Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

المعضلة الكبرى
سعيد ســالم   Monday 13-02 -2006

يوم غائم وقلبى يرتجف.من نافذة مكتبى أستطلع البحر بنهم وقد كسته شابورة عظيمة.أجنحة النوارس البيضاء تلمع من بعيد متلألئة فى الأفق الرمادى المضبب.يبدو أنه يوم كئيب.تمكن منى هذا الهاجس بلا مبرر فخضعت له ورحت أبتعث من الذاكرة كل ماهو منغص فى حياتى من أحداث وبشر ومواقف وأماكن وأقدار..وقبل ذلك كله تطفو الى الذهن مشكلتى الأبدية مع الحياة،وهى عجزى عن إتمام التصالح فى داخلى بين دينى ودنياى،وسقوطى المتكرر صريع الصراع بين شهواتى من جهة،وسعيى الى طلب المنزلة عند الله من جهة أخرى، مما يجعل منى إنسانا مذبذبا فاقد الاتزان،ملكاته عاجزة عن التجانس مع بعضها فى هارمونية متناغمة متناسقة.
قادتنى تلك الحالة الى شعورى الدائم بالحسد تجاه كامل بك مدير عام الادارة رغم أنه يكبرنى بعشر أعوام،فكل الشواهد تؤكد على انتصاره على هذا الصراع،انتصارا يجعله يأتى كل يوم الى العمل منتعشا سعيدا،ومهما كانت السماء ملبدة بالغيوم والأمطار،فإنه يبدو متفائلا منشرح الصدر، لاتواتيه ذاكرته إلا بما هو سعيد بهيج،ولا أراه يرى فى الأيام غير الخير والصفاء والأمان،حتى أننى أكاد أجزم أنه يتمنى لو يصل الى مكتبه راقصا منتشيا بالفرحة والحبور،سعيدا بأعوامه الخمسين التى أمضاها راضيا بمعطياتها ومآخذها وأفراحها وأتراحها.
يدهشنى أنه بمقدار ماتتهافت عليه نساء المؤسسة وبناتها ، يتهافت عليه الشبان الملتحون،وكأن كل النقائض قد تصالحت فى ابتسامته الواثقة بالدنيا والآخرة..ولكم تمنيت أن أسأله كيف استطاع أن يتعامل بنجاح مع هذه المعادلة ذات الطرفين المتناقضين.
استجمعت إرادتى يوما بعد أن أمّنا لصلاة الظهر وقررت أن أتوجه اليه بسؤال محدد:
-كيف استطعت التوفيق بين الدنيا والدين ؟
ولكن ما أن اقتربت منه حتى همس لى زميل فى أذنى ساخرا:
-اننى أشك فى استقامة هذا الرجل وأغلب ظنى أنه منافق يظهر غير ما يبطن .
قلت له معترضا بثقة:
- لابد أنك ساخط عليه لأنه أخّر ترقيتك.
قررت أن أقطع الشك باليقين فذهبت الى مكتبه متعللا بدواعى العمل.ولما رأيته يصفر فى سعادة لحنا موسيقيا جميلا، ألقيت عليه بسؤالى دون تردد.نظر الى فى سماحة ثم راح يحدثنى عن الحب والاستغناء والسعادة والرضا وفن الحياة ، وأنا أستمع اليه بنهم الحيران الذى يبحث عن يقين ، وهو منهمر فى الكلام تخرج العبارات من فمه متدفقة متجانسة موحية بالمعانى والأفكار،حتى أننى لم أكن أستطيع ملاحقته عن فهم..ولما تعرض فى الحديث لأسرته قال لى بارتياح شديد:
-ان أهم أسرار سعادتى فى الدنيا هى أسرتى الجميلة وامتنانى للخالق الذى منحنى إياها
فهمت مما قاله ان المال والمرأة والدين والسلطة كلها عناصر أساسية تدخل فى صلب المشكلة التى طرحتها عليه.لكنه لم يحدد لى مواقفه القاطعة من هذه العناصر،وإنما ظل يتلاعب بها كما يتلاعب البهلوان على الحبال، فلا فهمت من كلامه أنه رجل دنيا ولافهمت أنه رجل دين.ربما يشير هذا التناقض الى أنه قد نجح بالفعل فيما فشلت فيه، بنفس نجاحه فى كسب ثقة رؤسائه وزملائه ومرؤوسيه،وربما يشير أيضا الى أنه مذبذب مثلى تماما ولكنه يستطيع بمهارة فائقة أن يخفى تذبذبه.
اننى أتمنى أحيانا أن أكون رجلا ربانيا خالصا ينكشف عن عين قلبى حجاب الحس،وينفتح من دون قلبى باب القدس،فأرى مالا عين رأت وأسمع مالا أذن سمعت،وأذوق من الحقائق والدقائق والرقائق مالايخطر على قلب بشر..وأجدنى أبدأ المحاولة مرة وراء الأخرى لكنها لاتلبث أن تذوى فى أسابيع قليلة إذ يفتر حماسى بالتدريج فأنجذب من جديد الى فلك الحياة.
وأتمنى أحيانا أخرى أن أظل أعب من نشوة الحياة حتى الثمالة ، وأن أعتصر رحيقها وألتهم جمالها وأذوب فى فتنتها حتى الموت..وأبدأ المحاولة لكنها لاتستغرق أكثر من أشهر قليلة حتى أفيق لنفسى وقد أنهكنى الشعور بالذنب، فأعود مذبذبا من جديد.الخلاصة أننى لم أستطع أن أكون أحد الرجلين حتى الآن.ولما ازدادت حيرتى سألته:
-لماذا لم تجبنى عن سؤالى بوضوح؟
انصرف عنى الى أوراقه قائلا:
-دعنا نستكمل هذا الحديث غدا بإذن الله
*****
ربما كانت المرة الثانية التى يدخل فيها مكتبى على مدى أكثر من عام.أذكر أن الأولى كانت بمناسبة تقديم العزاء لى فى وفاة أحد أقاربى.
انتفضت واقفا بحكم المفاجأة وبوحى من احترامى لشخصه ومنصبه وسنه،فضلا عن إعجابى الداخلى الشديد بشخصه المنطوى على كل ما غمض على من أسرار.وبعد أن تبادلنا نظرات مرتبكة لفترة قصيرة ، جلس فى هدوء يخفى عذابا للروح،ثم تنهد بصوت مسموع .. أشعل سيجارة راح يدخنها بنهم شديد وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة حبلى بمعان مستترة غامضة.شعرت بخوف شديد يهزنى من أعماقى كما لو أن كامل بك قد جاء مفوضا من عزرائيل ليقبض روحى قبل أن يسافر فى بعثة الى أوروبا خلال الأيام القليلة القادمة.تحول جسدى الى ثلاجة وتصبب العرق على جبينى وزاغت عيناى حتى خيل الى اننى على وشك السقوط فى إغماءة بعد قليل.
لست أدرى ما الذى جعلنى أفكر فى الموت فى هذه اللحظات،وهو الشىء الذى لا أذكره إلا عند ذهابى لتشييع جنازة،ثم لا ألبث أن أغفل عنه بعد خروجى من المقابر.
الرجل جالس أمامى يتأملنى فى صمت وأنا أفكر لأول مرة فى معنى أن أموت فأفوت الأهل والأحباء والأصدقاء وسائر ملذات الحياة ومباهجها التى لاتعد ولاتحصى والتى أعشق الاغتراف من ينابيعها بينما يغمرنى شعور متصل بالشكر والعرفان لصاحب هذه النعم،ومعه شعور أقوى بالذنب لأننى كثيرا ما أعصاه بكامل إرادتى..قلت انه يوم كئيب غامض منذ بدايته و قد تحقق ظنى، فهأنا أجد نفسى فجأة على أعتاب مفارقة لذة الطعام والشراب والجنس والقراءة والسهر والرقص والطرب ومشاهدة الغسق والشجر والبحر والنهر والصحارى والسفر فى بلاد الله والنوم فى استغراق عميق.
فى البداية ظننت أنه جاء يستكمل حديث الأمس كما وعدنى،لكنه كان مضطربا شاردا على غير عادته.قال بصوت أشبه بالفحيح أزاد من فزعى:
-أرجو أن تحتفظ بمفتاح درج مكتبى هذا لحين عودتى من البعثة على أن يبقى هذاسرا بيننا
وضع المفتاح أمامى ثم واصل:
-لو لم أعد فأرجو أن تفتحه وتنفذ ماهو مكتوب فى الورقة المنفصلة
وجدت نفسى أمام لغز جديد جعل الخوف يزداد منى تمكنا .سألته عن محتويات الدرج والورقة فقال :
-بالدرج أوراق شديدة الخصوصية،أما الورقة فكل شىء واضح بها.
لماذا خصنى بهذه المهمة الغامضة،ولماذا لا يسلم المفتاح الى زوجته وأبنائه وهو الذى يلقى القصائد فى مديحهم،وكيف سأعرف ان كان سيعود من الخارج أم لا؟!
-سوف أبعث اليك ببرقية أخبرك فيها بقرارى النهائى
-ألا تطلعنى الآن على محتويات هذا الدرج قبل أن تحملنى هذه المسئولية؟
-بل انى أرجوك ألا تفتحه إلا بعد استلامك البرقية التى تفيد بعدم عودتى الى مصر
-وإذا أفادت برقيتك بأنك عائد بسلامة الله،ماذا أفعل حينئذ؟
-لاتفتحه
أن يفكر رجل فى عمر كامل بك فى مثل هذا الانفصال العسير عن الوطن والبيت والعمل والأزقة والمقاهى والملاهى والمطاعم والمساجد والأندية وجذور العمر التى حفرت طريقها فى تربة المكان والزمان والتاريخ وحكايات الحب وصداقات العمر وتلك الانتصارات الرائعة على كدورات الحياة،بل والهزيمة أمامها فى بعض الأحيان،فذلك شىء يثير العجب والاستغراب.لعله تعس فى حياته العائلية وإن أخفى ذلك بمهارة،أو لعله مطالب بدين يفوق طاقته على السداد رغم ثرائه المعروف،وربما أنه يعانى من علة مرضية خبيثة أوصلته الى اليأس ومنعه تكتمه من إعلانها..وهل ظل ينتظر حتى تجاوز الخمسين لينتهز فرصة البعثة فيهرب من مصر وهو القادر على مغادرتها بماله ونفوذه فى أى وقت يشاء؟..أستطيع أن أستبعد وجود أسباب سياسية ، فكامل بك لايهتم كثيرا أو قليلا بالشأن الوطنى أو العالمى.انه لايقرأ جرائد المعارضة أو حتى الجرائد القومية.قراءاته محصورة فى نطاق مهنته،حتى أن كثيرا من الشركات تلجأ الى مشورته كخبير فى مجاله التخصصى.لم يبق فى جعبتى سوى احتمال أخير بأن يكون وراء فراره قصة حب فاشلة لانجاة منها إلا بالهرب..الأمر المؤكد لى حتى الآن أنه يخفى عن أسرته مابهذا الدرج من أسرار.
طال الصمت بيننا وكنت أتمنى فى كل ثانية تمضى أن يرحل عنى ويأخذ مفتاحه معه،فأنا من الأصل غير مقتنع بهذه الثقة غير المبررة التى أولانى إياها،كما أن شعورى بالخوف يتزايد،مصحوبا بشعور مواز بالغم،وكأننى ابتليت بمصيبة لمجرد وجوده أمامى..لقد تنفست بعمق وارتياح حين وقف فجأة وغادر مكتبى كما دخله بقرار ديكتاتورى وهو يقول:
-أراك بخير..
*****
لم تمض دقائق معدودة على عودته الى مكتبه حتى دوى النبأ كالصاعقة فى أرجاء المؤسسة :
-كامل بك مات على مكتبه !
كنت أحس أنه يوم ملعون منذ بدايته.صدق حدسى إذن وانكشف لى سر ما عانيته من الهم والكرب والخوف لحظة رؤيتى كامل بك يتفرس فى وجهى بشدة وهو جالس الى مكتبى وكأنه يصر فى استماتة على أن أكون آخر إنسان يتحدث معه على هذه الكرة الأرضية.
بعد انتفاضة المفاجأة الأولى بموته كانت انتفاضتى الثانية أكثر عنفا حين تذكرت المفتاح. حقيقة الموت أسكرتنى ثم أفاقتنى ثم عادت فأشلت تفكيرى تماما.
فى اليوم التالى شكلت الإدارة لجنة برئاستى لجرد محتويات المكتب.كان من الطبيعى أن ألجأ الى الحل المريح الذى يعفينى من أى مسئولية بأن أفتح الدرج بحضور أعضاء اللجنة..ذلك أنه لم يقل لى إنه سيموت بهذه السرعة ويضعنى فى هذه الحيرة حول أمر لم نتفق عليه ، بل لم يخطر ببال أحد منا لحظة واحدة.
حين تهيأت لاتخاذ هذا القرار ، رأيت عينيه الشاردتين وقد امتزج فيهما العتاب الرقيق باللوعة،وكأنه يتوسل إلى ألا أعرض حياته التى انتهت الى الخطر. شعرت أن فى هذا القرار نذالة،وكان لابد لى من البحث عن مخرج من الأزمة أرضى به ضميرى بتنفيذ وصية الراحل..لقد كنت أعتقد حتى هذه اللحظة أنه بموت الإنسان تموت معه حياته ولايشعر بما يحدث فى الدنيا من حوله بعد مفارقتها.تبين لى أن حياة الانسان تظل ممتدة بعد موته لفترة طالت أم قصرت،وأن هذا يتوقف على طبيعة ما انطوت عليه حياته من أعمال وأسرار.
تعمدت الانشغال بالعمل حتى أبرر تأجيل عمل اللجنة الى اليوم التالى.بقيت وحيدا بالإدارة بعد انصراف الموظفين حتى يتيسر لى إنجاز مهمتى الغامضة بعيدا عن عيون المتطفلين.تدافعت ضربات قلبى وأنا أضع المفتاح فى ثقب الدرج.لم أتمكن من فتحه فناوشتنى من جديد فكرة الحل المريح.لكن الدرج فتح بعد محاولة جديدة.كان ذلك فى حوالى الثالثة والنصف مساء،أى بعد انصراف الموظفين بنصف ساعة على وجه التقريب.
فى البداية قرأت-لاهثا- الورقة التى أسميتها بالوصية.كان لابد حتى أستوعب ماجاء بها أن أفحص الوثائق جميعا ثم أربط بينها وبين ماجاء بشأنها فى الوصية.
*****
•الوثيقة الأولى:
ورقة زواج عرفى من سيدة اسمها آمال المغربى وبرفقتها صورة فوتوغرافية تجمع الزوجين . كامل بك لايبدو سعيدا بآمال بقدر ما يبدو مفتونا بشخصها.يبدو من ملامحها أنها خليجية أو أسبانية.يتجلى الكبرياء فى أنفها المرتفع الدقيق ، والسحر الغامض فى عينيها السوداوتين الساهمتين..بالنظر فى الوصية وجدته يطلب حرق الوثيقة والصورة فحرقتهما.
•الوثيقة الثانية:
ورقة زواج عرفى من سيدة أخرى اسمها عايدة ابو الفتوح وبرفقتها صورة لهما على الشاطىء بملابس الاستحمام.ملامح وجه عايدة مصرية صميمة أما جسدها فالعياذ العياذ بالله من شدة جماله وانسيابه واتساقه.صورة عقد تنازل-منه لها- عن ملكية شقة بأحد الأحياء الفاخرة بالمدينة.فواتير شراء ملابس حريمى باهظة الثمن..وقد أوصى بحرق كل هذه الأشياء فحرقتها.
•الوثيقة الثالثة:
وصل أمانة بمبلغ ثلاثين ألف جنيه موقع عليه بإسم حاتم الفوال،وبرفقته مسودة مشروع خطاب لم يكتمل.كان ينوى –فيما يبدو- أن يرسله الى حاتم،وهو ملىء بالشطب والتصحيحات.يقول لصاحبه:" لقد ضربت لى مثلا حيا على نكران الجميل.وقفت بجانبك فى شدتك حتى يسر الله حالك ، ولكنك لاترغب فى أن ترد الحق الى صاحبه وكأنك تستكثره عليه.لقد كنت أحبك بصدق فى الله،وأعترف أننى لم أكن أتصور يوما أن يكون ثمن هذا الحب الضائع ثلاثين ألف جنيه.ألا ماأرخصها من صداقة، فلا أنت أعدت الىّ مالى، ولا أنا استطعت أن أحتفظ بحبك.الذى يدهشنى حقيقة هو صمتك ولامبالاتك وكأنك واثق أننى لن أقاضيك بوصل الأمانة لأنك تعلم أننى لا أحب الصراعات والمشاكل..ثقتك فى محلها ياعزيزى، فأنا لم أفكر لحظة فى مقاضاتك ،ولكن ليس لهذا السبب ولكن لأنى لست أرغب فى أن تموت صداقتنا مرة ثانية على أبواب المحاكم مادامت قد ماتت فى قلبى."..
وقد أوصى بحرق الإيصال!!..هذا الرجل يصيبنى دائما بالذهول. لماذا يريد منى أن أدع المجرم يفلت بجريمته؟أوليس أبناؤه أحق بهذا المبلغ الكبير من ذلك الصديق الجبان ؟..أعتقد أنه من حقى التصرف بالوصية كما أشاء مادمت مفوضا من صاحبها.لن أحرق هذا الإيصال وسأسلمه لزوجة كامل بك.أما مسودة الرسالة فهى التى أحرقتها لأن وجودها يكشف عن نية كامل بك المعلنة فى تنازله عن حقه والصفح عن صاحبه.يقتضى العدل أن يعود كل حق إلى صاحبه حتى لو مات.
•الوثيقة الرابعة :
بالمظروف صور للعديد من النساء ومن خلفها كتبت إهداءات تفيض بالرقة والعاطفة وتنم عن تباين شديد بين ثقافات كاتباتها.مع الصور مجموعة من الخطابات الغرامية المرسلة اليه على أوراق بيضاء وأخرى ملونة .ولم لا والكل يعرف أنه مستودع أسرار نساء المؤسسة وآمالهم وآلامهم وحكاياتهم التى لاتنتهى.
أوصى بحرق الصور والخطابات . نسيت كل شىء وأنا غارق فى قراءة الرسائل حتى أذنى.انفصلت عن الزمان والمكان وعشت هائما فى سحب النشوة والجمال.كلما انتهيت من رسالة قرأت غيرها،وإذا بالساعات تمضى دون أن أنتهى من إنجاز مهمتى.اتخذت قرارا قاطعا لارجعة فيه بمخالفة الوصية فيما يتعلق بهذا البند، ذلك أننى أرى فى حرق تلك الرسائل النابضة بعشق الحياة جريمة لاإنسانية بكل المقاييس،وإذا كانت المشكلة الأساسية هى خشية كامل بك من اطلاع زوجته وأولاده على هذه الرسائل،فأنا سأحتفظ بها لنفسى ولن أطلع عليها أى مخلوق.المهم ألا أحرقها أبدا.
مع كل صورة أحرقتها كنت أشم رائحة الزمن تفوح بحكايات المتعة والانطلاق.. أين أنت الآن ياترى وأين هؤلاء النساء وماذا سيقلن ويفعلن عندما يعلمن بالفاجعة؟..اللهم لاحسد ياكامل بك عليك رحمة الله.
•الوثيقة الخامسة:
مظروف به صورة بمكان عام شديد الفخامة.يتوسط كامل بك مجموعة من النساء والرجال أمام مائدة كبيرة عليها أطباق لاحصر لها من الطعام وزجاجات وأكواب وكؤوس..وفى الصورة ينفجر كامل بك ضاحكا فى سعادة أسطورية لانظير لها وكأنه امتلك الدنيا والآخرة ..لم يذكر عن هذه الصورة شيئا فى الوصية،ولكنى رأيته مجسدا أمامى يقول لى بابتسامة عطوف حانية:
-كلما آلمتك الحياة وداهمك الحزن ، أنظر الى هذه الصورة فالحياة حلوة جدا..
•الوثيقة السادسة: مظروف مغلق ماكدت أفتحه حتى سقطت منه قطعة حشيش تزن مايقرب من خمسة جرامات ملفوفة فى ورقة سيلوفان لفا محكما.تمكنت الفرحة بها من دهشتى لوجودها.وضعتها فى جيبى وأنا أنظر فى حذر يمينا ويسارا خشية أن يرانى أحد، مع علمى اليقينى بأننى وحدى فى الإدارة..صعب أن يحقق الإنسان نجاحا ملموسا فى حل المعادلة الصعبة التى يمكن له أن يجمع فيها بين ملذات الدنيا ونعيم الملكوت الأعلى وهو حىّ يرزق.عجيب هذا فعندى أن ما يؤخذ من الدنيا يخصم من الآخرة وما يؤخذ من الآخرة يخصم من الدنيا.معضلة لم أتوصل بعد الى فهمها.يواسينى على حالى اعتقادى الجازم بأن معظم الناس يعانون مما أعانى، فالظاهرة ليست فردية،وأغلب ظنى-رغم مارأته عيناى حتى الآن-أن كامل بك لم يستطع حل المشكلة حلا جذريا.تفكيره فى الهرب وحده يؤكد على ذلك.."الهى مننت علىّ بالإيمان والمحبة والطاعة والتوحيد ، وأحاطت بى الغفلة والشهوة والمعصية،وطرحتنى النفس فى بحر الهوى فهى مظلمة، وعبدك محزون مهموم مغموم قد التقمه نون الهوى،وهو يناديك نداء المحبوب المعصوم نبيك وعبدك يونس بن متى ويقول لاإله إلا انت سبحانك انى كنت من الظالمين..فاستجب لى كما استجبت له وأيدنى بالمحبة فى محل التفريد والوحدة،وأنبت علىّ أشجار اللطف والحنان فإنك أنت الله الملك المنان"..دعاء مكتوب بخط يده لم يتعرض له كامل بك فى الوصية مثلما لم يتعرض للفافة السيلوفان و التى- بناء على ذلك- قد أصبحت من حقى.
•الوثيقة السابعة:
رواية"الوصول والرحيل" للكاتب اليهودى آرثركوستلر فى طبعتها الانجليزية من سلسلة البنجوين الشهيرة.على ظهر الغلاف كتب كامل بك:"مازلت أسير فى شارع المنتهى..واثق الخطى أحيانا، وبغير هدى فى معظم الأحيان".. لم أستوعب مقصده تماما وإن كنت قد فهمت منه أن صاحبنا يؤكد فى شجاعة على عجزه عن الاستقرار والتجانس والتوازن ، والكتاب غير مذكور فى الوصية ولايلزمنى.
•الوثيقة الثامنة:
مجموعة مظروفات على كل منها إسم مكتوب بوضوح وبداخلها مبالغ مالية يبدو من تباين أوزانها أنها مختلفة القيمة.كانت بعض الأسماء للسعاة وعمال النظافة ، والأخرى لبعض الموظفين الذين لم أكن أعلم قبل هذه اللحظة أنهم من الفقراء-تحسبهم أغنياء من التعفف- كما لم أعلم كيف توصل كامل بك الي حقيقتهم .
تساءلت وأنا غارق فى بقايا حياة هذا الرجل وموته ، هل كان يعلم أنه ميت بعد لحظات ولهذا جاء يكلفنى بهذه المهمة الوعرة؟..وتساءلت أيضا كيف أنشد عنده المساعدة فى حل المعضلة ومساعدة العبد للعبد كمساعدة السجين للسجين!..
•الوثيقة التاسعة:
مظروف كبير من البلاستيك المعتم الذى لايفصح عما بداخله.كان أثقل المظروفات وزنا بالدرج.فتحته متوجسا وقد أصابت جسدى قشعريرة وكأن بداخله قنبلة ستنفجر فى وجهى.وجدته يحوى كمية مخيفة من الأوراق المالية فئتى المائة دولار والخمسين دولار.بحسبة تقديرية سريعة وجدت أن المبلغ لايمكن أن يقل عن خمسين ألف دولار أمريكى"جديد لنج"..نقلت بصرى بسرعة البرق الى ورقة الوصية لأعرف مصير هذه الثروة فلم أجد بها شيئا يشير اليها . أعدت فحص الورقة بشدة وتدقيق وقلبتها فلم أجد شيئا مكتوبا على ظهرها.أخرجت الدرج كله بعصبية من مكانه بغير أن تفارق القشعريرة جسدى.جلست على الأرض ووضعته أمامى . فى لهفة طاغية رحت أفتشه بكل عناية لعلى أجد ولو علامة رمزية تشير الى كيفية التصرف بهذه المصيبة فلم أعثر على شىء. كدت أغيب عن الوعى فى هذه اللحظة حين اختلت المقاييس فى عقلى واضطربت القيم فى ضميرى وتاه كل ماهو نسبى فيما هو مطلق،ووجدت نفسى فى مواجهة سؤال مصيرى معجز يقول:ماذا ستفعل بهذا المال يارجل؟..الذى حدث أننى-بتلقائية شديدة-سارعت بوضع المظروف فى حقيبتى..الأمر الذى لم يحدث مع أية وثيقة أخرى من الوثائق السابقة.أول ماخطر ببالى بعد أن أغلقت الحقيبة أن أوصل هذا المبلغ ومعه إيصال الأمانة الى زوجة كامل بك فى سرية تامة قبل أن تبدأ اللجنة عملها فى اليوم التالى، بحيث لايعلم أحد بالأمر حتى أقطع الطريق على ألسنة السوء التى-حتما- ستجوب أروقة المؤسسة ومكاتبها ودورات مياهها- متسائلة فى خبث عن مصدر هذه الأموال أو مفسرة لوجودها كيفما تشاء.
عدت بعد ذلك ففكرت أن أترك المبلغ فى مكانه حتى تتصرف بشأنه اللجنة التى تضم عضوا قانونيا من بين أعضائها.والحق أننى فكرت أيضا ولكن فى برقة خاطفة من الدهر أن أحتفظ بهذا المبلغ لنفسى فأؤسس به حياة جديدة لى ولعيالى تنقلنا الى العلا دون أدنى شعور بالخطر.
هذه هى المرة الأولى فى حياتى الوظيفية التى أوضع فيها موضع الاختبار الصريح والمباشر أمام إغراء المال.لقد تعرضت كثيرا لإغراء الحرام فى مجال شهوات أخرى،نجحت أحيانا فى مقاومته وفشلت أحيانا أخرى،فماأنا إلا بشر من لحم ودم وأعصاب..يالها من زيارة مرهقة وثقيلة ياكامل بك.زيارة اكتنفها غيم وضباب ومطر وانقباض قلب وخوف من المجهول.لولا زيارتك لما وجدت نفسى ساقطا فى قاع هذا البئر السحيق الذى لاقرار له.أعلم أن قليلا يكفينى خير من كثير يطغينى،وأن من هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة،وأن شر الناس من ترك عياله بخير وأقبل على الله بشر،وأن الإثم ما حاك فى القلب وترددت فيه النفس وكرهت أن يطلع عليه أحد،وأن هذا الذى يقهر نفسه أعظم من ذاك الذى يفتح مدينة،وأننى لم أستطع حتى الآن اجتياز المقامات التى توصلنى الى مقام الرضا فتحل المعضلة من جذورها.
قلبى يدق فرحا ورهبة.دقات الفرح تهدينى هذا المال فطول الأمل ينسى الآخرة، ودقات الرهبة تحثنى على إعادته الى أصحابه فاتباع الهوى يصد عن الحق..ومازلت أنشد العتق من رقى ولكنى ظللت أسيرا.
أعدت ترتيب الأوراق داخل الدرج،ثم أغلقته وانصرفت،وكانت الساعة قد بلغت السابعة مساء.
*****
لم تجد اللجنة مستندا واحدا يخص الشركة، وقدفوضت لتوزيع أظرف الصدقات وتسليم وصل الأمانة والرواية الى أهله..أما المظروف إياه ، فمازلت أحتفظ به –بغير أن ألمسه-فى مكان سرى بالبيت، إذ أننى لم أستطع حتى الآن أن أتخذ بشأنه قرارا.

[email protected]/[email protected]

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  حول الغرب والإسلام والارهاب والمثقف العربى والسلطة

 ::

  المطلق والنســــــبى

 ::

  النقطـــــــة


 ::

  الآلهة الجُدُد وخراب العالم

 ::

  حفل توقيع " حكايا مدينتين "

 ::

  !!!جمهورية اليهود: هي الحل

 ::

  ثمن التهدئة ..!؟

 ::

  المؤامـــرة

 ::

  الارتقاء بمستوى الوعي

 ::

  قصة قط الشيخ عبّاس

 ::

  عادل إمام: مصر أم العرب رغم أنف كل من يشتمونها

 ::

  معنى انتصار الثورة التونسية

 ::

  فرقتهم الحرب .. وجمعتهم الغربه



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي



 ::

  مخيم حندرات .. مخيم الشهيد عبد الله عيسى

 ::

  خفايا صفقة جهاز كشف المتفجرات المزيف

 ::

  الخوارج والحسن الصباح

 ::

  إيران والأكراد ..وذكرى اغتيال قاسملو

 ::

  موضوعات في تجاوز فشل السياسات السلطوية والإنقسامية

 ::

  من يحاسب حزب الله

 ::

  التصور الشعبى للقرارات الصعبة التى وعدنا بها الرئيس

 ::

  رسائل الأحزمة الناسفة في السعودية

 ::

  انتصار الديموقراطية

 ::

  على هامش أداء شرطة المرور بغزة: لا لِحَقٍّ يراد به باطل!

 ::

  الدين والحياة الطيبة

 ::

  التشكيك بوطنية الشيعة في الخليج

 ::

  الدلالات العشر للحكم القضائى بمصرية تيران وصنافير

 ::

  جرائم أمريكا المتوحشة






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.