراتيجية الهادفة لتصبح الترجمة في صدارة أولويات العمل الثقافي العربي ، بل الأمر يخضع للمصادفة ، والجهد الفردي .
وعموما لا يوجد عمل ثقافي عربي موجه لأهداف محددة ، ربما هناك اجتهادات تعوزها الموضوعية ، وخطط على الورق لا يمكن أن تكون لها أرضية علمية ، ولعل الخطة الشاملة للثقافة العربية والتي وضعت في أوائل السبعينات من قرننا الماضي ، والتي رعتها حكومة الكويت هي واحدة من تلك الخطط الطموحة التي لم تتحول من خطة على الورق إلى برنامج فعلي يجري تنفيذه على أرض الواقع . لقد أشارت تلك الخطة في جزء منها إلى إمكانية وضع منهج للترجمة ، وهذا ما استتبع تبني إنشاء ونشر مجلة للترجمة حملت اسم مجلة " الثقافة العالمية " ، وكلنا نعرف أن المجلة ما زالت قائمة وتصدر بصفة منتظمة كل شهرين تنفيذا لتلك الخطة التي أسهم فيها الأستاذ عبد العزيز حسين رحمه الله.
لكن أنظر اليوم إلى واقع الترجمة العربية فسوف تكتشف بقليل من الجهد أنه لا توجد خطط عربية مشتركة أو نوع من التنسيق بين المبادرات القطرية الموجودة للترجمة من اللغات الأجنبية إلى العربية ، أو من العربية إلى غيرها من لغات ، وبالطبع فإن غياب تخطيط يجمع كل هذه الجهود يعني غياب خطة متكاملة للترجمة .
* ولكن ماذا عن جهود بعض الدول العربية صاحبة التجارب الرائدة في هذا الشأن ؟

** بالطبع لا يمكن لأحد أن ينكر الجهود المشهود لها بالكفاءة في مصر حيث يعكف المجلس الأعلى للثقافة في مصر بقيادة الدكتور جابر عصفور على وضع خطة طموح للترجمة من اللغات الأجنبية إلى العربية تحت إشراف لجان علمية محكمة ولديهم هناك " المشروع القومي للترجمة " الذي وصلت عدد العناوين فيه إلى 950 عنوانا ، وهو نفس الشيء الذي يمكن أن نرصده في بيروت حيث منظمة العربية للترجمة ، إضافة إلى جهود مخلصة ودؤوبة نجدها في المغرب ، أما غير ما ذكرنا فهي جهود خاصة مشكورة لكنها تخضع أيضا لعناصر المصادفة و الاجتهاد الذي قد يخطيء وقد يصيب.
* حسنا ، لكن لماذا لا توجد لدينا حتى الآن استراتيجية للترجمة ؟
** بالطبع توجد بعض المعوقات الخاصة بموضوع الترجمة ، ونستطيع أن نجملها في سببين رئيسيين وهما :
غياب الوعي بأهمية الترجمة ، ووجود المعوقات المنهجية التي تشكلت من خلال هذا الغياب.
ثم غياب الوعي بأهمية التعليم الحديث ، والتراخي في معالجة الهوة التي أشرنا إليها في بداية حديثنا ، والتفاوت بين النهضة التي تشهدها الدول المتقدمة ، وبين حالة البطء الشديد في تحديث برامجنا التعليمية . ولك أن تتصور أنه لا يوجد في وطننا العربي من يقود عملية الترجمة ويحسن من شروطها ، ويربط تلك الجهود المبعثرة ، مما يؤدي إلى ترجمة كتاب واحد عشرات المرات ، وترك كتب أخرى أكثر أهمية لعقود من الزمن .
* لنتناول قضية غياب الوعي بأهمية المنهج العلمي للترجمة . كيف نفسر الأمر؟
** علينا أن نتفق على شيء أساسي ، وهو أنه ليس كل من ترجم من اللغات الأجنبية إلى العربية يمثل قيمة حقيقية ، فكثيرة هي كتب والدراسات والمقالات التي رأيناها تتناول دور الترجمة في حياتنا ، وأهميتها في تحقيق التفاعل الصحيح بين الحضارات ، وزيادة فرص التواصل بين الشعوب مما يعطي التلاقح الثقافي جواز مرور طبيعي للتحقق والنجاح .
هناك بحوث تناولت هذه النقطة الجديرة بالاهتمام ، وقد دعت في أغلبها إلى ضرورة أن يتحول الوعي النظري بأهمية الترجمة في التنمية إلى مشاريع جادة تتسم بالوعي والجدية على رقعة الأرض العربية ، وهذا التوجه يستهدف تحويل الجهود الفردية إلى جهود مؤسسية منتظمة ، ومستمرة .
كثيرة هي المؤتمرات التي عقدت في كثير من العواصم العربية لرصد حالتنا الراهنة ، وهي التي رصدت الوضع الحالي لواقع الترجمة في عالمنا العربي ، وليس من قبيل التزيد أن نضرب مثالا بالتاريخ العربي المجيد الذي شهد في بعض فتراته لحظات قوة باهرة .
* لنضرب أمثلة حية عن تراثنا العربي ، وما يمكن أن نجده فيه من ترسيخ لهذا التوجه؟
** حين انتشر الفتح العربي في مناطق بعيدة عن قلب الجزيرة العربية ، لم يقاوم الخلفاء الراشدين ولا من جاء بعدهم فكرة التواصل والانفتاح على ثقافات أمم مختلفة في اللسان ، بل تم التضافر والتواصل بصورة فريدة قلما تتكرر في التاريخ الإنساني كله ، فقد كانت مقولة الرسول الكريم " اطلبوا العلم ولو في الصين " إشارة لهذا التوجه الحميد للنهل من الثقافات المختلفة ، وهو ما رأيناه يقوى ويتحول من اجتهاد فردي إلى حركة مؤسسية ناهضة.
ولقد بلغ الازدهار في حقل الترجمة أوجه مع في العصر العباسي ، وبالتحديد في عهد الخليفة المأمون الذي أنشأ ورعى " بيت الحكمة "على وجه الخصوص ، وهو ما رأيناه بشكل أو بآخر في عهود تالية.
* وماذا عن وضعنا الراهن؟
** لقد سبق أن تحدثت عن تقاعسنا في مجال الترجمة ، هذا شيء ، والشيء الآخر هو الاهتمام الشكلي بموضوع الترجمة ، ولننظر إلى عناوين الأبحاث المقدمة في أكبر مؤتمرين للترجمة في العالم العربي ـ كما رصد ذلك أحد الباحثين الجادين ـ وهما : مؤتمر " مؤتمر قضايا الترجمة وإشكالياتها " أكتوبر 2000، ومؤتمر " الترجمة وتفاعل الثقافات " مايو 2004، وهما المؤتمران اللذان أعد لهما ورعاهما المجلس الأعلى للثقافة بمصر ، لتجد أن أغلب الأبحاث يدور حول الجوانب النظرية ، إضافة إلى أن معظم الباحثين لا علاقة عملية لهم بالترجمة ، بل أن بعضهم ـ وللأسف ـ لم يسبق له أن ترجم صفحة واحدة من أي لغة ، مع ملاحظة أنهم حين قرأوا أبحاثهم أدهشوا الجميع قارئين ومستمعين بوقوعهم في أخطاء فادحة في حين أن أوراقهم البحثية تؤكد على أهمية أن يجيد المترجم اللغتين ، المترجم منها والمترجم إليها ، فهل لنا أن نتساءل عن وضعية حركة الترجمة العربية في عصرنا الحديث ؟!
* لكن فيما يبدو أن الصورة ليست قاتمة تماما ؛ فهناك مترجمون لهم عطاءات متميزة ومفيدة . هل لك أن تضع يدنا على بعض رموز الترجمة الناصعة؟
** بالفعل استطيع القول أن حركة الترجمة بالرغم من السلبيات العديدة التي صادفتها إلا أن هناك أسماء بعينها استطاعت أن تحقق إضافات نوعية فيما يخص رقي الترجمة ، وقدرتها على تحقيق درجة عالية من الإجادة .
ومن الأسماء التي تفوقت في هذا المجال الأكاديمي والمترجم الدكتور محمد عناني، فقد استطاع هذا الرجل أن يقدم للمكتبة العربية خمسة كتب علمية جادة عن الترجمة ومشكلاتها ، وهي :" فن الترجمة "، و " الترجمة الأدبية بين النظرية والتطبيق " ، و " نظرية الترجمة الحديثة " ،" مرشد المترجــم " ، " دراسات ومعجم إنجليزي عربي " ، واستوقفني في كتب الدكتور عناني ـ وهو كاتب مسرحي وناقد جاد أيضا ـ أنه لا يتوقف عند الجانب التطبيقي فقط بل يربط ذلك ربطا قويا ومعمقا مع تجربته الثرية في عالم الترجمة ,
أنظر إليه في مقدمة كتاب " فن الترجمة " حين يوجه حديثه لمن يبدأون الطريق من أوله ، ولمن لم يكتسبوا الخبرة الكافية في المضاهاة بين اللغتين العربية والإنجليزية ، يقول : " قيل أن الوفاء في كل شيء عمل محمود ، إلا الترجمة فالخيانة مطلوبة " وهذا معناه أن على المترجم أن يتوخى روح النص لا حرفيته ، وأن يتقصد المرامي البعيدة والقريبة للغة التي يترجم منها للعربية .
هذا الكتاب الذي أشرت إليه للدكتور عناني يمثل بالنسبة لي حافزا للمترجمين العرب ليصدروا كتبا تتناول نفس القضايا لتقرن البعد النظري بالخبرة الشخصية ، ليسهموا بدورهم في إثراء هذا المجال الذي نجد فيه الكثير من الكتب الأجنبية .
وأستطيع أن أزعم أن كتاب " فن الترجمة " ليس مرجعا ، ولكنه يمثل بعض حصاد تلك التجربة الطويلة لواحد من الأساتذة الأكاديميين الذين مارسوا الترجمة على مدى عقود طويلة ، إضافة إلى بعض الآراء في صلب عملية الترجمة ، وليس في النظرية .
* هذا يؤكد أنه كتاب تم وضعه من وحي التجربة الشخصية والجهد الذاتي؟
** بالتأكيد ، وهذا هو سبب أساسي من الأسباب التي جعلت هذا الكتاب متضمنا لتجارب عميقة يمكن استلهامها خلال القيام بترجمة نص ما ، ففي الكتاب مناطق تتناول المشكلات التي صادفت المترجم خلال إنجازه لبعض الموضوعات . وبلا شك أن الترجمة فن تطبيقي ، ونستخدم هنا كلمة فن بمعناها العام ، أي الحرفة التي لا تتأتى إلا بالدربة والممارسة والمران الطويل إستنادا بالطبع إلى الموهبة . وبناء على هذا لا يمكن أبدا لأستاذ في اللغة أو الأدب أيا كان حظه من العلم بالإنجليزية أو العربية أن يخرج لنا نصا مقبولا مترجما عن إحدى اللغتين دون ممارسة طويلة للترجمة .
* وهل هناك طريقا محددا للترجمة الصحيحة؟
** علي أن أعترف أن حرفة الترجمة صعبة ، وهي بالإضافة لكونها فنا كما قلنا فهي تحتاج أيضا إلى ذكاء في التصرف ، ومواءمة تامة بين المادة المترجمة إلى اللغة المترجم إليها ، وسأعود مرة أخرى لكتاب الدكتور عناني ، الذي يؤكد انه ليست هناك طرق مختصرة للإجادة في الترجمة ، لا كتب المتخصصين ولا كتب العامة ، فالممارسة مع الخبرة ضرورة للإجادة .
أما أقصى ما يستطيع أن يفعله المترجمون فهو أن ينقلوا بعض خبراتهم لحديثي العهد ، وأن يقدموا لهم بعض الحلول التي اهتدوا إليها ، ولكن يمكننا أن نضيف أن تلك الحلول سوف تمسها بالقطع يد التعديل والتطوير المستمر .
الحياة تتطور ، وتؤثر في اللغة وبنيتها وطرائق استخدامها ، وأنساق التراكيب ، كل هذا سوف يؤثر بدوره في الترجمة بالقدر نفسه .
* لكن هناك دون شك بعض النصوص تكون غامضة أو مغلقة على المترجم . فماذا بإمكانه أن يفعل؟
** بالفعل يمكن اعتبار بعض النصوص غامضة أو مستغلقة وهذا يعود إلى عدة أسباب نذكر من بينها أن تكون لغة الكاتب صعبة ، وأسلوبه شديد التعقيد ، أو ترجع لاعتماد الكاتب الأصلي على لغة مهجورة ، وتراكيب لم تعد تستخدم ، غير أن الشائع هو ما يتصل بالمجاز وأساليب التخييل وهنا لابد أن نضيف إلى ما قلناه حقيقة أن النصوص الأدبية يفضل أن يتولى ترجمتها أديب ، أو مترجم له ارتباط قوي بالإبداع .
وفي كل الأحوال فإن المترجم مهما كانت مهارته فهو معرض للوقوع في مثل هذه المشكلة ، والمترجم الحصيف من لا يستنكف عن السؤال والبحث واستشارة من يثق في قدراته ، فقد تكون الفكرة غامضة في النص الأصلي ، وقد يكون التعبير قد خان المؤلف ، وعلى العموم فهناك وسائل عديدة للتأكد من صحة ترجمة فقرة معينة أو جملة خلافية .
القاريء العربي لن يغفر للمترجم إخراجه نصا غامضا ومن ثم يتحتم على المترجم أن يبحث عن تفسير مقنع لما يقرأه ، وأن يطمئن إليه حتى يضمن وضوح الفكرة المترجمة ، وهنا لابد أن يتدرب المترجم على اقتناص المعاني المقصودة ربما تلك البعيدة جدا ، وهذا يحتاج إلى تفهم اللغة الأصلية ، والتمرس على فك شفرتها بكافة الوسائل الممكنة .
* لدي سؤال عن حدود الترجمة. هل يمكن اعتبار المترجم كاتب للنص ؟
** المترجم كاتب أي أن عمله هو صوغ الأفكار في تعبيرات وعبر تراكيب لغوية موجهة إلى قاريء ، والفارق بينه وبين الكاتب الأصلي هو أن الأفكار التي يصوغها ليست أفكاره ، بل أفكار غيره ، وأنت تعرف أن نقل أفكار الغير أصعب كثيرا من التعبير عن آراء المرء الأصلية ، أتعرف لماذا؟
لأن الكاتب الذي يصوغ أفكاره الخاصة لديه ميزة وهي أنه يتمتع بالحرية الكاملة في تطويع اللغة لكي تلائم هذه الأفكار ، وكذلك لتطويع الأفكار لتلائم اللغة . المترجم محروم من هذه الحرية بشقيها الإبداعي والفكري ، فهو مقيد بنص ومكلف بنقل هذا النص من لغة لها تقاليدها وثقافتها وحضارتها إلى لغة ربما اختلفت في ذلك كله .
هذه المقدرة على النقل مع الحرص على مراعاة الفروق الخفية قبل الظاهرة ليس شيئا سهلا متاحا للجميع ، بل يتطلب سنوات طويلة من التبحر في آداب تلك اللغة ، ورغم كل ذلك فعليه مسئولية أن يخرج للمتلقي نصا يوحي بأنه كتب أصلا باللغة المترجمة إليها ، أي أنه مطالب أن يبدو كاتبا أصليا ، وإن لم يكن كذلك ، واعتقد انك تشاركني الرأي في أن هذا هو مكمن الصعوبة الأول والأكبر .
إذا كان على المترجم أن يجيد فنون الكتابة باللغة التي يكتب بها ، فعليه وبنفس القدر من الدقة أن يجيد فهم النصوص التي يترجم منها .
* ولكن أظن أن هناك قواميس متخصصة قد تفيد المترجم أيما إفادة في عمله ، وتمنحه الثقة في قناعاته ؟
** لا شك ان القواميس أو المعاجم وكتب النحو مفيدة للمترجم ، لكن عليه ايضا أن يلم بعلوم العصر ، وهذا بالطبع يتوقف على مدى عمق ثقافته ومعرفه ، فالترجمة بحق تحتاج إلى أن يكون المترجم مثقفا بالمعنى الواسع للكلمة . يحتاج المترجم إلى الإحاطة بمعلومات كثيرة عن العالم الذي نعيش فيه ، تلك الإحاطة التي تجعله قادرا على رسم العلاقة بين الأنساق المتقابلة في لغتين ، وهي الإحاطة التي تمنع وقوعه في الخطأ ، فالمترجم اليوم يتعامل مع لغة لم تعد كما كانت من قبل إحادية الجانب ، بل هي لغة تشعبت وتفرعت وتعمقت ، وصار لها تشابكاتها مع واقع حي متحرك .
* لنعود إلى بداية حوارنا ، وأسال معاليكم لماذا الاهتمام بالترجمة الآن بحيث صارت حاليا من ضمن أهم مشروعات مؤسسة عبد العزيز البابطين خاصة أن الشعر كان هو بداية الاهتمام بالشأن الثقافي؟
** هذا سؤال متوقع لكنه في نفس الوقت من الأهمية بمكان بحيث يجدر بنا أن نجيب عليه مع الإحاطة بالضروريات التي تنشأ من فحص وتأمل واقع الثقافة العربية الراهن .
دعني أخبرك أن الترجمة هي الفعل المصاحب للنهضة التي تبدأ برغبتنا القوية في الخروج من عزلة التخلف المفروضة علينا ، أو التي فرضناها على أنفسنا لأسباب تتكرر دائما عبر تاريخ الأمم ، وتتحول هذه الرغبة إلى قوة حافزة على اكتشاف أسرار التقدم عند الأمم التي تصبح في أعين الكثيرين من أبناء أمتنا العربية نموذجا للتقدم ، وتجسيدا لأحلامه البعيدة في التطور والأخذ بأساليب النهوض للحاق بالعصر بكل تقنياته وآليات حركته الدؤوبة..
الترجمة في ظل تلك الظروف التي شرحتها لك تعتبر السبيل الأول إلى معرفة هذه الأسرار ، وإلى امتلاكها ، بما يضعنا على طريق التقدم ، وهو ما يسلحنا في نفس الوقت بإمكانيات التفوق على جميع الأصعدة .
* معنى هذا أن الترجمة في رأيكم وسيلة لردم الفجوة المعلوماتية والهوة التكنولوجية بيننا وبين الغرب؟
** زد على ذلك أن الترجمة بهذا الفهم تغدو جسرا يعبر سدود الزمان والمكان واللغة ، وقوة دفع عظمى تلغي المسافة بين المجتمع العربي والمجتمعات المتقدمة في علومها العصرية ، وهذا ما يصبح معه فتح آفاق جديدة للتواصل والاتصال الإنساني أمرا ممكنا ، وربما هذا بالضبط ما نحتاجه في حالتنا حتى يدفعنا للإنجاز المستمر ، وإلى مواصلة الصعود الدائم على سلم التقدم .
إن التاريخ الثقافي العام والخاص خير دليل على ذلك ، فقد وصلت الحضارة العربية بصيغتها الإسلامية إلى ذرى نهضتها خلال حركة فاعلة ، نشاطة ، متفاعلة في الترجمة حتى من قبل أن ينشأ الخليفة المأمون " مدرسة الحكمة " في بغداد العباسيين .
واللافت أن هذه الحركة بدأت في العصر الأموي ، موازية لاتساع حركة الفتوح الإسلامية التي أسهمت على نحو غير مباشر في الانفتاح بالحضارة العربية على ميراث العالم القديم حولها ، خصوصا بعد أن شعر العرب أنهم ورثوا الحضارات السابقة عليهم .
* هل كانت مسالة وراثة فقط أم إضافة أيضا؟
** لا يمكن أن تزدهر ثقافة ما بوراثة ثقافات أخرى دون إضافة ومساهمة فعالة في المنتج الحضاري ، ربما أكون أكثر توفيقا عندما أقول أن الحضارة العربية قد أسهمت إسهاما بالغا في دفع عجلة الحضارة الإنسانية بهذا التفاعل الحي ، والجدل البناء ، والتواصل المذهل الذي لم تعرف له البشرية سابقة بعد فتح الكثير من مناطق العالم .
لقد حشدت كل ما لديها من علوم في الطب والفلك والكيمياء والأحياء وغيرها كثير وانطلقت نحو بسط هذه المعارف بلمسة إسلامية خاصة في كل أرجاء الأرض التي وطأتها اقدام عربية من خلال التجار ، والجنود ، وطلاب العلم ، في واحدة من الظواهر التي لم تتكرر كثيرا في التاريخ .
لقد افاد العرب من علوم وفكر الحضارات السابقة ، وبدأوا من حيث انتهت تلك الحضارات . وكل المؤرخين سجلوا لديهم أن النهضة الأوربية قد بدأت من حيث انتهت الحضارة العربية ، ومن حيث انقطع الخط العقلاني الصاعد الموازي لرغبة الاجتهاد والابتداع ، فانطلقت أوربا في حيث وقف العرب ، وكانت البداية ترجمة ابن سينا وابن رشد ، والاندفاع في مدى التقاليد العقلانية التي ساعدت العلم الحديث على أن يحقق تطوره المذهل الذي لم يتوقف حتى اليوم .
* هذا التوغل في قراءة صفحات مشرقة من تاريخنا القديم معناه أن الرغبة قائمة لديكم لكي يحتل مشروع الترجمة بمؤسسة البابطين مكانة لائقة في ربط العرب بالعالم من خلال الترجمة من وعن الغرب ؟
** أخذ مركز البابطين للترجمة على عاتقه أن يهتم بأمر الترجمة بجانب مشروعاتنا الثقافية العديدة ، وأتمنى من كل قلبي أن يقوم زملاء آخرون بالسهر على أمثاله ، كما أننا في مركز البابطين للترجمة لدينا عددا من المشاريع تحت الدرس الجاد ، منها إكمال مشروعنا هذا بسلسلة من الكتب التي أحدثت أثرا في الثقافة العلمية ، ونحن نتفاوض حاليا مع عدد من مؤسسات النشر الغربية على الحصول على امتياز نشرها باللغة العربية .
* ولكن ما آخر مشروع تفكر فيه المؤسسة الطموح؟
** أستطيع أن أقول أننا نعد مشروعا موازيا مع مؤسسة " اليونسكو" للبدء في إطلاق سلسلة من الترجمات من الكتب العربية المعاصرة الجادة إلى لغات العالم ، وهو مشروع طموح جدا ، لا نتوخى منه غير خدمة الثقافة العربية ، منتظرين الجزء من الله سبحانه وتعالى .


aanbbn2000@yahoo.com

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         
  عطية زاهدة -  فلسطين       التاريخ:  10-03 -2007
  لماذا لا يقرأ العربُُ؟
   هل هم لعظيم فضلهم لا فُضولَ عندهم؟
   هل كراهية القراءة ذاتُ علاقةٍ بالجينات؟!..
   هل سيكتشف علماء الوراثة يوماً ما مثل هذا الجين ويسمونَه "الجين العربي"؟..



 ::

  بلاغة التسامح

 ::

  فؤاد نصرالله يحاور خالد الزامل

 ::

  جولة خادم الحرمين الشريفين الآسيوية: مكاسب في كل المجالات

 ::

  فؤاد نصرالله يحاور المفكر الكبير شاكر النابلسي

 ::

  الاستاذ فؤاد نصر الله في لقاء مع الشاعرة سلمى الجيوسي

 ::

  فؤاد نصرالله يحاور المفكر ساسين عساف


 ::

  سوريا....تساؤلات تنتظر الواقع ليجاوب عليها

 ::

  سلبيات العولمة وعيوبها..

 ::

  مغامرات سياسية دكتاتورية

 ::

  الهربس البسيط ليس بسيطاً في جميع الحالات

 ::

  الأمهات العازبات بالمغرب

 ::

  لماذا تعامل المرأة المطلقة كعاهرة في غالبية المجتمعات العربية؟

 ::

  البنك الإسلامي والبنك التقليدي ( مقارنة من حيث المنطق النظري والواقع التطبيقي

 ::

  مفهوم التنافسية ومؤشراتها

 ::

  الشعر والنقد

 ::

  انتفاضة يوم الأرض سبعة وثلاثون عاما



 ::

  هل تركيا ديموقراطية من الدرجة الثانية؟

 ::

  هل الاونروا مؤسسة دولية إنسانية أم مؤسسة تآمرية؟

 ::

  سوريا....تساؤلات تنتظر الواقع ليجاوب عليها

 ::

  نحو معيارية اكاديمية للمعرفة الاسلامية

 ::

  وهل يملك الإخوان بديلاً غير الأسوأ ؟!

 ::

  مغامرات سياسية دكتاتورية

 ::

  أحكام التعامل مع المعاهدين خارج الدولة الإسلامية

 ::

  انتفاضة يوم الأرض سبعة وثلاثون عاما

 ::

  خدعوك فقالوا : عدالة انتقالية!

 ::

  قمة الدوحة.. اية نقمة ايها العرب..!!؟


 ::

  "الاسم المستعار".. توقيع بقلم التقاليد والخجل

 ::

  المقاومة الفلسطينية ونقد الذات

 ::

  التعذيب الامريكي؟ 2

 ::

  الكتابة ليست ترفا بقدر ما هي موقف من حوادث الحياة

 ::

  الحل الوحيد الممكن في عالم المستبد المتمكن

 ::

  السعودية تستدعي سفيرها لدى الدانمارك بسبب الإساءة للرسول

 ::

  هوامش فوق سياسات الجنون (19)

 ::

  محاكمة أبو حمزة.. درس في مكافحة الإرهاب

 ::

  حملة أوروبية لخفض المخاوف من أنفلونزا الطيور

 ::

  معارض


 ::

  شمس وشوكولاتة

 ::

  علامة ... !

 ::

  أصبت هذه المرة يا صائب

 ::

  المستقبل يشير إلى تقدم الصحافة الإلكترونية وتراجع الورقية

 ::

  فؤاد نصرالله يحاور خالد الزامل

 ::

  هموم مصرية

 ::

  الحاءات الثلاث

 ::

  الطاقة النووية ليست ولن تكون البديل

 ::

  لماذا تفضل البنات فى مصر أخبار الاغتصاب ؟!

 ::

  إسرائيل تفتح النار على الفنانين العرب (3 - 4)

 ::

  كانتون سياسي أسمه لبنان

 ::

  لماذا يجب أن ننصر فلسطين؟

 ::

  عقلنة الجنون

 ::

  تأملات فى ما يوجع الصهاينة











جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

website statistics
اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.