Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

مقدّمة أوراق العشب
والت ويتمان   Wednesday 29-08 -2007

مقدّمة أوراق العشب الأرض والبحر، الحيوانات والأسماك والطيور، السماء وأجرامها، الغابات والجبال والأنهار. هذه كلّها ليست مواضيع قليلة الشأن... ولكن الناس يتوقعون من الشاعر أن يكشف أكثر جمالاً ووقاراً مما هو مقرون دائماً بالأشياء الحقيقية الصمّاء... إنّهم ينتظرون منه أن يكشف الطريق بين الواقع وبين النفس. الرجال والنساء مدركون للجمال خير إدراك...إدراكاً ربّما لا يقلّ عن إدراكه هو له.

الصيّادون بجَلَدهم المندفع، الساكنون في الغابات،المستيقظون في الصباح الباكر، الزارعون للحدائق والبساتين والحقول، والحب الذي يكنّه النسوة الأصحّاء لأجساد الرجال، والراكبون البحار، الممتطون لصهوات خيولهم، الولع بالنور والهواء الطلق كل تلك الأمور دلائل قديمة متنوعة لإدراك الإنسان الذي لا ينضب للجمال ولتوطن الروح الشاعريّة في نفوس أولئك الذين يؤثرون الحياة في الهواء الطلق ولا يمكن قط أن يساعدهم الشعراء على الإدراك... يحاول البعض ولكنّهم لا يفلحون. الخصال الشاعريّة لا يمكن أن تعبأ في نظم مقفّى أو متجانس أو في مناجاة مجردة للأشياء، ولا تكمن في الشكاوي الحزينة أو في أغوار النفس. فائدة القافية أنّها نبذر بذور قافية أعذب وأوفر، وفائدة التجانس أنّه ينقل نفسه في جذوره المتغلغلة في الأرض غير المنظورة. إنّ صياغة القصائد الكاملة ووحدتها تبين قوانين العَروض بنموها الطبيعي وتطلع منها كما يطلع البرعم، دون زوغان أو تسيّب، كما تظهر أزهار الليلاك أو الورد على النبتة، وتتخذ أشكالاً متكاملة كأشكال الكستناء أو البرتقال أو البطيخ أو العرموط، وتنثر عطرها الخفي الذي لا نراه في الشكل. إنّ الطلاقة والزخرفة اللتين تتميزان بهما أبدع القصائد أو الموسيقى أو الخطب أو التلاوات غير مستقلتين وأنّهما خاضعتان. آيات الجمال كلّها تصدر عن جمال في الدم وجمال في الدماغ. إنّْ توافقت مواطن العظمة في رجل أو امرأة، هذا يكفي... هذه الحقيقة ستسود الكون... ولكن التنميق والتزويق لن يسودا الكون لو بقيا ملايين السنين. مَن يشغل نفسه بالزينة والسلاسة فهو ضائع. هذا ما ينبغي أن تفعله: أَحِبّ الأرض والشمس والحيوان، احْتقِر الغنى، امْنَح الصدقة لكلّ من يسألها، ساعد الغبي والأحمق، كرّس دخَلَك وتعبك إلى الآخرين، ازدرد الطغاة، لا تجادل في اللّه، كن صبوراً متسامحاً أمام الناس، لا تخلع قبعتك أمام شيء أو رجل أو عدد من الرجال، كن منطلقاً مع غير المثقفين الأشدّاء ومع الصغار والأمهات، اقرأ هذه الصفحات في الهواء الطلق في كلّ فصل من كلّ سنة من سنين حياتك، أعد النظر في كلّ ما تعلمته في المدرسة أو الكنيسة أو أي كتاب، ابعد كلّ ما يهين روحك فسيكون جسدك نفسه قصيدة عظيمة، وسيكون له أغنى طلاقة ليس فقط بكلماته، وإنما بخطواته الصامتة أيضاً ووجهه وبين أهداب عينيك وفي كلّ حركة ومفصل من جسدك... على الشاعر أن لا ينفق وقته في عمل لا لزوم له. عليه أن يعلم أن الأرض دائماً محروثة مسمّدة له... قد لا يعلم ذلك الآخرون، أمّا هو، فعليه أن يعلم. عليه أن يزّج بنفسه في عملية الخلق مباشرةً. وثقته ستتفوّق على ثقة كلّ ما يلمسه... وتستحوذ على كلّ صلة.

البساطة فن الفنون، وجلال التعبير، والنور المضي للأدب. ليس أفضل من البساطة... ولا شيء يمكن أن يعوّض عن التطرّف والمغالاة أو عن الافتقار إلى التحديد. أنْ تنساق لقوّة الدوافع وأن تنفذ إلى أغوار الذهن وتعطي كلّ موضوع تعبيرَه الواضح تلك قابليات ليست عادية وليست غير عادية جداً. ولكن أنْ تتكلّم، عن طريق الأدب بالصحة واللامبالاة كحركة الحيوان، وبالمشاعر التي لا يمكن اتهامها كمشاعر الأشجار في الغاب أو العشب على قارعة الطريق ذلك هو النصر الأكبر في الفن. إذا التقيت بإنسان قد حقق هذا، فقد التقيت بأحد أسياد جميع الشعوب والأزمان. والرضى الذي يصيبك حين تتأمل هذا الإنسان لا يقلّ عن الرضى الذي ينتابك وأنت تتأمل طيران النورس على الخليج أو حصاناً أصيلاً في حركته المتوقدة أو منظر الشمس في رحلتها عبر السماءأو منظر القمر فيما بعد.

أعظم الشعراء ليس له أسلوب متميّز، وإنّما هو مجرى للأفكار، لا أكثر ولا أقل، وهو مجرى لمكوّناته هو. إنّه يُقْسِمُ لفنّه: أنا لن أكون متطفلاً، ولن أضع في كتاباتي أي أناقة أو أثر أو أصالة تتعلّق كالستار بيني وبين الآخرين. أنا لن أدع شيئاً يتعلّق في طريقي، حتّى لو كان ذلك أثمن الستائر. الشيء الذي أقوله هو هو بالضبط. سأدع لمن يريد أن يمجّد أو يدهش أو يسحر أو يواسي أن يفعل ذلك، أمّا أنا فستكون غاياتي كالغايات الكامنة في الصحة أو الحرارة أو الجليد وسأكون مثلها غير آبه بالملاحظة. الشيء الذي أمرّ بتجربته أو أصوّره سيخرج من تركيبيدون أن يأخذ جزءاً منه. ستقف أنت إلى جانبي لتنظر معي في المرآة.

المحك المباشر لمن يريد أن يكون شاعراً أعظم هو الحاضر. فإن لم يغمر نفسه بالزمن المباشر كما لو كان ذلك موجاً بحرياً هائلاً... وإن لم يجتذب وطنه إلى نفسه، قلباً وقالباً، ويتعلّق بجيده بحب لا يدانيه حب ويغمس عضلاته بمحاسنه ومساوئه... وإن لم يكن هو نفسه الزمن متجسداً... وإن لم يتفتح أمامه الأزل الذي يكسب التشابه لجميع الفقرات والأمكنة والعمليات والأشكال الحية والجامدة، والتي هي قيد الزمن، وينهض من غموضها ولا محدوديتها المستعصيين على الإدراك في الشكل الحاضر المتغيّر، وتمسّكه مرامي الحياة المرنة، فيجعل الفترة الحاضرة مما كان إلى ما سيكون، ويكرّس نفسه لتصوير هذه الموجة التي أمدها ساعة، وهذا الابن من أبناء الموجة الوسماء الستين دعه إذن ينضم إلى مجموع الناس وينتظر تطوره...

بقي المحك الأخير للقصائد وللأخلاق والأعمال. الشاعر المتكهن هو الذي يمتد نفسه إلى المستقبل ويحكم على العمل ومنجز العمل بعد تغيّر الزمن. هل يعيش العمل خلال القصائد؟ أما زال قائماً دون كلل؟ هل سيكون نفس الأسلوب واتجاه العبقري نحو نقاط شبيهة مرضياً الآن؟ ألم يجمّده اكتشاف علمي جديد إلى الوصول إلى صعيد فكري وحكمي وسلوكي أعلى حتّى صار موضع ازدراء؟ هل انحرفت ذات اليمين وذات الشمال العشرات والمئات الألوف من السنين في مسيرها لأجله؟ هل بقي موضع حب بعد تواري التراب زمناً طويلاً جداً؟ هل يفكّر فيه الشاب مراراً؟ والمرأة الشابة، هل تفكّر فيه مراراً؟ وهل يفكّر فيه متوسطو العمر والكهول؟ القصيدة العظيمة تظل شائعة في كل العصور في كل الدرجات ولكل الألوان البشرات والأقسام والطوائف وللمرأة بقدر ما للرجل وللرجل بقدر ما للمرأة.

القصيدة العظيمة ليست نهاية للرجل والمرأة وإنّما هي بداية على نحو ما. هل تخيّل أحد بأنّه يستطيع أن يجلس أخيراً ويخضع لسلطان ما ويستريح راضياً بالشروح، ويدرك، ويحس بالقناعة والإشباع؟ الشاعر العظيم لن يوصل إلى مثل هذه الحالة... إنّه لا يجلب التوقّف أو ستراً للسمنة أو اليسر. إنّ لمسة منه تدفع إلى العمل. أنْ اقتاد أحداً، فقد اقتاده بقبضة ثابتة أكيدة إلى أصقاع حيّة لم يصل إليها قليلاً... وليس ثمّة راحة بعد هذا.
أنّهم يرون الفضاء وذلك البريق الذي لا يزول والذي يحوّل البقاع القديمة والأنوار القديمة إلى فراغات ميتة. ومن يرافق ذلك الشاعر يرى مولد وسير النجوم ويتعلّم أحد المعاني.
هنا سيكون إنسان انتظم من بين الصخب والفوضى... الأكبر يعلم الأصغر ويدلّه على الوسيلة... وكلاهما سينطلقان دون خوف حتّى يجد العالم الجديد لنفسهمداراً وينظر نظرة غير وجلة إلى مدارات النجوم الأصغر ويكتسح تلك الحلقات المستمرة ولن يستقر ثانية؟

-----------------
. ترجمة فاروق محمد يوسف
. من مقدمة (أوراق العشب) والت ويتمان، أحد مؤسسي قصيدة النثر الأمريكية (1819-1892)

http://www.almasira.net/amerwitman.htm

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  "المقربون إلينا"... أهلا بكم

 ::

  للشيوخ والمتقاعدين

 ::

  نستعجل الموت......ونتمنى العيش للأبد !!

 ::

  الجيش يد الشعب

 ::

  عد يا صديقي

 ::

  مصر نزيد عظمة بحب أبنائها مسيحين ومسلمين

 ::

  الدول العربية غير مهتمة بأمنها الغذائي

 ::

  هل يقرأ العرب والمسلمون؟/تصريحات عاموس يادلين

 ::

  سرطنة سياسية

 ::

  لا تحملوا عربة التظاهرات اكثر من طاقتها



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.